البيت الآرامي العراقي




البيت الآرامي العراقي

سياسي ِ ثقافي ِ أجتماعي


 
الرئيسيةالرئيسيةبحـثالتسجيلarakeyboardsyrkeyboardدخول

شاطر | 
 

  أوراق من حافظة الزمن سيرة وذكريات / بهنام سليمان متى

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Dr.Hannani Maya
المشرف العام
المشرف العام



الدولة : العراق
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 37598
مزاجي : أحب المنتدى
تاريخ التسجيل : 21/09/2009
الابراج : الجوزاء
التوقيت :

مُساهمةموضوع: أوراق من حافظة الزمن سيرة وذكريات / بهنام سليمان متى   الأربعاء 30 ديسمبر 2015, 11:06 am

Feb 27, 2007      
    سيرة وذكريات
أوراق من حافظة الزمن


 

                            
                            الحلقة الأولى


بهنام سليمان متى
سان دييگو - كاليفورنيا

قبل فترة سألني الأخ أبو فرات (حنا مّيا الشماس) الذي يعيش مغترباً في صقيع ألمانيا، بعد أن كان في بلده كبير الجاه، موفور الحال، واسع المعشر، ... سالني أن أكتب شيئاً عن تلك الفترة الجميلة  التي عملتُ فيها  معلماً ثم مديراً لمدرسة كرمليس قريتنا العزيزة التي تركناها بعيداً، لكنها لا تزال تحيا في كياننا رغم طول النوى، وعمق الزمان وكان هو ونخبة طيبة من رجالنا الكرام اليوم، كانوا يومذاك تلاميذ في تلك المدرسة الصغيرة، التي نمت وتوسعت مع الأعوام بجهود معلمين أوفياء، أحتضنتهم وحبتهم إدارة أخوية تفانت هي الأخرى معهم، فأنتجوا أجيالا من الشباب، دخلت معارك الحياة مزودة بالعلم والخلق والعزيمة،

فأثمرت وأينعت، فكان لها في ميادين العمل الباع الطويل، ولا بّد وأن أبا فرات وأقرانه يحملون الكثير من ذكريات تلك الحقبة، فالتلاميذ الصغار يتتبعون دائماً بكثير من الفضول تصرفات معلميهم، ويحاولون أن يكتشفوا المزيد منها، سواء كان ذلك ضمن عالم المدرسة أم خارجه، ولهم اليوم في مخيلتهم صورُ عديدة متنوعة عنهم، قد تكون جميلة ناصعة جذابة عن بعضهم، وقد تكون قاتمة ضبابية عن البعض الأخر، فتلك من سمات الفترة الدراسية التي أمضوها على مقاعد الدرس، بما فيها من تفاعل وتماس يومي مع المعلم والكتاب.

لا بد يا عزيزي – حنا - أن أقف مع نفسي قليلاً، ثم امضي في رحلة طويلة الى الوراء قد تمتد لأكثر من خمسين عاماً، لأغوص خلالها في بحيرة الزمن وأصطاد بعضاً من تلك الصور التي لا زالت الذاكرة تختزنها في أعماقها وكأنها حدثت بالأمسِ القريب، لا في خمسينات القرن العشرين.

عندما نقلتُ معلماً الى كرمليس سنه 1952 – 1953 الدراسية، كانت لديّ خبرة تعليمية لا تزيد عن ثلاث سنوات، أمضيتها في حوض الفرات الأوسط بين (سوق شعلان القرية الصغيرة في ناحية المشخاب على أحد فروع نهر الفرات) وبين مركز قضاء الشامية الكبير في لواء الديوانية، وقرابة ستة أشهر من عام 1951 – 1952 الدراسي في مديرية معارف الموصل التي نسبت اليها بعد نقلي من الديوانية، وكانت هذه السنوات الثلاث الأولى من حياتي العملية التي أمضيتها بعيداً عن بيتي واهلي وأنا في مستهل شبابي، حافلة بالكثير من التجارب والخبرات، فرغم حداثة سني يومذاك، أستطعتُ بما كانت لديّ من خلفية ثقافية أدبية، أن أبني علاقات محبة ومودّه مع ابناء تلك المناطق، وجلّهم من المزارعين والفلاحين الملتصقين بأرضهم ومائهم، ومع غيرهم من المثقفين الراسخين في علوم التاريخ والنحو والأدب، ولمَِ لا وهم قاب قوسين أو أدنى من النجف حاضرة العلم والشعر والأدب، كما أستطعت أن أكون داخل المدرسة عنصر انسجام وتعاونٍ مع الهيئات التعليمية لتلك المدارس، وهم شتيت غير متجانس بعضهم من ابناء المنطقة، والبعض الأخر من الألوية الشمالية و الجنوبية، وفي مركز قضاء الشامية الذي عملت فيه سنة وبضعة أشهر من السنة الدراسية التالية، وكان يعجُّ بالدوائر الحكومية والموظفين، وعدة مدارس ابتدائية وثانويتين للبنين والبنات، ... كان عليّ أن أعرف كيف أتعامل مع هذا الجمع الغفير من الموظفين والمعلمين، وأن أبتعد قدر امكاني عن المنازعات التي كانت تدور بين أعضاء الهيئات التعليمية من جهة، وبين بعضهم وادارة المدرسة التي كنت اعمل فيها من جهة اخرى، لأكون دوماً أداة خير ومحبة بين هذا وذاك، وكانت قابلياتي الأدبية، وما كان يُنشر لي كل اسبوع في الصحافة البغدادية من مقالات وخواطر وشعر مترجم (قد لا استطيع اليوم ترجمة مثله) جواز سفري الى الطبقة الأدارية في القضاء، قربني من بعضهم وعرفني اليهم، وجعلني أساهم في العديد من الندوات التي كانت تعقد في نادي القضاء. فلما نُقلت الى الموصل وعملت قرابة ستة أشهر في مركز مديرية المعارف، كانت لي من الخبرة ما أهلني للتعامل مع موظفي المديرية - قليلي العدد يومذاك - وقد زودتني فترة عملي بالموصل بالكثير من المعلومات عن مدارس مدينة الموصل واداراتها، وعن مدارس القرى والأرياف ايضاً، حتى بتُ بحكم عملي أعرفهم واحداً واحداً، ورغم عملي الكتابي في مديرية المعارف تلك الفترة، الاّ انني لم انقطع عن الجو الدراسي، فقد تمرضّ في (مدرسة العراقية) للبنين، معلم الأنكليزية، وبات الصف السادس شاغراً، وتلامذته أمامهم امتحان وزاري، فسألني مفتش المدرسة الأستاذ (خيري عبد اللطيف) أبو راجح رحمه اللـه ان كنت استطيع مساعدة اولئك التلاميذ بأكمال منهجهم، فقبلت راضياً، وكنت أقصد مدرسة العراقية (كانت تقع بين باب لكش وباب الجديد) كل يوم لألقي على اولئك التلاميذ مواد الدرس ثم أعود للعمل في الدائرة بقية اليوم، وواصلت تدريسهم حتى انتهاء العام الدراسي، لأنفك من مديرية المعارف صيفاً ثم أنقل في مستهل العام الدراسي 1952 – 1953 من مدرسة البريفكان التي كنت على ملاكها- لكنني لم أرها- الى ملاك كرمليس.


عدل سابقا من قبل Dr.Hannani Maya في الأربعاء 30 ديسمبر 2015, 11:18 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Dr.Hannani Maya
المشرف العام
المشرف العام



الدولة : العراق
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 37598
مزاجي : أحب المنتدى
تاريخ التسجيل : 21/09/2009
الابراج : الجوزاء
التوقيت :

مُساهمةموضوع: رد: أوراق من حافظة الزمن سيرة وذكريات / بهنام سليمان متى   الأربعاء 30 ديسمبر 2015, 11:09 am

March 04, 2007                                                                                        سيرة وذكريات

                   أوراق من حافظة الزمن




                            الحلقة الثانية
بهنام سليمان متى
سان دييگو - كاليفورنيا

باشرت معلماً في مدرستي التي تتلمذت على رحلاتها الخشبية، وكانت الهيئة التعليمية فيها، تضم معلمين اكبر مني عمراً، وفيهم من تعلمت على يديه الألف باء كالمرحوم الأستاذ عبد المسيح بهنام القره قوشي طيب اللـه ثراه وكان معنا على ما أتذكر (يقين ايليا الأسود، ناثان نعوم مصلوب، بولص يوسف قرياقوس) رحمهم اللـه، وكان يدير المدرسة تلك السنة الأستاذ ميخائيل توما ميرم من تلكيف، أطال اللـه عمره، الذي التقيته في سان دييگو يوم جئتها زائراً عام 1989، ولا يزال يعيش هنا مع عائلته، ألقاه في الكنيسة أيام الأحاد بين وقت وآخر، وكان قد تولى الأدارة لأول مرّة في كرمليس، والحق يقال كان رجلاً شهماً وادارياً ناجحاً، تعامل مع زملائه المعلمين بأخوة ومحبة وتواضع، فتعاونت معه الهيئة التعليمية بجدّ واخلاص، وخلال تلك السنة كان نصابي من الدروس، اللغة العربية والواجبات الوطنية في الصفين الخامس والسادس، والحساب والعربية (اختصاص في الصف الثالث) فكنت بحكم هذه الحصص قريباً من الفئة العمرية الوسطى للتلاميذ، ومن الفئة العمرية الأخرى المتقدمة منهم وأعني الصف السادس المنتهي، وخلال النصف الثاني من العام الدراسي، كنت أجمع التلاميذ بعد الدوام في دروس اضافية للغة العربية باذلاً قصارى جهدي في تركيز المادة بأذهانهم وتبسيطها لهم ليكونوا في مستوى علمي جيد، يتمكنون من اجتياز الأمتحان الوزارى بتفوق وبدرجات عالية تؤهلهم مواصلة دراستهم المتوسطة، فقد كان وقتي مقسماً بين البيت والمدرسة التي لا تبتعد عنه سوى خطوات، لأن الحياة في الريف كانت بسيطة جداً، والقرية صغيرة بأمكانك أن تلّف أزقتها بوقت قصير، ولا مكان للترفيه وقضاء الوقت، غير مقهى متواضع يعّج بلاعبيه ومدخنيه، فليس هناك أفضل من البيت والمدرسة تصرف وقتك فيهما بالمطالعة والتتبع وتحضير دروس اليوم التالي.

سارت الأمور تلك السنة الدراسية، رخية هنية، ديدنها التعاون والتكاتف والتفاني في اداء الواجب لصالح المدرسة والتلميذ الذي هو محور العملية التربوية، وفي النصف الثاني من السنة الدراسية، حدث تغيير في ادارة المدرسة، فقد أتفق كلُّ من الأستاذ ميخائيل ميرم مدير كرمليس، والأستاذ ميخائيل يوسف شينا مدير مدرسة العرفان في تلكيف أن يحلّ أحدهما بمحل الآخر وظيفياً، لظروف مرّ بها الأستاذ شينا، فعاد الاخ ميرم وعائلته الى تلكيف بعد العطلة الربيعية، وجاء (أبو احسان) الأستاذ شينا الى كرمليس وحيداً دون عائلته، ولم يكن غريباً علينا فقد اشتغل في كرمليس معلماً خلال الأربعينات، وعاش مع زوجته في بيت المرحوم الياس كتيلا، وكنت تلميذه في الصف السادس، علّمنا الحساب والهندسة، وهو شخصية بسيطة محبوبة متواضعة يكّن له أهل القرية الكثير من المحبة والأحترام. فواصلنا كمعلمين العمل معه، وبقيت أنا بالذات أتعاون واياه في القضايا الأدارية التي تدربت عليها يوم عملت في معارف الموصل، ولما زارنا المفتش الأستاذ (محمود شيت الجومرد) رحمه اللـه في جولته الثانية، ووقف على الجهد الكبير الذي بذلته مع تلامذتي، لاسيما في عربية السادس حيث كانوا شعلة من الذكاء والتفوق في القواعد والأعراب والتعبير، فاتحني ذات مساء ونحن نتعلل معه في بناية المدرسة حيث كان ينام ليلاً، في أن أتولى ادارة المدرسة في العام التالي، إذ سيعود الأستاذ ميخائيل شينا الى بلدته تلكيف، فأعتذرت له مفضلاً البقاء معلماً ناجحاً على أن أدير مدرسة أغلب معلميها أكبر مني سناً، ومنهم من تتلمذت على يديه، وقد تعيقني هذه الأمور عن اداء مهامي القيادية بصورة حسنة، فسكت الرجل وطوى الموضوع دون أن يأتي عليه ثانية، وجاء تقريره السنوي مشيداً بقابلياتي وطاقاتي، مع شكره وتقديره لجهودي مع تلامذتي، ولمّا حلّت السنة الدراسية الجديدة 1953 – 1954، وصدرت ملاكات المدارس الابتدائية، كنتُ فيها قد نُقلت من معلمية كرمليس الى ادارتها، فتعجبت للأمر الذي لم اكن أتوقعه ثم راجعت الجومرد في الموصل مبدياً استغرابي مما حصل، فأعلمني أنه وضع ثقته فيّ، وعليّ أن أقدّر هذه الثقة، واسير في عملي كما عرفني، وسيكون عوناً لي يذلل كل عقبة  كأداء تعترضني، فأسلمت امري للـه واستلمتُ الأدارة من استاذي ميخائيل شينا، وكان بعض زملائي المعلمين يعتقدون أنني سعيت لها بما لديّ من معارف في الدائرة التي عملت فيها، لكنني وضحت لأخواني المعلمين في اول اجتماع لنا، وكان فيهم من نقل الى المدرسة حديثاً كالمرحومين (عازر متي شعيا) و(حنا كوركيس المختار) والسيد (شابا داود خضر) وثلاثتهم من برطلة، وضحت للجميع انني- ويشهد اللـه - ما سعيت لهذه المسؤولية الزائدة، وانني أخ صغير لهم، حُمِلتُ أمانة تربوية قد تكون أثقل من طاقتي المتواضعة فأناشدهم التعاون والتكاتف لصالح التلاميذ الذين هم أمانة في أعناقنا، علينا أن نعرف كيف نربيهم تربية فاضلة ونقومهم نحو الصالح المفيد ليكونوا عناصر نافعة متفاعلة في المجتمع، والحق يُقال ما تهاونت الهيئة التعليمية في التعاون معي في كافة الجوانب التربوية، ومن جهتي كنت المربي الديمقراطي ما تصرفت تصرفاً منفرداً، بل كنت اعرض معوقات المسيرة التعليمية على مجلس المعلمين الذي يعقد عادة مرّة كل شهر، أو كلما دعت الحاجة، وأحكم الجماعة في الخلافات التي قد تظهر أحياناً، وأرضخ لرأي الأكثرية وان كان لا يتفق وتوجهاتي، فقد عشت سنوات عملي السابقة مع ادارتين مدرستين متناقضتين، إحداهما أخوية شفافة تنضح محبة وتفاهماً، والأخرى متعالية تسلطية لا همّ لها سوى اثارة المشاكل بين المعلمين، تؤلب هذا على ذلك، وتدفع الزميل الى التشكيك بزميله، كأنها دائرة أمن وليست مؤسسة تربوية ثقافية. فتعلمت من الأولى المُِحبة الُمتسامِحة المتآزرة شيئاً كثيراً، طبقته في حياتي العملّية ولا زلت اذكر بكثير من الخير والأمتـنان، ذلك المربي الفاضل الأستاذ الشاب (حميد عبد الزهرة) مدير مدرسة سوق شعلان في لواء الديوانية، فقد كان مثالي الذي حذوت به في السنوات الطويلة التي توليت فيها ادارة كل من مدرستي كرمليس والتضامن في دهوك.


عدل سابقا من قبل Dr.Hannani Maya في الأربعاء 30 ديسمبر 2015, 11:16 am عدل 2 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Dr.Hannani Maya
المشرف العام
المشرف العام



الدولة : العراق
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 37598
مزاجي : أحب المنتدى
تاريخ التسجيل : 21/09/2009
الابراج : الجوزاء
التوقيت :

مُساهمةموضوع: رد: أوراق من حافظة الزمن سيرة وذكريات / بهنام سليمان متى   الأربعاء 30 ديسمبر 2015, 11:11 am

March 08, 2007                                                                                        سيرة وذكريات
                             أوراق من حافظة الزمن


   الحلقة الثالثة


كانت دروس الكلدانية والدين تلقى على التلاميذ من قبل أحد الكهنة أو الشمامسة وفق مناهج خاصة تعّد من قبل الكنيسة المركزية لكافة مدارس طائفة الكلدان في لواء الموصل، وكانت مديرية المعارف تصرف لهؤلاء أجور محاضراتهم، وفي فترة تولى المرحوم الأب القس (حنا شبوبا) هذه المسؤولية، فيما تولاها في فترة أخرى المرحوم الشماس (يوسف زورا ججيكا)، وكان التلاميذ المسلمون اوقات درس الدين المسيحي يتجمعون في الساحة اثناء المواسم المعتدلة، أو يدخلون احدى الغرف الفارغة أيام الشتاء والمطر. وكان هؤلاء التلاميذ يأتون من القرى المجاورة لكرمليس مثل قرى (باز كرتان، شاه قولي، شيخ أمير، بدنة كبير، بدنة صغير) وهي قرى تقطنها جماعة من المسلمين الشبك، وكان هؤلاء التلاميذ يقطعون المسافة بين قراهم والمدرسة يومياً ذهاباً واياباً وهي لا تقل عن سته كيلو مترات سيراً على الأقدام، أو رُكباً على الحمير، أو امتطاءً دراجة هوائية. فكان عناؤهم شتاءً صعباً، لذلك كانت المدرسة تثيبهم على هذا الجهد، بأن توليهم عناية متميزة، وتهيء لهم شتاءً غرفة بموقد فحمي يتدفأون من خلاله ويجففون ما أبتلّ من ثيابهم قبل دخولهم الى صفوفهم، وكانوا وأيمّ الحق تلامذة مؤدبين يعرفون قدر أنفسهم، فلم يدخلوا مع زملائهم بنزاعات تذكر، ولم يسببوا لنا أي مشاكل، وكان أولياؤهم بنفس الوقت متعاونين معنا، يزوروننا بين وقت وآخر، ويقدمون لنا الكثير من الدعم والتأييد، وكانت لنا علاقات طيبة مع الكثير منهم، وعندما تواجد في المدرسة معلم من اخواننا المسلمين هو السيد (حازم علي رجب) من الموصل أوكلت اليه تدريس هؤلاء التلاميذ الدين الأسلامي، حسب المناهج المقررة، إذ كان جدول الدروس يتيح لتلاميذ صفين او اكثر تلقي تعليمهم الديني في وقت واحد، وكانت مبادرتي هذه موضع ثناء معارف الموصل، ومفتش المدرسة اللذين ثمنا فيّ هذه الألتفاتة نحوهم، وأظنها من حقهم وليست مِنّة ما دام في المدرسة من هو مؤهل لتعليمهم.

ظلت علاقاتي الوظيفية والاجتماعية مع أهل القرية طيبة، ومع رجال الدين متينة، فكنت اولي الجانب الديني وضرورة إلتزام التلاميذ بالتواجد يومياً  في صلوات الكنيسة، كل الأهمية، وأتابع هذا الموضوع مع الكاهن المحاضر، وأحاسب المخالفين والغائبين بلا اذن، وكنت دوماً أحث التلاميذ على التقوى وطاعة الوالدين ومخافة اللـه، وأرى من الضروري أن تُغرس في نفوس هؤلاء الصغار في هذه المرحلة المثل العليا ومبادىء الفضيلة والصدق ومكارم الخلق. والكنيسة والمدرسة والبيت هم من يستطيع تحقيق ذلك إذا توفرت النيات الحسنة والوسائل الصائبة، وكنت على تماسٍ مع البيت والبيئة، كثيراً ما دعوت أولياء الأمور الى زيارة المدرسة لأتحاور معهم حول حالات ابنائهم، يشاركني في ذلك زملائي المعلمين، شارحين للآباء ما لبعض التلاميذ من جوانب سلبية أو معوقات دراسية، محاولين بالتعاون وضع هؤلاء على الطريق السليم، ليتمكنوا اللحاق بأقرانهم واكمال دراستهم بما يسّرهم ويسّر ذويهم، وقد كانت الأمور تسير بحمد الرب سيراً حسناً، والغالبية من الأولياء تتجاوب مع المدرسة كل التجاوب.

كانت مدرسة كرمليس تشغل بناية تعود ملكيتها لوقف كنيسة الكلدان، وكانت قد شيدت قبل اكثر من خمسين عاماً وبالتحديد عند انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918 واحتلال ولاية الموصل العثمانية من قبل الأنكليز، وكان للمرحوم الأب الخوري (يوسف تمو) الآيادي البيضاء في تشييد هذه البناية واكمالها بما قدمته حكومة الأحتلال آنذاك من مساعدات مادية لأنجازها، وقد تولى الخوري يوسف تمو ادارة المدرسة عند افتتاحها لعدة سنوات ساعده معلمون عينتهم معارف الموصل منهم الأب الخوري بولص بحودا تمو رحمه اللـه الذي ظلّ يمارس التعليم فترة طويلة حتى احالة نفسه على التقاعد، وكانت بناية كبيرة مشيدة بالجص والرخام على شكل رواق طويل عالي القباب تتراصف غرف الصفوف وراءَه، أمامها ساحة واسعة ذات حديقة بديعة، ومن الشرق تحيط بالبناية كروم عديدة للعنب، وقد ظلت المعارف تستغلها كمدرسة مجاناً بلا بدل ايجار، واذا احتاجت الى بعض الترميمات فكانت الكنيسة أحياناً تتولى مشكورة ذلك، أو تقوم المعارف برفدها بسلفة مالية صغيرة لنفس الغرض، ولما توليت الأدارة وأصبحت الحاجة ماسة الى غرف اضافية لتسد التوسع الذي حصل في عدد التلاميذ مع مرور الأعوام، وجدت أنه من الضروري مفاتحة المعارف بضرورة الصرف عليها، لاسيما وأن في القرى المجاورة بنايات اهلية مؤجرة من أصحابها لتكون مدارس، فكتبت مقترحاً صرف مبلغ يعادل بدل الأيجار السنوي لغرض اجراء ما تحتاجه من ترميمات أو اضافات تقتضيها الحالة، وبما كانت لدي من دالة على بعض موظفي حسابات المعارف وأخص بالذكر مدير الحسابات المرحوم الأستاذ (ميخائيل توفيق سردار) طيب اللـه ثراه، الذي لم يدخر جهداً في سبيل اعانتـنا، حصلت الموافقة على تخصيص مثل هذا المبلغ كلما تطلب الأمر وبفضل هذه المساعدة رممت كافة الأسطح مجدداً بالأسمنت بعد قلع طبقة الجص القديمة المتشققة المتفطرة التي كانت السبب في تسرب المياه الى الغرف شتاءً، كما تمكنت خلال بضعة اعوام من بناء ثلاث غرف جديدة على جانبي المدخل الرئيسي استخدمت كصفوف اضافية، ثم غرفة صغيرة بجانب الأدارة  كمخزن، وقبو آخر ملاصق للمخزن لحفظ خزانات مياه شرب التلاميذ.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
أوراق من حافظة الزمن سيرة وذكريات / بهنام سليمان متى
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البيت الآرامي العراقي :: كرملش , ܟܪܡܠܫ(كل ما يتعلق بالقديم والجديد ) وبلدات وقرى شعبنا في العراق Forum News (krmelsh) & our towns & villages :: منتدى تاريخ وتراث كرمليس (كرملش ) وقرى وبلدات شعبنا في العراق heritage karamles Forum & our towns & villages-
انتقل الى: