البيت الآرامي العراقي




البيت الآرامي العراقي

سياسي ِ ثقافي ِ أجتماعي


 
الرئيسيةالرئيسيةبحـثالتسجيلarakeyboardsyrkeyboardدخول

شاطر | 
 

 وطن يُسمّى العراق ، ولكن أي وطن .. وأي عراق ؟!

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Dr.Hannani Maya
المشرف العام
المشرف العام



الدولة : العراق
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 37598
مزاجي : أحب المنتدى
تاريخ التسجيل : 21/09/2009
الابراج : الجوزاء
التوقيت :

مُساهمةموضوع: وطن يُسمّى العراق ، ولكن أي وطن .. وأي عراق ؟!   الأربعاء 25 أغسطس 2010, 2:43 am

وطن يُسمّى العراق ، ولكن أي وطن .. وأي عراق ؟!

بقلم : د . محمد فلحي


عراق اليوم هو دولة عاشت بين احتلالين: بريطاني مطلع القرن العشرين وأميركي مطلع القرن الحالي. وما يفصل بينهما هو قصة صراع ودمار وفشل في تكوين دولة متطورة ومجتمع متسامح. والنتيجة أوضاع معيشية قاسية وقيم اجتماعية مشوهة، وبيئة مشبعة بالحقد والكراهية والشكوك.
ميدل ايست اونلاين
في أي بلد، يمكن أن يكون يوم انسحاب القوات الأجنبية المحتلة عيداً وطنياً، بيد أن الحالة العراقية أفرزت ظواهر عجيبة، من بينها أن الكثيرين يتمنون اليوم بقاء القوات الأميركية خشية انهيار العملية السياسية، وازدياد الفوضى السائدة، وربما عودة الاقتتال الطائفي، والأعجب من ذلك أن أكثر المتشددين في المطالبة بالانسحاب، قبل سنوات، هم اليوم أكثر العراقيين رغبة في بقاء المظلة الأميركية فوق رؤوسهم، خشية أن تتدحرج هذه الرؤوس بسيوف خصومهم المتربصين!


في لحظة صافية من غبار الزمن العجيب، وبعيداً عن سحب الدخان وأصوات الانفجارات، والتصريحات الأميركية والعراقية المتضاربة، يمكن للمرء أن يرى بوضوح أن علة العلل في مأساة العراق، هو غياب الثقة بين العراقيين أنفسهم، وسيادة منطق الإلغاء والتكفير بين نخبهم السياسية والدينية والاجتماعية، وذلك بسبب الفشل في احتواء التعدد القومي والديني والمذهبي والحزبي، في بلد صغير نسبياً، حسب المقاييس السكّانية والجغرافية، عجزت قياداته الحاكمة، منذ مطلع القرن العشرين، حتى اليوم، في تكوين نظام سياسي يضم الجميع ويحتوي التعدد، ويوفر العدالة، ويحقق الأمن ويضمن الرزق الكريم، لسكانه جميعاً، وهذه القضية كانت وستظل التحدي الذي يواجهه أي نظام سياسي في العراق، رغم محاولة بعض السياسيين إخفاء رؤوسهم في الرمال خشية رؤية الصورة الصادمة، أو الضحك على أنفسهم قبل غيرهم بالقول أن التعدد يمثل عنصر قوة، وأن الشعب العراقي لم يكن يعاني من مظاهر التفرقة القومية والطائفية، وأن هذه المظاهر برزت بعد الاحتلال الأميركي، أو الزعم أن الدستور الحالي والنظام الديمقراطي القائم قد تجاوز هذه القضية وحلها نهائياً.



فرصة للتفكير في المصير!





ولعل مناسبة الإعلان عن الانسحاب الأميركي من العراق في شهر رمضان المبارك، شهر الفضيلة والخير، فرصة للعراقيين جميعاً، في التفكير في مصير بلدهم في مرحلة ما بعد الاحتلال، تصفو فيها العقول، وتتخلص النفوس من مغريات الدنيا، ويتجنب الناس التعصب والخصام، ويبتعدون عن نزعات التجبر والتفاخر، فالله لا يحب كل مختال فخور، ولا يحب سبحانه إلا الصادقين المتعففين المتطهرين الصابرين المتقين، وهؤلاء قلة قليلة في ظل فساد الدنيا وتلوث المجتمع وغياب الإيمان، وتغييب الضمير في سلوك الكثير من الناس، وبخاصة المتنافسين على السلطة، مع الأسف، حتى أصبح الدين لديهم يعني التعصب والانغلاق والكراهية، وأصبحت المقاومة والجهاد لدى بعضهم تعني الإرهاب والقتل والتدمير، وباتت إبادة الأبرياء من سبل التقرّب إلى الله، حاشاه وهو منهم براء، ولعل في ذلك تفسير لمحنة العراق وأهله، منذ عقود عدة حتى اليوم، ولا أريد أن أتهم ظلماً أهلي الذين تقرحت عيوني في فراقهم، وتفطر قلبي أمام معاناتهم المستمرة، ولا أصف بسوء شعبي الذي طالما تباهيت أمام الآخرين، بحضارته وثقافته وأخلاقه، ولكن على كل ذي عقل وبصيرة أن يتأمل ويقول الحق، مهما كان الثمن، لعلنا نجد بصيص نور، يقربنا من الله ويهدينا إلى الحقيقة المفقودة، بدلاً من الصراع والاختلاف والتناحر والخصام والموت والانتقام المتبادل!

من المعروف أن العراق بلد محاصر بين أمم ودول كبيرة، وقد كان طوال تاريخه ساحة مفتوحة لغزوات وأطماع الآخرين، من كل جانب، حيث تركت تلك الحروب والنزاعات المتكررة ندبات عميقة وجروح غائرة في طبيعة المجتمع والشخصية العراقية، حتى بات السلوك التقليدي اليومي بين العراقيين أنفسهم، ومع غيرهم، يميل إلى العنف وفقدان الثقة بالآخرين، والتخوين، والرغبة في المغالبة والانتقام، إلى جانب لغة مليئة بمفردات المجاملة والتودد الزائف، وازدواجية عجيبة بين قيم البداوة والتحضر، وتناقض فضيع بين مظاهر الإيمان والإلحاد، وغيرها من الصفات والظواهر التي شخصها عالم الاجتماع المرحوم الدكتور علي الوردي في جميع مؤلفاته، ويستطيع من يريد التعرف على تفاصيلها المرة أن يعيد قراءة تلك المؤلفات، التي مضى أكثر من نصف قرن على نشرها، لكنها ما تزال صادقة، ناطقة فيما نعيشه اليوم من واقع مرير، حيث تفاقمت وتعمقت الكثير من تلك السلوكيات والظواهر التي كان ينبغي اختفاؤها وتجاوزها في ظل تطور الحياة ومظاهر التنوير التي سادت العالم كله، منذ بداية القرن العشرين، ولعل من أخطرها التعصب العرقي والمذهبي، وإن أسوأ ما في ذلك التعصب هو أن يتحول إلى سلوك سياسي، يؤدي إلى الاقتتال والإبادة.

وقد أسهمت في تكريس هذه الأمراض الاجتماعية والسلوكيات الخاطئة، عوامل عديدة من أهمها، الهيكل السياسي الذي شيدت عليه الدولة العراقية الحديثة، منذ تأسيسها على يد البريطانيين، في مطلع القرن العشرين، وهو الهيكل المصطنع الذي لم يزرع في نفوس العراقيين سوى الشعور بالظلم وعدم العدالة، بدلاً من الوحدة الوطنية المفترضة، حيث قامت بريطانيا بتصنيع نظام ملكي، يناظر النظام البريطاني حرفياً، مع فارق بسيط وهو استيراد الأسرة الهاشمية من الحجاز، وتنصيب فيصل الأول ملكاً على العراق بعد فقدان ملكه في سوريا وطرده من قبل الفرنسيين. وقد كان العراق في تلك الفترة، يعاني من التمزق والضياع، بعد خروجه من الاحتلال العثماني التركي الذي شهد موجات كر وفر وصراع قومي ومذهبي مع الجار الإيراني، استمر لعدة قرون.

وعلى هذا فإن العراق، الذي وقع تحت الاحتلال البريطاني، بعد هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى، لم يكن دولة، وكان أقرب إلى كونه تجمع من الشعوب والطوائف والقبائل التي تبحث عن هويتها في ظل الاحتلالات المتعاقبة، والتجاذبات القبلية والطائفية، وكانت ثورة عام 1920 ضد الاحتلال البريطاني أول واقعة تاريخية عبّرت عن وجود مخاض لميلاد "أمة عراقية" تريد أن تولد من جديد، فتمت الولادة القيصرية على يد المحتل، وفق مقاييسه الاستعمارية ومصالحه، وبمشاركة فئة قليلة من العراقيين، ومن ثم فإن النظام الملكي، الذي دام نحو أربعة عقود، حتى سقوطه عام 1958 قد فشل في تحقيق أهم الأهداف التي كان ينبغي العمل على تحقيقها في مرحلة التأسيس، وهو زرع الشعور بالانتماء الوطني، وتذويب الفوارق، بدلاً من تكريس الانقسام العرقي والديني والطائفي، فعلى الصعيد الخارجي ظلت قضايا ترسيم الحدود مع الدول المجاورة تمثل ألغاماً قابلة للانفجار، في أية لحظة، تهدد كيان الدولة الوليدة بحروب دامية ونزاعات مستمرة، أثمرت، فيما بعد، عن نشوب حربين رهيبتين ضد إيران والكويت، دمرتا قدرات العراق وثرواته لعدة أجيال قادمة.

وفي المجال الاقتصادي، لم تستثمر الثروة النفطية الهائلة في تحقيق التنمية والرفاهية، ولعل تلك الثروة السائبة تُعد أحد أسباب المأساة العراقية، فلم يشهد العراق توظيفاً عاقلاً لهذه الثروة في خدمة المجتمع، وذلك بالمقارنة مع النموذج الخليجي الذي جعل من ثروة النفط مادة لاصقة لتجميع أمارات بدوية وقبائل مشتتة، وضمها في بلدان حديثة متطورة، بسرعة فائقة!

وفي مجال الخدمات والبنية التحتية، كان البناء بطيئا ومتعثراً، لا يتناسب طردياً مع التزايد السكاني وتغير ظروف الحياة، حيث تفاقمت، في ظل عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، أزمات السكن والنقل والكهرباء والمياه والصرف الصحي والرعاية الصحية والتعليم، وبعد فترة قصيرة من الانتعاش النسبي في السبعينيات، بسبب ما يسمى "الفورة النفطية"، دخل العراق مرحلة الحروب المدمرة والحصار، وتراجعت الدولة إلى الوراء، واكتفت بتوفير الحماية الأمنية لقصور الحكم، وتركت المجتمع يتخبط في الفوضى، فانهارت الخدمات وتزايد الفقر والحرمان والجوع، إلى جانب تصاعد الإجراءات القمعية البشعة، مثل قطع الألسن والأذان والأيدي، وتغييب الآلاف في المقابر الجماعية، وتحريم الرأي الآخر، ومنع السفر وغيرها، في حين كانت دول مجاورة، وبعضها لا يمتلك أية ثروات طبيعية مثل العراق، تحقق قفزات هائلة في سبيل توفير الحياة الكريمة لشعوبها. وقد اضطر العراقيون للهجرة والتشرد على أرصفة الشوارع في تلك الدول القريبة والبعيدة، التي لم تعاملهم باحترام أبداً، فمن لا يجد الكرامة في وطنه، وبين أهله، عليه أن لا يتوقع الحصول عليها من الآخرين!

وعلى الصعيد الداخلي بقيت القضية الكردية دون حل وطني سلمي، تستنزف قدرات الدولة والجيش العراقي في حروب داخلية جبلية، ليس فيها منتصر أو مهزوم، في الأغلب، وظلت هذه القضية نازفة، ومفتوحة على المجهول، حتى يومنا هذا، وقد تكون أكثر تعقيداً في المستقبل، إذا ما تهيأت الظروف الإقليمية والدولية لإعلان الأكراد دولتهم المستقلة.

وعلى الصعيد المذهبي كان هيكل الدولة يعاني من التشوه والاختلال، فقد كانت الأكثرية تنظر إلى نظام الحكم على أنه حكم الأقلية سواء في العهد الملكي، أو في عهد الانقلابات والدكتاتوريات العسكرية، وذلك على الرغم من عدم وجود أي نص دستوري يمنع أو يحرم أي مواطن عراقي من تقلد أي منصب في الدولة بسبب انتمائه القومي أو الطائفي، إلا أن الواقع الفعلي يكشف عن تمييز وحرمان من مواقع السلطة المهمة، وتجاهل إلى حد الاستهزاء والسخرية، فيما يخص الأكراد كقومية شريكة في هذا البلد، وتغييب إلى حد الاحتقار، فيما يخص المسيحية كديانة ثانية، أو فيما يخص الشيعة كمذهب إسلامي سائد في العراق منذ خلافة الإمام علي بن أبي طالب، وانتقال عاصمة الخلافة الإسلامية من المدينة المنورة إلى الكوفة.

هذه التركيبة السياسية المشوهة، التي يحيطها شعور عميق بالغبن وإحساس بالظلم، من جانب الأكثرية، ظل يترسب في النفوس، طوال عقود عديدة، أدت إلى نشوء أوضاع اقتصادية واجتماعية أكثر اختلالاً وخطورة، فالعراق قبل ظهور الثروة النفطية كان بلداً زراعياً، يوصف بأرض السواد لخصوبة أرضه ووفرة مياهه وكثافة مزروعاته، وفي ظل النظام الإقطاعي الذي كان قائماً خلال الحكم الملكي تركزت ملكية الأرض في يد عدد قليل من زعماء القبائل الموالين للنظام القائم، وكانت الأكثرية الساحقة من الفلاحين الفقراء محرومين من أبسط سبل الحياة الكريمة، وليس ثمة حرج من القول إن الظلم والفقر الإقطاعي كان يتركز في المناطق الشمالية والجنوبية، في حين كان سكان العاصمة وما حولها من مدن يجدون بدائل للرزق وفرصاً للتعليم والعمل في الوظائف المدنية والعسكرية والتجارة وغيرها، وكانت هذه الطبقة تمثل نواة الدولة العراقية، التي تفاعلت مع النظام السياسي القائم حينذاك ودعمته وزودته بالرجال والمال، في حين كان التهميش نصيب الأطراف البعيدة، التي تنظر إلى بغداد باعتبارها رمزاً للتسلط والقسوة، فلم يكن الفلاح الهارب من جحيم الإقطاع يجد في بغداد وظيفة أفضل من فرّاش في أحد المكاتب الحكومية أو جندي أو شرطي أو كنّاس للقمامة، ولم يكن أمام أغلبية هؤلاء المهاجرين إلى العاصمة سوى السكن في أعشاش (صرائف) من نبات القصب أو بيوت الصفيح أو الطين، على هامش المدينة العريقة، التي توسعت عشوائياً في كل الاتجاهات لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الفقراء الذين سوف يصبحون، في المرحلة اللاحقة، الأرض الجماهيرية الخصبة التي يتحرك عبرها الوضع السياسي في العراق، فتتأثر وتؤثر فيه، من خلال الانتماء للأحزاب العلنية والسرية أو الخدمة في القوات المسلحة أو الانخراط في الميليشيات أو العمل في الحركات والنقابات العمالية!

كانت هذه صورة بغداد عشية الانقلاب الذي أطاح النظام الملكي في الرابع عشر من تموز (يوليو) عام 1958، وكان من أهم أهداف ذلك الانقلاب الذي يصفه أصحابه ومؤيدوه بالثورة، تلبية مطالب الفقراء وتحقيق العدالة الاجتماعية، وكان من أهم انجازات عبد الكريم قاسم، في سنوات حكمه الأربع، إلغاء النظام الإقطاعي وتوزيع الأراضي على الفلاحين، وتوفير فرص التعليم المجاني، في جميع المراحل الدراسية، وإنشاء أحياء سكنية واسعة في أطراف بغداد، لإسكان الفقراء والمحرومين، القادمين من الشمال والجنوب، حتى أن مدينة الثورة وحدها، في شرق بغداد، أصبحت تمتد على مساحة تعادل خمسة أضعاف مدينة بغداد القديمة، وأصبح عدد سكانها يساوي عدد سكان دولة مثل لبنان أو الأمارات العربية، وهذا مثال على الكثير من الأحياء السكنية الأخرى التي توسعت كثيرا في العقود اللاحقة، مثل الشعب والشعلة والحرية وبغداد الجديدة والدورة، التي جعلت من بغداد تمتد على ضفتي نهر دجلة لمسافة تزيد على خمسين كيلو متراً، في حين كانت في الخمسينيات من القرن الماضي لا تتجاوز خمسة كيلومترات فقط!





عاصمة الفقراء!





ومن الناحية الديموغرافية لم يكن من الصعب أن يلاحظ المرء أن سكان هذه المدن الجديدة كانوا قادمين من الريف، وبخاصة من جنوب العراق، ويحملون معهم انتماءاتهم القبلية والطائفية، ويتفاخرون بها، أمام المجتمع البغدادي الارستقراطي التقليدي الذي ظل يطلق النعوت البذيئة ويلصق الصفات السيئة بهؤلاء الوافدين من الأرياف، الذين فرضت كثافتهم العددية تدريجياً، منذ السبعينيات، على مدينة بغداد كلها صبغة ريفية جنوبية واضحة، يمكن أن يجدها المرء ظاهرة في اللهجة السائدة والملابس وطرق المعيشة، وفي الأغاني والتمثيليات والمسرحيات والشعر الشعبي، التي تعبر عن خصائص الشخصية العراقية الأصيلة، والتي لم تحترمها السلطة الحاكمة، ونظرت إليها باحتقار دوماً، وكأنها قادمة من خارج الحدود، كما تبرز هذه الصبغة في المناسبات الدينية وبخاصة عاشوراء، حيث تسود أجواء الحداد والحزن لمناسبة ذكرى استشهاد الإمام الحسين بن علي في كربلاء، وكان موقف السلطات المتعاقبة يتراوح بين السماح الحذر أو المنع المطلق لهذه المناسبات الدينية، وكانت هذه المناسبات موضع احتكاك وحساسية شديدة بين هؤلاء الفقراء المتعصبين في التعبير عن مشاعرهم الدينية من خلال حبهم لآل البيت النبوي الشريف، وبين أجهزة الدولة القمعية، التي تعتبر الأمر في كثير من الأحيان نوعاً من التحدي لسلطتها، وقد تضفي على هذه المناسبات الدينية والاجتماعية تفسيرات سياسيةز

سرعان ما وجد هؤلاء الفقراء في بعض الأحزاب العلمانية والدينية، وبخاصة الحزب الشيوعي وحزب الدعوة الإسلامية وسيلة لتحقيق طموحاتهم في العدالة الاجتماعية والرفاهية الاقتصادية، وليس من المستغرب أن يكون أغلب أعضاء الحزب الشيوعي وقياداته من مدن الجنوب الفقيرة مثل البصرة والناصرية والعمارة، إلى جانب قلة من الأكراد، وقد وجد ذلك الحزب الجماهيري النشيط والمدعوم من الحركة الشيوعية العالمية ومركزها السابق في الاتحاد السوفيتي، أن نظام عبدالكريم قاسم يمثل حصان طروادة الذي يستطيع أن يقفز من خلاله إلى السلطة، وقيادة الجماهير الغفيرة التي راحت تتحرك في الشارع، لأول مرة في الخمسينيات، تحت لافتات واسعة من الأحلام والشعارات، مطالبة بحقوقها المفقودة، في حين لجأت الطبقة التي كانت مهيمنة على السلطة في العهد الملكي، وفقدت مواقعها مؤقتاً بعد سقوط ذلك النظام، إلى التيارات القومية ومن أبرزها حزب البعث، من اجل استمرار بقائها وامتيازاتها في ظل النظام الجمهوري، وبخاصة كبار الضباط والإقطاعيين السابقين، وذلك على الرغم من أن حزب البعث قد بدأ في الخمسينيات، في نسخته العراقية، حزباً جماهيرياً قومياً واشتراكياً، وكان يحاول التناغم مع مطالب الفقراء، بيد أنه خضع لانشقاقات وانقلابات جعلته يسقط في يد ثلة من كبار الضباط، الذين تصدوا لعبدالكريم قاسم عام 1963 وأسقطوه وأعدموه، دون محاكمة، ثم قفزوا إلى السلطة في انقلاب آخر عام 1968، وكان الصراع على أشده في الخمسينيات والستينيات بين الحزب الشيوعي وحزب البعث، في حين لجأت الأحزاب الدينية السنية والشيعية، على السواء، وبالأخص الأخوان المسلمين وحزب الدعوة إلى العمل الفكري (التبشيري) الديني دون الانخراط مباشرة في العملية السياسية، وظلت الحركات الدينية تعمل تحت السطح، رغم أن بعض المرجعيات الدينية، وبخاصة قيادة السيد محسن الحكيم، كانت تستطيع تحريك الملايين بسهولة في الشارع العراقي، لو أرادت ذلك، بيد أنها آثرت فيما يبدو الزهد والتعفف عن السلطة واللجوء إلى نوع من المقاومة السلمية، في حين لجأت الأحزاب الكردية إلى المقاومة المسلحة، أمام لغة الإقصاء وقرقعة السلاح المرفوع من قبل السلطة، طوال تلك العهود، دون تحقيق نتائج حاسمة، سوى تعميق النزاع والانقسام والاقتتال بين من كان يفترض أن يكونوا أبناء وطن واحد يسمّى العراق!



الوطنية في داخل الكيس!



وإذا أردنا أن نعرف حصيلة العهد الجمهوري، في فترته الأولى، لغاية الانقلاب البعثي الثاني، فإن الأحزاب السياسية والحركات الجماهيرية التي تداخلت أدوارها مع المؤسسة العسكرية، وبعضها ذابت في تلك المؤسسة واندمجت معها كلياً، قد انشغلت بالصراعات على السلطة دون العمل على تحقيق الوحدة الوطنية وتعميق مشاعر الانتماء للوطن، ومن ثم أدت إلى زرع بذور الإحباط واليأس لدى قطاعات واسعة من الناس، لم تعد ترى في تلك الأحزاب والحركات، وحتى في الدولة نفسها، سوى وسيلة للقهر والتمييز، مما مهد لانتشار السلوك الانتهازي والرشوة والفساد الإداري والتهرب من المسؤولية الوطنية والهروب من أو التخلف عن أداء الخدمة العسكرية الإلزامية والرغبة في الاستحواذ على المال العام، بأية طريقة، وانتهاز أية فرصة لنهب الممتلكات والأموال العامة، في ما يسمى "الفرهود" وهي ظاهرة متكررة نتيجة الشعور بالحرمان والكراهية، ولم يتورع بعضهم عن القول "الدولة مو دولتنا وشيصير خلي يصير (الدولة ليست دولتنا وليحدث ما يحدث)" وهي عبارة تعبر عن أزمة في المواطنة، وحالة من السلبية المطلقة، وفي هذا الصدد تروى واقعة طريفة ذات مغزى، حيث يقال أن احد الجنود العراقيين العائدين في إجازة من الحرب قرر عدم الذهاب مرة أخرى، فوضع بندقيته وعتاده وملابسه العسكرية في كيس (كونية) وطلب من أمه العجوز الذهاب إلى الفرقة الحزبية لتسليمها للرفيق المسؤول، فجاءت المرأة ووضعت الكيس أمام الرفيق وأخبرته أن ابنها قد ترك كل شيء وفر هاربا، فراح الرفيق يستخرج محتويات الكيس وهو يردد متذمراً ساخطاً:"وين الوطنية، وين التضحية، وين البطولة والفداء". نظرت المرأة إليه بقلق وحيرة وقالت بصدق" والله يا يمه ما أدري وين خلاهن، دور عليهن زين، يمكن تلقاهن، تراه حطهن كلهن بهذا الكيس (والله يا ابني لا أعرف اين وضعهن، ابحث جيدا لعلك تعثر عليهن لأنه وضع كل شيء في هذا الكيس)"!

وقبل وبعد هذه الصورة الساخرة المؤلمة وغيرها الكثير، يمكن القول أن أزمة النظام السياسي في العراق، قد استمرت في العهدين الملكي والجمهوري، وذلك بعد أن عجزت الدولة عن تقديم مكاسب حقيقية أو تلبية مطالب متزايدة لتلك الجماهير التي رقصت طرباً على أنغام الأناشيد الحماسية والخطب والشعارات الرنانة، طوال عشرات السنوات، ثم وجدت نفسها صبيحة 17 تموز (يوليو) 1968 تستمع، عبر الإذاعة، مذهولة لبيان رقم واحد صادر من مجلس قيادة الثورة، الذي أعاد حزب البعث ببزته العسكرية إلى السلطة، حيث تزايدت أزمات النظام السياسي العراقي، التي كانت كامنة في بنيته وتركيبته منذ تأسيسه، لأنه نظام يفتقر للمشاركة الحقيقية بين جميع مكونات المجتمع، ويقمع تياراته السياسية، ويرفض مبدأ التداول السلمي للسلطة، ولم يسع من أجل توزيع الثروة بعدالة بين الناس، فأصبح الحاكم يمثل شخصية روبنسون كروزو، في رواية الكاتب الانجليزي دانيال ديفو الشهيرة، حيث يتسلط كروزو على تلك الجزيرة المتوحشة، فهو الوحيد الذي يمتلك السلاح والمال والكتاب المقدس، ويستخدمها ضد الآخرين، وعلى الجميع الخضوع لرغباته، دون مناقشة أو اعتراض، وهو يصر على الجلوس على كرسي الحكم، لأطول مدة ممكنة، وربما حتى الموت أو القتل، ومهما كان الثمن الذي يدفعه الشعب، على شكل دماء مهدورة في ساحة الصراع الدموي على السلطة، وكان المعارضون يتقمصون مصير مستر فرايدي الذي لا بد أن ينتهي مقتولاً أو سجيناً أو مشرداً، وقد سادت مقولة في أوساط الحكم، حتى وقت قريب:" لقد جئنا إلى السلطة بالبندقية، ولا نخرج منها إلا بالبندقية".. ولم يخطر في بال أولئك أبداً أنهم سيهربون، من قصورهم، ذات يوم، أمام زحف الدبابات القادمة من وراء البحار والصحارى، وكأنه قد كتب على شعب العراق، خلال قرن من الزمن، أن يعيش بين احتلالين، كأنهما قوسين متقابلين، أولهما بريطاني ، في مطلع القرن العشرين، وثانيهما أميركي، في بداية القرن الحادي والعشرين، ولا يفصل بينهما سوى قصة صراع ودمار وفشل في تكوين دولة متطورة ومجتمع متسامح، وقد انعكست آثار ذلك كله على نفسية الناس وأوضاعهم المعيشية القاسية التي أفرزت قيماً اجتماعية مشوهة، وبيئة مشبعة بالحقد والكراهية والشكوك، صالحة لإنتاج وتسويق أسوأ ما شهدته القرون الغابرة من ظواهر التعصب القومي والديني والطائفي، التي صيغت ضمن قوالب عصرية من الأحزاب والحركات السياسية، تحت شعار الديمقراطية، حيث بدأت مرحلة جديدة، سوف نقرأ بعض ملامحها لاحقاً!





د. محمد فلحي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
وطن يُسمّى العراق ، ولكن أي وطن .. وأي عراق ؟!
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البيت الآرامي العراقي :: الاخبار العامة والسياسية General and political news :: منتدى المنبر السياسي والحوار الهادئ والنقاش الجاد الحر Political platform & forum for dialogue & discussion-
انتقل الى: