البيت الآرامي العراقي




البيت الآرامي العراقي

سياسي ِ ثقافي ِ أجتماعي


 
الرئيسيةالرئيسيةبحـثالتسجيلarakeyboardsyrkeyboardدخول

شاطر | 
 

 غوركي يغوص في قعر القاع

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
البيت الارامي العراقي
الادارة
الادارة



الدولة : المانيا
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 9446
تاريخ التسجيل : 07/10/2009
التوقيت :

مُساهمةموضوع: غوركي يغوص في قعر القاع   الإثنين 11 أكتوبر 2010, 1:18 am

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
اعتنى برواية "الأم" عناية فائقة

غوركي يغوص في قعر القاع

شخصيّة مكسيم غوركي في 'طفولتي' من الشخصيات النادرة الإكتمال والغنى في عالم الرواية على مدى عصورها.
ميدل ايست اونلاين
بقلم: صباح علي الشاهر




نتيجة انتصار الرجعية وهيمنتها المطلقة في روسيا القيصرية ساد التشاؤم وتفشت روح الإنهزاميّة، وانعكس هذا بشكل واضح وجلي على الأدب بشكل خاص، في حين ارتقى العمل السياسي ارتقاءً بالغ الأهميّة والتأثير، حيث بدأ الفكر الثوري الصدامي بالتشكل رويداً رويداً وإن كان بشكل جنيني وأولي، ومحصور بين نخبة كانت وإلى حد بعيد معزولة عن الجماهير، وغارقة في البحث النظري عن طريق للخلاص.

في هذه الفترة عكس الأدب الروسي روح التشاؤم والإحباط، وشاعت فيه روح الإنهزاميّة. لقد كان النتاج الأدبي في هذه المرحلة عدميّاً، وغارقاً في اليأس، إلا أنه من ناحية أخرى، عبر بصدق عن مجتمع ينحدر بسرعة نحو الهاوية والموت، دون مقاومة أو اعتراض. إننا أمام مجتمع لا إيمان له بالخلاص، ولا ثقة له بالمستقبل، مجتمع فقد حيويته، واستغرق في العبث.

ولعل شخصية "جارشين" الذي انتحر عام 1888 خير مُعبر عن هذا الواقع المأساوي، الظلامي، الذي بدا وكأنما لا أفق له. وسنلتقي بعد ذلك بكاتب لم يكتب رواية، إذ كان ميدانه الأساسي القصة التي سيبرع بها، وإلى أقصى حد، ألا وهو تشيخوف، الذي قدم نموذجآً من الأبطال الذين لا يناضلون ولا يؤمنون بالنضال، وإنما يستسلمون دونما مقاومة ولا اعتراض.

لقد صوّر تشيخوف الفلاح البسيط وابن المدينة العادي، والذي يمكن تسميته بابن الشارع، وكانت هذه الشخصيّات متناولة في الأدب، وبالأخص الأدب الواقعي منذ عهد بعيد نسبياً، إلا أن تشيخوف غاص لأعماق هذه الشخصيات، وقدمها بطريقة وأسلوب جديدين كل الجدة، وتمكن من سبر أغوار شخوصه، بحيث بدت هذه الشخصيات، وكأن الأدب سابقاً لم يتناولها، وبهذا تكمن واحدة من أبرز وأهم أسباب عظمة تشيخوف وتفرده في عالم القصة.

تشيخوف الذي لم يكتشف شخصيات لم تُكتشف بعد، فالشخصيات التي صورها تشيخوف كانت ومنذ زمن بعيد تربة مألوفة للفن، وربما مستهلكة لحد بعيد، فقد صور رجل الشارع، والفلاح، والإنسان البسيط، والسطحي، والذي هو على هامش الحياة والمجتمع.

تشيخوف هذا هو الذي أدرك وسجل بمهارة لا تفوقها مهارة ما لم يعكس في أعمال من سبقه، إن الفلاحين الذين صورهم تشيخوف أناس حطمهم البؤس والعوز والفاقة، ونخر الجهل نفوسهم وأضاعتهم الكحول، إيمانهم خرافات وأوهام، وأخلاقهم لا صلة لها بالسمات الإنسانية، إذ هي إلى الحيوانية أقرب، وأما الأسر النبيلة فهي تعيش حياة وضيعة إلى أبعد حدود الوضاعة، ليس لها من القوة ما يؤهلها للتلاؤم مع ظروف جديدة، وليس لها من السمو الروحي ما يهيؤها لتحسين ليس ما حولها، وإنما حتى العيش ضمن إطار إنساني مقبول.

وهي بدلاً من أن تجد لها سبيلا للخلاص من المستنقع الذي تلغ فيه، تبالغ في قسوتها وشموخها الفارغ، والأجوف، والذي يكشف خواءها الروحي أكثر مما يغطي عليه، وتغذ السير قدما في نزع ما تبقى لها من إنسانية، أو بقايا إنسانية. إنها تلف وتدور على نفسها في عالم مُغلق آيل برمته للسقوط. أما التجار والحرفيون والفئات الوسطى عموماً فحياتهم الروحيّة خواء، وبين هؤلاء وأولئك يقف الفنانون والمثقفون وقد سُدَّت السبل أمامهم، واضمحلَّ الأمل لديهم وتلاشى. إنه اليأس المطبق الذي صوره ببراعة فائقة يراع تشيكوف؛ أديب السهل الممتنع، والكاتب الذي تلقف ما كتبه من سبق، ليبعث فيه حياة أخرى.

في ظلام اليأس المطبق هذا، حيث استنفدت الشخصيّات الأدبيّة المعهودة شحنتها، وباتت مجرد إعادة وتكرار، وإن كان فيه تفرد أحياناً، وتوغل إلى أعماق لم تطرق من قبل، كما لاحظنا في تشيخوف مثلاً، في هذا الموات ظهر قلم مُشاكس، مُستفز ومتمرّد، وصادم إلى أبعد الحدود، إذ لأول مرَّة في الأدب الروسي يصبح الصعاليك والذين يعيشون في قعر القاع أبطالاً لأعمال أبداعيّة.

شخصيات قعر القاع هذه كانت موجودة، ولكن لم تكن قد دخلت مجال التناول الإبداعي، إذ ليس ثمة شيء فيها، يمكن أن يُغري بالكتابة عنها، فهي في نظر المجتمع مثال السفالة والدناءة والنذالة والخواء الروحي.

لقد أطلق غوركي قهقهات الصعاليك المدويّة، الساخرة والماجنة بوجه مجتمع مُشرف على الهاوية. إنهم أشخاص تهرسهم الحياة بلا رحمة ولا شفقة، لكنهم يعيشون، لا بل يحيون هذه الحياة التي حرّمتم من كل شيء. لا يعيرون اهتماماً للفضيلة ولا يعرفونها. لا يهتمون بالدين والكنيسة، ولا الإله، حتى لا قيمة ولا اعتبار عندهم لأي شيء. يزاولون الفسق والمجون مثلما يشربون الماء، لا يميزون بين الصالح والطالح، ولا بين الخطأ والصواب. كل شيء بالنسبة لهم جائز ومباح، لا يترددون عن القيام بأية مغامرة كائنة ما كانت، ولا يهابون الصعاب. يتلذذون بالعمل الشاق، ولا يملون منه، ولا يتذمرون. يقترفون الجريمة ببرودة أعصاب، دون نشوة أو إحساس بشيء، يقترفون الجريمة أحياناً لدونما سبب.

أشخاص لا روادع لهم، إنهم على الضد من المجتمع الأرستقراطي يفعلون ما يقولون، ويقولون ما يفعلون، ورغم كل السقوط والإنحطاط الذي هم عليه، فإن المتأمل فيهم، لا بد وأن يجد أنه أمام قوة جديدة، وطراز جديد من الشخصيات القادرة على التغيير إذا ما أتيح لها الفعل. هذه الشخصيّات المُدمَّرة المُدمِّرة، الخطرة، المخيفة، هل بمكنتها أن تفعل شيئاً، سوى التخريب!

أعمال غوركي المتلاحقه أجابت على مثل هكذا تساؤل.

وكان عمل غوركي البالغ الأهمية "الأم" لوناً جديداً في عالم الرواية. لقد وسَّعت "الأم" من مساحة المعالجة الإجتماعيّة، وقدَّمت وبكل الجدارة العمال لا كديكور، أو إطار يتجلى من خلاله البطل الذي هو المثقف البرجوازي، المان على هذه الفئات الكادحة بالتضامن معها أو العمل من أجل مصلحتها، وإنما كأشخاص يخلقون الحياة، لقد قدمتهم كبناة للمستقبل، وأبطال من طراز خاص لذاك الغد المختلف الذي سيقومون هم ببنائه، هذا الغد الذي حملت "الأم" نبوءة مجيئه.

بريشة الفنان المرهفة رسم غوركي العالم الذي يتهاوى، كشفه وعرّاه، وغرس الحنين لولادة عالم جديد، ولذا فإن الأم بهذا المعنى عبرّت عن رغبة المجتمع الروسي بالتغيير، وعبرّت عن آماله وأحلامه للخلاص من الإستبداد والقهر والظلم، لا على صعيد روسياً، وإنما على صعيد العالم.

لقد قيل عن "الأم" الشيء الكثير، وسيقال فيما بعد أكثر مما قيل لحد الآن، سواء كان ما قيل أو سيقال مع أو ضد، ولكن من المؤكد أن "الأم" كانت رواية جديدة كلياً بمعالجاتها ومنحاها وأشخاصها، وأنها كانت علامة بارزة في سماء الأدب الروسي.

لقد أعتني برواية "الأم" عناية فائقه، ربما بسبب عقائدي بالدرجة الأساسيّة، لكن عمل غوركي الإبداعي الذي بلغ فيه قمته إنما هو "طفولتي" الذي عدَّه البعض سيرة ذاتيّة، إذ أن غوركي لم يرسم شخصيّة بكل الأبعاد والعمق والغنى مثلما رسم طفولته، والشخصيات التي تعرف عليها عن كثب، وأدرك بشمول جوهرها، كشخصيّة الجد القاسي البالغ التعقيد والخراب، والسكيرين من الأقارب، وشخصيّة الأم الضعيفة البالغة الحنو، والمستسلمة لمصيرها ومصير من حولها.
يمكن القول إن شخصيّة غوركي في "طفولتي" من الشخصيات النادرة الإكتمال والغنى في عالم الرواية على مدى عصورها.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
غوركي يغوص في قعر القاع
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البيت الآرامي العراقي :: الثقافية , الادبية , التاريخية , الحضارية , والتراثية Cultural, literary, historical, cultural, & heritage :: منتدى اعلام الطب والفكر والأدب والفلسفة والعلم والتاريخ والسياسة والعسكرية وأخرى Forum notify thought, literature & other-
انتقل الى: