البيت الآرامي العراقي




البيت الآرامي العراقي

سياسي ِ ثقافي ِ أجتماعي


 
الرئيسيةالرئيسيةبحـثالتسجيلarakeyboardsyrkeyboardدخول

شاطر | 
 

 عن موقف الكنيسة من التيارات السياسية في العراق.. مقال القس لوسيان جميل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
البيت الارامي العراقي
الادارة
الادارة



الدولة : المانيا
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 9446
تاريخ التسجيل : 07/10/2009
التوقيت :

مُساهمةموضوع: عن موقف الكنيسة من التيارات السياسية في العراق.. مقال القس لوسيان جميل   الأربعاء 20 أكتوبر 2010, 9:59 pm



عن موقف الكنيسة من التيارات السياسية في العراق.. مقال القس لوسيان جميل

[url=http://iwffo.org/index.php?option=com_content&view=article&id=24209:2010-10-19-20-48-30&catid=4:2009-05-11-20-54-04&Itemid=5][ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط][/url]

نرجو الإشارة الى رابط المقال والموقع عند اعادة النشر


الثلاثاء, 19 أكتوبر 2010 14:48

القس لوسيان جميل .تلكيف .محافظة نينوى



القيت هذه المحاضرة على لفيف من القسس من الكنيستين الكلدانية والسريانية في محافظة نينوى، وبرعاية اساقفة هاتين الكنيستين الاجلاء بتاريخ 10/ 2/2004. غير ان المحاضرة بقيت محفوظة على الحاسوب ولم تتحول الى مقال للنشر الا قبل اشهر من الآن، لأسباب لسنا بصددها الآن.

اما قرار ارسال المقال المذكور للنشر الآن فيعود خاصة لما قرأه مؤلف المقال ( المحاضرة ) عند الاب الفاضل الياس زحلاوي على موقع " كتاب عراقيون من اجل الحرية" من كلام وجهه الى اعضاء السينودس من اجل مسيحيي الشرق، ينتقد فيه صمت الكنيسة على جرائم الغربيين. وأيضا ما قرأه المؤلف في رسالة مفتوحة لبعض الشخصيات العلمية التي طالبت كنيستها بتغيير مواقفها، من الاحتلال. وفي الحقيقة كان تحت يد المؤلف عنوان آخر باسم: مصباح ديوجين، كان يمكن ان يتناغم مع رسالة الأب زحلاوي الى اعضاء السينودس من اجل الشرق، ويضيف الى حروفها بعض النقاط، الا ان المؤلف فضل تأجيل عنوان مصباح ديوجين الى مناسبة قريبة قادمة، ريثما تنجلي له بعض امور السينودس بوضوح.

اما مقال اليوم فتأتي اهميته:

اولا من مادته التي يعتقد المؤلف انها مفيدة لجميع العراقيين،

وثانيا من قدمه ( سنة بعد الاحتلال)

وثالثا بكون المحاضرة التي تحولت اليوم الى مقال كانت موجهة كليا للقسس، مما يعطي لهذا المقال المحاضرة نكهة خاصة.
***




فإلى قرائي الأعزاء كامل المحاضرة التي القيت على القسس بعنوان:

كيف يجب ان يكون موقف المسيحيين من التيارات السياسية في العراق.

وأقول...

ما اقدمه لإخوتي في هذا الاجتماع ليس رأيا في السياسة والسياسيين، ولكنه فكر موضوعي وعلمي يرشد الى المواقف السليمة من التيارات السياسية المختلفة في العراق، ومما تقدمه الاحزاب والتجمعات والائتلافات المختلفة من افكار و طروحات سياسية واجتماعية، ومن أيديولوجيات.

منهجية بحث:

وعليه، وكمنهجية بحث علمية، علي ان اقول من الآن بان مثل هذه الامور لا تعالج الا بشكل علمي شمولي وجذري، بعيدا عن العواطف والخيارات الشخصية، وعن الانانية والانتهازية وغوغائية الشارع التي تلعب بها ايادي الاعداء المغرضين. لذلك لا يمكننا ان نعرف كيف نحكم على ما يجري في العراق في ما يخص الشؤون السياسية والاجتماعية الا اذا عرفنا ماذا يجري في عالمنا المعاصر بشكل علمي واقعي. اما هذه المنهجية فتتلخص فيما يعنينا الآن ببعض ميزات انثروبولوجية نجدها عند الانسان بوضوح وهي:

1-تماثل واقع الانسان: هناك مقولة معروفة تخبرنا بان لا جديد تحت الشمس. لكن هناك مقولة اخرى مقابلة لها تعود الى فيلسوف الصيرورة اليوناني هيروقليطس تؤكد بان الانسان لا يسبح في عين ماء النهر مرتين. وعليه نلاحظ ان ما يحدث اليوم في عالمنا قد سبق وحدث في عصور اخرى من العالم، ولكن بصورة تختلف عن صورة اليوم.

وهكذا نجد في عالم اليوم صراعات واعتداءات ودسائس ومؤامرات وخيانات وجبنا ورياء ووقوفا مع القوي ضد الضعيف وتأييدا للباطل ضد الحق واعتداءا على الآخرين بدون حجة، سوى حجة الذئب والحمل التي نجدها عند ابن المقفع والتي تسمى بحجة الاقوى. اما الكذب والدجل السياسي والعيش على الالتباس وعلى انصاف الحقائق فنجده بشكل اكثر وضوحا في عالمنا الذي يعيش اليوم على مذهب البراغماتية الذي يقول بان ما ينفع المرء هو صحيح ومباح، كما يعيش على سفسطة الكلام وعلى امكانيات الاعلام المعاصر في تزوير الحقائق اكثر مما يعيش على الحقائق الشفافة.

غير اننا لا نجد في عالمنا المعاصر الامور السلبية فقـط ولكننا نجد فيه ايضا البطولة والشهامة والتضحية حتى الاستشهاد والتمسك بالحق ضد الباطل مهما كلف الامر،مثلما وجدنا كل ذلك بالأمس في هذا العالم عينه، وان بصور مختلفة.

2- بنيوية واقع الانسان:

عندما نتكلم عن البنيوية نعني ان اية قضية في عالمنا تتكون من ابعاد ومستويات يمكننا ان نسميها اقطابا ايضا. اما في الحالة التي نحن بصددها فنفضل ان نتكلم عن قطبين اساسيين وفعالين هما: قطب الاقوياء وقطب الضعفاء، مع تأكيدنا على ان الاقطاب هي ابعاد ومستويات ايضا.

ومما يجدر الانتباه اليه عند كلامنا عن بنيوية العالم الاجتماعي والسياسي هو اننا لا يمكننا ان نفهم طبيعة بنى المجتمع الانساني اذا نظرنا الى كل بنية منفصلة عن الوحدة الكلية، مثلما لا نفهم الوحدة خارج ابعادها ومستوياتها وأقطابها المتعددة. لذلك، وعلى الرغم من اننا ننسب أي عمل يقوم به الجسم الاجتماعي الى ابعاده، الا اننا ننسب هذا العمل الى الكل الواحد الموحد ايضا ( المنظومة )، هذا الكل الذي لا يجوز ابدا اخراجه من الحسبان عند أي حكم على الامور الانسانية، ومنها الامور الاجتماعية والسياسية.

3- جدلية واقع الانسان:

عندما نقول ان واقع الانسان هو واقع جدلي فإننا نتكلم هنا عن واقع المجتمع البشري خاصة، على الرغم من اننا نجد الجدل في كثير من ابعاد الحياة. اما هنا فنقصر الجدل على بعدين اساسيين في المجتمع الانساني السياسي هما: بعد الاقوياء وبعد الضعفاء. وقد سبق للفيلسوف هيجل ان تكلم عن الطبقات الاجتماعية المتصارعة، ولكن هذا الكلام اخذ منحى اكثر وضوحا عند كارل ماركس فيلسوف الشيوعية.

اما ما يهمنا الآن في الجدل المذكور فهو الصراع بين القطبين المذكورين،الاقوياء والضعفاء. والجدير بالذكر هنا هو اننا نجد صدى هذا التقسيم وهذا الصراع في انجيل لوقا على لسان مريم ام يسوع في نشيدها المشهور الذي تقول احد ابياته: " حط الاعزاء عن الكراسي ورفع المتواضعين. اشبع الجياع من الخيرات وأرسل الاغنياء فارغين". فهذه الابيات الجميلة وغيرها، اضافة الى ادبيات العالم كله، قبل المسيح وبعده ، منذ عهد وجود الطبقات الاجتماعية والتفاوت المعيشي الى يومنا هذا تدلنا علـى وجود صراع جدلي في العالم كله بين الاغنياء والفقراء وبين الاقوياء والضعفاء بشكل عام.

وعليه، وفي سياق تقسيمنا للواقع الجدلي نقول: قد نرى احيانا بعض الانسجام والحوار بين قطب الاقوياء وقطب الضعفاء، ولكن ما نراه في غالب الاوقات هو الصراع بين هذين الطرفين. ذلك ان الصراع هو القاعدة في الوقت الذي يكون الوفاق حالة مؤقتة ومرحلية تأتي بين صراع وصراع.

غير انه، وعلى الرغم مما نقوله الآن عن صراع الاضداد الاجتماعي فان حالة الوفاق المؤقتة التي تكلمنا عنها هي الحالة التي ينشدها الانسان بكل جوارحه، حتى تصير هذه الحالة وكأنها اوميكا حقيقية لمسيرة العالم بأسره. لذلك نلاحظ جميع الاديان تدعو الى الاخذ بحالة الوفاق السلمية هذه وتدعو اليها وتبشر بها، كما تبشر بحسم الصراع لصالح الضعفاء المظلومين وتدعو الى السلام الوطيد بين البشر.

ولذلك يضع الانجيل على لسان الملاك وهو يبشر الرعاة بمولد يسوع كلاما جميلا يقول: المجد لله في العلى وعلى الارض السلام والرجاء الصالح لبني البشر، في الوقتالذي يأمل اشعيا النبي ان تأتي ايام " يحول فيها البشر سيوفهم الى مناجل ويرعى فيها الذئب مع الحمل ".

وهكذا نرى ان العدل والسلام يظلان طموحا وأملا يحدوان البشر، لكن الحصول عليهما يبقى امرا نادرا. اما السلام الدائم النهائي فليس امرا مستحيلا فقط لكنه امر لا معنى له، طالما اننا بشر سائرون في درب بشري له قواعده وطبيعته التي تتطلب الصراع.

والجدير بالذكر هنا هو ان اعلام الكنيسة في الربع الاخير من القرن العشرين يتكلم عن ضرورة السلام بشكل واضح، ولاسيما بعد الحرب العالمية الثانية التي كانت قد خلفت وراءها مآسي وويلات كثيرة. وقد ازداد خطاب الكنيسة السلمي قوة ابان فترة المد الماركسي الشيوعي. وهنا اتذكر عبارة باللغة اللاتينية تنسب الى الوسط الروماني العسكري الوثني تقول: Si vis pacem para bellum ومعناها: اذا كنت تريد السلام فاعدد للحرب. اما الكنيسة فقد كانت قد قلبت العبارة المذكورة لتقول: اذا كنت تريد السلام فاعدد للسلام. Si vis pacem para pacem.

غير ان دعوة الكنيسة السلمية في فترة المد الشيوعي لم تكن قوية بالكفاية بسبب تحيز الكنيسة للمعسكر الغربي الذي لم يكن اقل عنفا من المعسكر الشرقي ولا اكثر ميلا للسلام. ومع كل ما يمكن ان نقوله عن ضرورة السلام فإننا يجب ان لا ننسى بان السلام شيء وحقيقة الصراع شيء آخر تماما. فصراع الاضداد سيبقى قائما طالما كان الانسان هو الانسان الذي نعرفه الى حد يومنا هذا، لان السلام لا يلغي الصراع بل يخفف من وطأته على البشر، ولاسيما فيما يخص الوسائل المستخدمة من اجل الوصول الى العدالة الاجتماعية والعيش الكريم، مع تأكيدنا على حقيقة مهمة تقول ان مطلب استخدام الوسائل السلمية في الصراع الدائر بين البشر لا يقع على الضعفاء فقط بل يقع على الاقوياء خاصة، لان الاقوياء يملكون خيارات حرب وسلام اكثر بكثير من الخيارات التي يملكها الضعفاء.

ومما نلاحظه عموما هو ان اقوياء العالم يدعون ايضا الى السلام. غير ان سلام الاقوياء غالبا ما يكون سلام ذلك الجنرال الغربي الذي احتل وارشو ودمرها تدميرا كاملا فابرق الى رؤسائه قائلا: السلام يخيم على وارشو. فهذا السلام ليس سوى سلام مزيف يفرض على الآخرين بالقوة المطلقة، او بما نسميه، نحن العرب، بالقوة الغاشمة.

اما اليوم وبعد ان دمر الامريكان العراق مثل ما كان الجنرال اياه قد دمر وارشو، لا بل اكثر من ذلك بكثير، وبعد ان دمرت بنى العراق التحتية بشكل اجرامي وغير اخلاقي، وكذلك بعد ان عمدوا الى نسف قاعدة الحكم من اساسها بعملية تسمى باللغة الانكليزية destablishment فان الامريكان يفتشون اليوم عن ذرائع postum،أي عن ذرائع متأخرة لم تكن موجودة قبل الحرب ليبرروا بها عبثا عملهم الشرير، ولكي يحفظوا ماء وجههم امام العالم الذي وصمهم بالكذب والعدوانيـة، ووصف حربهم بحرب غير مبررة وغير اخلاقية.

وبما ان الاقوياء، ومنهم اقوياء ايامنا هذه، غير معنيين بالسلام في اغلب الاوقات الا بالقدر الذي يخدم مصالحهم، وبما انهم يطلبون من الضعفاء الاستسلام لمشيئتهم الغاشمة وغير العادلة في كل الاحوال، بطرق عنيفة وغير عادلة، فإننا نرى ان اغلب الصراعات والحروب، صغيرة كانت ام كبيرة، ترجع الى الدول القوية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية. ففي زمن العولمة الذي نعيشه الآن، وبعد ان اعلن الرئيس بوش ما كانت امريكا تمارسه من قبل بالخفاء، نرى كيف ان العالم امام خيارين لا ثالث لهما: فإما ان يكون مع امريكا او يكون ضدها. وهكذا نرى ان الادارة الامريكية لم تضع اعلانا للسلام، لكنها وضعت اعلانا حقيقيا للحرب، صار بمثابة انذار اخير ( Ultimatum ) للعالم، سيما وان الادارة الامريكية قد اردفت اعلانها هذا بإعلان آخر، خطير وعدواني، يعتمد مبدأ الحرب الاستباقية. علما بأن ضعفاء العالم خاسرون، سواء كانوا مع امريكا ام ضدها.

اما في مجال التطبيق فقد وضعت الادارة الامريكية لنفسها اهدافا واضحة شنت من خلالها الحرب على الضعفاء، تحت يافطة خبيثة وكاذبة هي يافطة مكافحة ***، حيث اتضح عمليا ان ***ي في قاموس الامريكان هو كل من لا يخضع لهيمنة امريكا ومن تعده امريكا خطرا على مصالحها غير المشروعة في العالم، او حتى من لا يعلن ولاءه التام لها، كما يفعل غالبية الحكام العرب.

من هنا نتأكد من ان اعلان السيد بوش صار مقدمة لاحتلال عالم الضعفاء ولاستعماره من جديد، سلما او حربا، على اساس القدرة والقوة المطلقة الغاشمة. ففي هذا الزمن الرديء بالذات نجد ان الحرب على الفقراء والضعفاء قائمة على قدم وساق، اكثر مما كانت في زمن الحروب والغزوات الاستعمارية، وذلك لسبب بسيط هو ان اقوياء هذا العالم يعتقدون انهم يملكون القدرة على اعادة استعمار العالم بشكل جديد، حتى لو كان ذلك على اشلاء شعوب العالم، وربما على اشلاء ابناء شعوبهم ايضا، او كان على حساب سمعتهم، ولربما على حساب هيبتهم في العالم ايضا، هذه الهيبة التي سوف تمرغ في وحل العراق، كما تشير كل الدلائل.

وهكذا نرى بأم اعيننا كيف ينقسم العالم الى قطبين اساسيين: القمة والقاعدة. فالدول القوية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية، بتشكيلتها الادارية الحالية، وكذلك الدول المتحالفة معها والمؤتمرة بأوامرها والمنتفعة من التحالف معها تشكل بنيويا قمة المجتمع البشري المسؤول عن الحروب في العالم كله وعن الاعمال العدوانية غير الاخلاقية التي تخرج في غالبيتها عن نطاق القوانين الانسانية، الثابتة منها والمتغيرة. اما بنيوية قاعدة المجتمع وتعدديتها ( ليس المقصود تنظيم القاعدة )، فهي اكثر وضوحا من بنيوية قمته بكثير، ولذلك لن يستطيع احد ان يضع هذه القاعدة في خانة واحدة ويباع الأخضر منها بسعر اليابس.

اما ان تعجبنا وسائل هذه القاعدة النضالية او لا تعجبنا فتلك مسألة اخرى لا نتكلم عنها الآن. فنحن لا نريد ان نخوض في مسألة شرعية تلك الوسائل وإنسانيتها بعد ان اخذ اقوياء العالم على عاتقهم تجريد الضعفاء من وسائل دفاعاتهم بمختلف الحجج حتى صارت العمليات الاستشهادية عمليات ارهابية مدانة.

وبما ان موضوع هذه المحاضرة محدد من حيث التوجه ومن حيث الزمن فاني اريد ان اقول لإخوتي القسس بان العراقي، والقسيس العراقي على وجه الخصوص، لا يملك اليوم خيارات كثيرة: فهو اما ان يكون مع الامريكان المحتلين المعتدين واما ان يكون ضد الاحتلال بصدق وإخلاص وشفافية ومحبة كبيرة للوطن، وذلك للأسباب التالية:

1- من حيث المبادئ :

لان الوطن هو اولوية لا تعلو عليها اولويـة اخرى، ولان الاحتلال هو امر لا يمكن لمسيحي ان يقبل به او بنتائجه لأي سبب كان، ولا ان يتبرع للتنظير له بغباء، كما يفعل العملاء والخونة والمنتفعون ممن يسمون بالطابور الخامس. لذلك يكون على القسيس ان يقف في مقدمة من يشعرون بواجب مناهضة الاحتلال، اقله لكي لا تلام الكنيسة، مؤسسة وشعبا بسببه. فحرية الوطن واستقلاله يرتديان صبغة دينية خاصة وقدسية لا يمكن لإنسان، وبالأحرى لقسيس، ان يتغاضى عنها تحت اية ذريعة كانت، سيما وان القسيس هو رجل الكنيسة الى جانب كونه رجل الله ، ويفترض انه قد كرس نفسه لخدمة الله والكنيسة والناس الذين اوكلوا الى رعايته. وبما ان الله هو الحق والخير والجمال، وان الخير والحق والجمال هو الله، فان القسيس لا يمكن بالتالي سوى ان يكون رجل الخير والحق والجمال، ويكون بالنتيجة مع الخير والحق والجمال، بصدق وإخلاص، قولا وفعلا.

لذلك يحق لنا ان نقول: اذا جاءت الخيانة من "عامي" ، كما يقول المصطلح الموصلي، فقد نحزن كثيرا ان هذا العامي وقع ضحية التضليل المعادي، ولكن عندما تأتي الخيانة ويأتي الكلام الباطل من رجل كنيسة فنقول: اما ان رجل الكنيسة هذا مغفل وساذج الى درجة غير مقبولة، واما انه فارغ من القيم الانسانية والمسيحية النبيلة، بحيث لم يعد يرف له جفن في مسائل مهمة مثل مسألة الاحتلال، واما انه قد وقع تحت وطأة الاغراءات الانتهازية بحيث اصبح يتنكر لوطنه بسهولة لا تصدق.

وهكذا، وفي كل هذه الاحوال يفقد رجل الكنيسة هذا جدارته ومصداقيته كمسيحي وكرجل كنيسة على حد سواء، ويتحول الى طبقة الرعاع الذين غسلت الاحداث التي اصطنعتها امريكا ادمغتهم بكفاءة عالية، ولاسيما منذ ايام الحصار العدواني اللاانساني الجائر على العراق الى يومنا هذا، مرورا بالحرب العدوانية غير المتكافئة والظالمة عليه.

2- من حيث شر العولمة:

في اعتقادي ان الكلام عن شر العولمة يحتاج مقالة خاصة. كما يحتاج المسيحيون، ومنهم القسس، معلومات جيدة عن النظام العالمي الجديد وعن شروره، ومع ذلك فاني اعتقد ان احداث العالم وما جرى او يجري في العراق وفي فلسطين وفي افغانستان وفي يوغوسلافيا القديمة وفي غيرها من بلدان العالم كفيلة بان توقظ مشاعر الناس تجاه العولمة وشرورها، حيث صار طغاة العصر المتربعون على كرسي القوة الغاشمة يحدثون الموت والدمار بأي بلد او شعب لا يخضع لإرادتهم الشريرة، تحت مختلف الذرائع، بشكل ماكيافلي قبيح.

فما نلاحظه بالحقيقة، هو موت ضمائر هؤلاء الطغاة، حيث لم يعد احد منهم يبالي لا بحقوق الناس ولا بحياتهم ولا بالشقاء الذي يسببونه لضعفاء العالم بشكل مخيف ومقزز، بالضد من كل المعايير الاخلاقية الانسانية. علما بان اقوياء العالم اليوم لا يكتفون بالاعتداء على عالم الضعفاء بل يصدرون فتاوى يبررون بها ظلمهم ووحشيتهم من الناحية الاخلاقية، وكأنهم مصلحون اخلاقيون كبار. مع العلم ان فاقد الاخلاق لا يستطيع ان يعلمها للعالم؟

فما نجده اليوم ليس مجرد صراع بين الاقوياء والضعفاء، ولكنه ارادة مصممة على استعباد الشعوب وقتلهم في حالة تمردهم على ارادة الأقوياء الغاشمة. ففي الحقيقة قد حولت امريكا، زعيمة اقوياء العالم، الصراع الدائر بين اقوياء العالم وضعفائه، بعد احداث ايلول، الى حرب حقيقية ضد عالم الضعفاء، بعد ان قرر السيد بوش ان يشن على العالم حربا استباقية ووقائية بحجة الحفاظ على امن امريكا، مع ان ضعفاء العالم، لم يهددوا امن امريكا في يوم من الأيام.

ويبدو ان السيد بوش قسم العالم الى قسمين، او محورين هما: محور الدول الديمقراطية الحليفة والصديقة والتي لها حساب خاص عند الامريكان، ومحور الدول الضعيفة التي لا تخضع للهيمنة الامريكية ولإرادتها، والتي سماها بدول محور الشر، او دول ***. علما بان الادارة الامريكية تطلق لقب ***ي على اية فئة او جماعة او دولة لا تدين بالولاء لأمريكا ولا تتصرف بحسب هواها. وهكذا فقد صدق معلق قناة الجزيرة عندما قال: عندما يقول الامريكان انهم عازمون على اشاعة الديمقراطية في بلد ما فلن يكون امام سكان ذلك البلد سوى ان يهرعوا الى الملاجئ فورا.

والحقيقة هي ان أي متتبع لتاريخ امريكا السياسي سوف يلاحظ بوضوح الطبيعة الاجرامية والعدوانية لهذه الامة وإداراتها السياسية. فهذه الامة هي امة نشأت اصلا على الاستيلاء بالقوة المسلحة على اراض لم تكن اراضيها. فعندما حل الامريكان في القارة الامريكية وجدوا هناك اصحاب الاراضي الشرعيين من الهنود الحمر، فما كان منهم الا ان ابادوهم واستولوا على املاكهم بحجة كاذبة هي: ان هؤلاء الهنود قوم متوحشون يستحقون القتل. بعد ذلك بفترة انضمت امريكا الى الحرب مع الحلفاء ضد الالمان النازيين بحجة ان النازية نظام توسعي عرقي وغير ديموقراطي. ثم انضمت امريكا الى اوربا لمحاربة الاتحاد السوفييتي بحجة حماية الحرية والديمقراطية في العالم. اما اليوم فان امريكا تريد غزو العالم بحجة اشاعة الحرية والديمقراطية وصيانة حقوق الانسان في العالم وبحجة مكافحة ***، دون ان تكلف نفسها حتى مشقة تعريف ***، حتى اصبح كل من لا يخضع لأميركا ارهابيا يستحق القتل والتدمير.

وهكذا يرى المراقبون ان الادارة الامريكية، تشبه في كثير من ملامحها ادارة أدولف هتلر زعيم النازية المعروف. فالنازيون تكلموا عن العرق الآري الذي يجب ان يسود العالم، في الوقت الذي تتكلم الادارة الامريكية عن امريكا العظيمة التي يجب ان تسود العالم وتنظمه بحسب هواها. اننا حقا في زمن النازية الجديدة، وليس في زمن نظام عالمي جديد عادل وأنساني. اما الحرب على العراق فليست سوى ثمرة لهذا النظام النازي الجديد.

3- من حيث انسانية القسيس ومسيحيته:

فالقسيس انسان ويفترض انه يريد ان يعيش انسانيته بعمق يليق به كمسيحي وكقسيس. ولهذا تقع الكنيسة في كارثة عندما لا يتحسس قسيسها معاني الانسانية ولا يستجيب لالتزاماتها. ففي هذا الصدد ايضا يكون القسيس ملح الارض الذي يجب ان يبقى محافظا على ملوحته لكي يقدر ان يملح تفاهة العالم، ولكن ماذا يحدث لو فسد الملح ولم يعد في رجل الكنيسة أي طعم للمبادئ وللقيم النبيلة، وماذا يحدث عندما يتبلد وجدان القسيس ويفقد معاني الخير والشر ويعد الخير شرا والشر خيرا؟ فيا خوفي على رجل الكنيسة هذا، فهو سيصبح كالأعمى الذي يقود عميانا فيسقطون جميعا معه في الحفرة. وبما ان رجل الكنيسة لا يعيش لنفسه فقط بل للآخرين ايضا، فان مثل هذا القسيس سوف يشكك اناسا كثيرين ويصدهم عن الخير والحقيقة، والويل لرجل كنيسة لا يبشر الناس بالحق، ولهذا يكون خيرا لرجل الكنيسة هذا لو يعلق حجر الرحى في رقبته ويرمى في وسط البحر. كما يقول الانجيل. فالعالم ينتظر من القسيس ان يرشده الى الحقيقة والخير والجمال. ولكن كيف يرشد هذا الرجل الناس الى هذه الثوابت وهو نفسه بعيد عنها؟! ثم الم يقل احد الروحانيين: كلما ارتفعت نفس رفعت معها العالم كله؟ ونضيف: كلما انخفضت نفس خفضت معها العالم كله. فهل من انخفاض كانخفاض رجل كنيسة يعيش على الباطل ويدعو اليه ويرتاح له ويمجده؟ ".

4- من حيث بنيوية العدوان :

لقد سبق ان قلنا ان اية حالة انسانية، سواء كانت في بعدها الاجتماعي ام في بعدها النفسي ام في بعدها الروحي هي حالة بنيوية ، أي انها حالة تتعدد فيها الابعاد وتتشعب. اما هنا فنرى كم ان اقطاب الحالة الاجتماعية الراهنة، التي قلنا انها حالة العولمة، متعددة بشكل واضح.

وهكذا نحن لسنا امام كتلة واحدة هي كتلة الاقوياء، ولكننا امام ابعاد كثيرة لحالة عدوانية واحدة. فالأمريكان هم رأس الافعى الجهنمية الظالمة والقاتلة، غير ان الامريكان ليسوا وحدهم في ساحة الظلم والعدوان بل نجد معهم دولا عظمى تساندهم مـن حيث تريد او لا تريد ، لان " الشيطان لا يخرب كوخه " او الدبور لا يخرب عشه، كما يقول المثل. فلولا مؤامرة الشياطين، اقوياء العالم، مع " الشيطان الاكبر " الامريكي، على العراق، لما تمكن الامريكان ان يضعوا على العراق نظام حصار ظالم ومدمر على كل الاصعدة لا يمكن خرقه الا بموافقة جميع الحلفاء في مجلس الامن. اما اذا وجدنا خلافا بين اطراف العولمة، سواء كان ذلك في مسألة العراق او اية مسألة اخرى، فان هذا الخلاف ليس في الحقيقة سوى خلاف على الشكليات، وعلى المصالح.

اما في مسألة الحرب على العراق فنحن نلاحظ ان الدول الكبرى التي رفضت الحرب كانت دولا مرائية ومترددة غاية التردد ولم تبدر منها اية بادرة حقيقية وفعالة للوقوف بوجه المعتدين الامريكان، في الوقت الذي كانت الدول الخاضعة للنفوذ الامريكي بسبب ارتباط مصالحها الكلي مع الولايات المتحدة الامريكية، مثل اسبانيا وايطاليا واستراليا وبعض دول اوربا الشرقية تؤيد الحرب بشكل واضح وسافل وتجتر ما كانت تقوله امريكا عن خطورة العراق وعن امتلاكه اسلحة دمار شامل رهيبة، بدون حد ادنى من العدل والإنصاف، ومن احترام للحقيقة، مع العلم ان كل هؤلاء الاتباع لا يزنون شيئا من حيث خستهم ولؤمهم بالمقارنة ببعض العرب الذين وقفوا موقف يهوذا خائن السيد المسيح من القضية العراقية.

اما الجماعات العراقية التي سمت نفسها بالمعارضة، سواء كانت كبيرة ام صغيرة، فان التاريخ سيحاسبها حسابا شديدا على ميكيافليتها ولا اخلاقيتها وقلة احترامها لوطنها. فهذه الجماعات لم تتصرف مع الوطن، مثل الاسود الشريفة التي تعتمد على قوتها لتصطاد فريستها، ولكنها تصرفت تصرف بنات آوى الجبانة التي تتقدم نحو الفريسة بعد ان يأكل الاسد ويشبع. ولنا هنا ان نتصور مقدار انحطاط هذه الفئات التي اعلنت بالإجماع يوم سقوط بغداد بيد الامريكان يوما وطنيا للعراقيين؟

غير ان ما يزيد الطين بلة هو ان هؤلاء المجرمين بحق وطنهم لم يكتفوا بذبح وطنهم وتقديمه هدية للأمريكان على امل ان يحصلوا على ثلاثين من الفضة كتلك التي قبضها يهوذا الاسخريوطي ثمنا لتسليمه يسوع الى السلطات اليهودية، لكنهم صاروا اكثر امريكانا من الامريكان وأكثر كذبا ونفاقا من اسيادهم حتى صار الاحتلال عندهم تحريرا وصار نهب الثروات من قبل الاجنبي رفاهية وصار حكم الاقلية التافهة ديموقراطية وصارت العبودية لأمريكا خلاصا وصارت اوهام الديمقراطية وحقوق الاقليات هدفا يستحق ان يسلم العراق من اجله بيد الامريكان القتلة.

وهكذا فقد دخلنا حقا عصر الكذب والدجل حيث ان القوة وحدها هي التي تتكلم وحيث يموت الحق على حدود المواجهة، علما بان دجل الاحزاب الحاكمة اليوم تحت ظل الامريكان وبحراسة دباباتهم وطائراتهم قد ظهر بكل وضوح للشعب العراقي، بعد ان رأى العراقيون بأم اعينهم كيف انقلب الامريكان الى محتلين حقيقيين يستخدمون مع المواطنين العراقيين اسلوب القسوة المفرطة بكل اشكالها، من قتل وإرهاب وحجب الخدمات عن المواطنين وتشريد وسجن واضطهاد للمواطنين الشرفاء، لا بل لكل العراقيين.

كما ان العراقيين اكتشفوا ان الامريكان لم يأتوا الى العراق لاعماره بل لاحتلاله واستعماره ونهب ثرواته. ومع ذلك كله نرى الفئة الضالة التي نصبها الامريكان على العراق تنظر الى قضايا العراق المهمة، مثل قضية الاحتلال نفسه وقضية خروج الامريكان من البلد وقضية تسليم الحكم الى العراقيين وقضية ما يسمى باعمار العراق، وقضية مكافحة *** وقضية حاجة العراق الى جيش قوي ومدرب، وغير ذلك من القضايا الاخرى، بالنظرة التي ينظر اليها الامريكان تماما، الامر الذي يدل على انتهازية هذه الفئات وعمالتها المفضوحة ويثبت ان هذه الفئات لا يهمها الوطن بقدر ما يهمها كرسي الحكم الذي وعدوا به ثمنا لعمالتهم وخيانتهم لوطنهم .

اما بخصوص مقولة *** فان الفئات التابعة لأمريكا تمجد قوة امريكا وتسمي عنفها قوة ومسؤولية بينما تسمي عنف المقاومة العراقية وغير العراقية ارهابا، مثلما يفعل الامريكان تماما. اما *** الذي مارسته هذه الجماعات نفسها، قبل الحرب الايرانية وبعدها، وقبل حرب الخليج الاولى وبعدها ايضا، فيسمونه نضالا ومقاومة وبطولة وشهادة بينما يسمون مقاومة العراقيين للمحتل الاجنبي ارهابا وتمردا. لذلك نرى الذين قتلوا نساء وأطفالا وشيوخا في عهود كثيرة عندما كانوا في المعارضة يتباكون اليوم على الابرياء الذين يذهبون ضحية فعل من افعال المقاومة، او ضحية فعل من افعال بعض ***يين الذين جاءوا وراء الدبابات الامريكية ويعيثون اليوم بالبلد خرابا من اجل تشويه سمعة المقاومة العراقية ومن اجل بعض المكاسب المادية والسياسية الرخيصة. كما ان هؤلاء ينسون ان اسيادهم استهدفوا المدنيين بشكل مباشر ومتعمد في حربهم الجبانة على العراق، ليس فقط المقرات السياسية والإدارية والأمنية المدنية العراقية لكن ايضا الاسواق والبيوت الآمنة لمجرد اشتباههم بوجود احد القادة في تلك البيوت، او لمجرد ارهاب المواطنين، كما حصل لملجأ العامرية في العام الواحد والتسعين ، وكما حصل ويحصل اليوم في مناطق عديدة من العراق.

غير اننا في هذه المحاضرة لا نريد ان نتكلم الا عن الجماعات السياسية التي تدين بالمسيحية والذين لقبوا انفسهم بالجماعات الكلدو-آشورية. فعن هذه الجماعات نقول انها جاءت الى العراق تحت غطاء مزيف اسمه الديمقراطية والحقوق القومية، بحسب كلام ظاهره حق وباطنه خبث ورياء وبطلان. لذلك نقول ان هذه الجماعات لا تستحق سوى لقب الطابور الخامس، بسبب تبعيتها المطلقة للمحتل الامريكي.

فضلا عن ذلك، فان هذه الجماعات المذكورة لا تستحق ان تعطى لها تسمية الحزب او الحركة السياسية، وذلك لضآلة عددها في العراق، وكذلك لاستحالة تمثيلها السياسي لجميع مسيحيي العراق الذين سيجدون مصلحتهم السياسية في احزاب اخرى عراقية، لا تحمل صفة القومية ولا **، مع اننا نعلم ان الحركات السياسية القومية الشوفينية و** التي اوجدتها المخابرات الأمريكية وغير الأمريكية قد انقسمت الى مجموعات سياسية صغيرة، حتى صح فيها مثل الضفدعة والثور، كما انها فشلت فشلا ذريعا في ايجاد قاعدة شعبية لها، باستثناء بعض المعقدين والانتهازيين وطلاب الكراسي السياسية والحاقدين على حضارة العراق. لذلك نجد هذه المجموعات الصغيرة والمتناحرة تستند على الانكليز مرة، وعلى الشيوعيين مرة اخرى، وعلى الأكراد مرة ثالثة. وأخيرا وليس آخرا فقد اصطفت هذه الاحزاب مع المعتدين الامريكان وعاشت على دعمهم السياسي والمادي والمعنوي، كأي سياسي عميل، مع علمنا بان هذه الاحزاب كانت طيلة تاريخها بالضد من أي نظام عربي ظهر في العراق، وخاصة الأنظمة العربية الثورية منها. نقول هذا، ونحن نعلم ان نسبة لا بأس بها من الاقلية المسيحية والأقلية الآشورية كانت تنتمي الى حزب البعث العربي الاشتراكي، مما يدلل على ان الشعب المسيحي لم يخضع لتوجهات الاحزاب القومية وخياراتها بشكل مطلق.

وعليه، وعلى الرغم من اقرارنا بوجود بعض التجانس الديني والحضاري بين غالبية ابناء الكنائس ذات التراث السرياني وبين الجماعات المنتمية الى هذه الاحزاب، الا اننا لا يحق لنا ان ننظر الى هذه الاحزاب من زاوية التجانس الديني والحضاري بيننا وبينها، بل ننظر اليها من حيث قدرة هذه الاحزاب على تمثيلنا تمثيلا سياسيا وأخلاقيا او عدم قدرتها على ذلك. فاذا قدرنا ان ننظر الى هذه الاحزاب بهذه العين الصافية فإننا سوف نرى ان مسيحيتنا ووطنيتنا وفطنتنا ومحبتنا لجماعتنا المسيحية تفرض علينا بان نبقى بمنأى عن هذه الاحزاب ولا نسمح لها بان تمثلنا سياسيا لا من قريب ولا من بعيد. ذلك ان هذه الاحزاب، سواء سميت بالتسمية الآشورية ام بالتسمية الكلدانية، ام بغيرها، ليست اكثر من صنيعة امريكية او اوروبية ولا يمكننا ان نثق بها في أي توجه من توجهاتها السياسية، سيما وان غالبية هذه الاحزاب جاءت وراء الدبابات الامريكية باتفاق مسبق مع الامريكان وشاركت بشكل او بآخر في احتلال العراق، وهي لا تزال الى حد اليوم تشارك بكل وضوح في اذلال العراق والعراقيين وتساعد على بقاء المحتل في وطننا، مع اننا نعلم ان هذه الأحزاب والتحركات يقودها اليوم ناشطون من مخلفات الحزب الشيوعي العراقي.

اما كلام هذه الاحزاب عن الحقوق القومية فليس اكثر من مجرد حجة يحفظون بها ماء وجههم امام الشعب العراقي وأمام العالم، وورقة توت يسترون بها طائفيتهم وعبثيتهم السياسية وحقدهم المفضوح على العراق، ذلك الحقد الذي يرقى الى حوادث عام 1933 في منطقة سميل قرب مدينة دهوك، كما يسترون بها وصمة مشاركتهم في جريمة احتلال العراق.

اما الشعب المسيحي في العراق، ولاسيما الشعب المستنير منه وغير المضلل بالإعلام الامريكي فقد يتطلع الى عراق ديموقراطي تحفظ فيه حقوقه كمواطن متساو مع اخوته المواطنين الآخرين في كل شيء، بما في ذلك حقه في ان يعيش بحسب هويته الحقيقية التي لا يفرضها عليه احد، حتى ولا الاحزاب القومية، ولكنه لا يطلب لنفسه اية حقوق قومية، لسبب بسيط هو ان ما يسميه البعض بالحقوق القومية للأقلية المسيحية ليس اكثر من وهم وادعاء باطل وفارغ من المحتوى.

اما ان تكون هذه الاحزاب العميلة بعمالة كاملة للأمريكان ولغير الأمريكان، قد جاءت من اجل احلال الديمقراطية في العراق عن طريق احتلاله بالشكل الذي عرفناه، فإننا ازاء هذه الكذبة السمجة التي رددوها مع قافلة الكذابين، وإزاء هذه الوقاحة في تبرير عمل اجرامي مثل الحرب على العراق من قبل اقلية لا تزن مثقال ذرة في ميزان القوى العراقية، فإننا لا يسعنا سوى ان نقول بملء فمنا : الا لعنة الله على مثل هذه الديمقراطية التي جاءوا بها للعراق، مع تأييدنا للديمقراطية الحقيقية واعتزازنا بها، حيثما تكون ممكنة.

وبناء على ما تقدم نقول بأنه لا يمكن لقسيس عاقل ان يقبل بأي حوار مع هذه الجماعات العميلة التي تستفز الاكثرية العربية المسلمة بتصرفاتها الوقحة وتنزل الى درك التعاون مع الامريكان بتقديم خدماتها لهم، وخاصة فيما يخص الوشاية بالعراقيين والتعرض لمصلحة الاكثرية العربية المسلمة.

وكما اننا نرفض التعاون مع هذه الفئات العميلة فإننا نرفض ايضا هيمنة هذه الفئات علينا ونرفض ان ننجر وراء رؤيتها للأمور في العراق. وعليه ارى ان مشاركة رجال دين كاثوليك في مؤتمر دعت اليه الاحزاب الآشورية حول تسمية المسيحيين في العراق هي مشاركة مشبوهة لأسباب عديدة منها:

1- لقد تمت هذه المشاركة بطريقة غوغائية حيث ذهب المشاركون من الكنائس الى المؤتمر الذي دعت اليه اقلية مسيحية تدين بالولاء الكامل لأمريكا وتأتمر بأوامرها من دون تفويض من احد، لا من الكنيسة الكاثوليكيـة ولا من الابرشيات ولا من أي مؤتمـر كنسي. اما اذا قال احد من المشاركين من السلطات الكنسية، بأنه ذهب الى هذا المؤتمر بصفته الشخصية فنقول له: هل يمكن لمسؤول كنسي بأية رتبة كان ان يحضر مؤتمرا كهذا بصفته الشخصية من دون ان يحصل التباس بين هذه الصفة الشخصية وبين مكانته الكنسية العامة ؟ فيا ليت كان ذلك ممكنا كي نتمكن ان نبرأ ذمة المسيحيين من خطيئة مشاركة رؤسائهم في مؤتمر دعا اليه عملاء الامريكان.

2- لقد دلت مشاركة قلة من الكنسيين في المؤتمر المذكور، اضافة الى غوغائية المشاركين، على غباء سياسي واضح ونقص في المسؤولية تجاه المسيحيين، حيث قبل هؤلاء الكنسيون ان يصيروا جسرا تعبر من فوقه المآرب السياسية الخبيثة للأحزاب القومية الآشورية والكلدانية. ذلك ان هذه الاحزاب الانتهازية المرتبطة بالأجنبي ارتباطا كاملا تريد ان تفرض على المسيحيين قومية مصطنعة تفصلهم عن اخوانهم العرب العراقيين، كما انهم يريدون ان يداروا ضآلة عددهم بجر الاقليات المسيحية الاخرى، ولاسيما من ابناء الكنيسة الكلدانية الى صفهم.

وحقا نتساءل ونقول للأحزاب الآشورية والكلدانية ولبعض من رجال الدين المسيحيين الذين اشتركوا في المؤتمر المذكور: ترى من قال لكم ان المسيحيين بحاجة الى احزاب قومية لتأتوا انتم وتفتشوا عن اسم مشترك لهذه الاحزاب؟ ومن طلب منكم ان تنوبوا عنه في هذه المهمة؟

وهنا اقول لرجال الدين المسيحيين:

ان مشاركتكم في المؤتمر الذي دعت اليه الحركة الآشورية لا تنم عن فطنة ولا عن شعور بالمسؤولية تجاه مسيحييكم. فلو كانت هذه المشاركة قد حصلت في أي زمن آخر لقلنا ان في المسألة وجهة نظر. اما وان تخطوا هذه الخطوة والأمريكان جاثمون على صدر العراق فذلك استفزاز للأكثرية المغلوبة على امرها جراء الحرب على العراق، كما انه وبال على المسيحيين الذين سوف يعانون من جراء انتهازية بعض رؤسائهم الدينيين.

وبهذا الخصوص لا يسعني سوى ان اقدم التحية والتأييد للأساقفة الكاثوليك الاجلاء الذين صرحوا بشكل رسمي بان المسيحيين الكاثوليك والارثدوكس لا يطلبون أي امتياز خاص بهم سوى ان تحترم حريتهم الدينية ويكونوا متساوين مع كل المواطنين في الحقوق والواجبات دون أي تمييز. ولكن من أخذ هذا التصريح بعين الاعتبار؟

هذا قليل من كثير مما يمكن ان نقوله عن موقفنا كمسيحيين وكقسس من الاوضاع السياسية الراهنة. ومن له اذنان سامعتان فليسمع. وكان الله في عون الجميع. وأشكركم على اصغائكم.
***




اما الآن وبتاريخ 19 – 10 – 2010 فاني استبق مقالي القادم بعنوان" مصباح ديوجين " وأقول لكل من يريد ان يستمع: ماذا كان يحصل لو ان رجال ديننا المسيحيين كانوا من البداية قد وقفوا من الاحتلال الموقف المشرف الذي طالبت به هذه المحاضرة القديمة. وماذا كان يحصل لو كان سادتنا الأساقفة الأجلاء، قد اتفقوا فيما بينهم، على التأكيد امام اعضاء السينودس من اجل الشرق، على شجب الاحتلال وكل نتائجه في العراق، واعتبار المقاومة العراقية، بكل اشكالها، الممثل الشرعي الوحيد للشعب العراقي، كما يتطلب العدل ذلك، والتنصل من كل علاقة مشبوهة مع القادمين على ظهر الدبابات الأمريكية؟ ترى اما كان في هذا الموقف الحل الصحيح المشرف لأزمة المسيحيين في العراق؟ ولكن يبدو ان الدبور لا يخرب عشه، مع الأسف.



القس لوسيان جميل

تلكيف . محافظة نينوى . العراق

19 – 10 - 2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
عن موقف الكنيسة من التيارات السياسية في العراق.. مقال القس لوسيان جميل
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البيت الآرامي العراقي :: الاخبار العامة والسياسية General and political news :: منتدى المنبر السياسي والحوار الهادئ والنقاش الجاد الحر Political platform & forum for dialogue & discussion-
انتقل الى: