البيت الآرامي العراقي




البيت الآرامي العراقي

سياسي ِ ثقافي ِ أجتماعي


 
الرئيسيةالرئيسيةبحـثالتسجيلarakeyboardsyrkeyboardدخول

شاطر | 
 

 المقاهي الأدبية في تونس.. دور ثقافي وثورة على السائد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
البيت الارامي العراقي
الادارة
الادارة



الدولة : المانيا
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 9464
تاريخ التسجيل : 07/10/2009
التوقيت :

مُساهمةموضوع: المقاهي الأدبية في تونس.. دور ثقافي وثورة على السائد   الجمعة 29 أكتوبر 2010, 2:37 am

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]


المقاهي الأدبية في تونس.. دور ثقافي وثورة على السائد

حسونة المصباحي

-
المقاهي الأدبية ظاهرة تميزت بها المدن الأوروبية الكبيرة مثل باريس ولندن وأمستردام وروما منذ عصر النهضة.

ثم لم تلبث هذه المقاهي أن شهدت انتشارا واسعا خلال القرن التاسع عشر والقرن العشرين وباتت المكان المفضل الذي يرتاده كبار الأدباء والشعراء والمفكرين والفنانين. وفيها ولدت حركات أدبية وشعرية وفنية وتيارات فلسفية، وألفت الكتب، وكتبت القصائد والمسرحيات ونشبت معارك فكرية. وفي البلدان العربية يمكن القول إن ظهور المقاهي الأدبية تزامن مع تطور العواصم والمدن خصوصا في نهايات القرن التاسع عشر أي مع بدايات ما أصبح يسمى بـ"عصر النهضة".

ومع حلول القرن العشرين، أصبحت المقاهي الأدبية في القاهرة وبيروت وبغداد تؤدي تقريبا نفس الأدوار التي كانت تؤديها المقاهي الأدبية في العواصم الأوروبية. وكذلك كان الحال في تونس العاصمة. وكان "مقهى تحت السور" بحي "باب سويقة" الشعبي أول مقهى عرف شهرة واسعة خصوصا بعد زواله.

وكانت ترتاده جماعة من الأدباء والشعراء والفنانين المتمردين على عادات المجتمع القديمة، وعلى الثقافة الدينية المتزمتة والمحافظة التي كان يمثلها "جامع الزيتونة" وشيوخه وأساتذته. وكان هؤلاء يمضون أغلب أوقاتهم في المقهى المذكور يقرؤون الجرائد، ويتبادلون الأفكار، ويتجادلون حول مختلف القضايا الأدبية والفنية ويسخرون من أنفسهم ومن الدنيا والناس.

وأحيانا كانوا يكتبون على حائط المقهى نصوصا أو قصائد أو أزجالا يرسمون فيها الخواطر والأفكار والمشاعر التي تتنازعهم. وعادة ما تمتد سهراتهم إلى مطلع النهار. فقد كانوا نهمين إلى ملذات الحياة، عاشقين للنساء الجميلات المتحررات. وكان علي الدوعاجي، رائد القصة التونسية، وصديقه محمد العريبي، الذي كان قصاصا موهوبا هو أيضا من أشهر رواد مقهى "تحت السور".

وعلى مدى النصف الأول من القرن العشرين، شهدت المدينة العتيقة ظهور العديد من المقاهي الأدبية التي كانت تواكب يوميا تقريبا تطور الحركة الثقافية في البلاد التونسية، محتضنة كل الفاعلين فيها من شعراء وكتاب وصحافيين وغير ذلك.

ولم يكن بالأمر الغريب أن تكون المدينة العتيقة القلب النابض للحركة السياسية والثقافية. ففيها يوجد "جامع الزيتونة"، وفيها يعيش آلاف الطلبة، وفيها تمكن المكتبات التي كانت كثيرة في ذلك الوقت، القراء من الحصول على الكتب والمجلات التي تصدر في مصر أو في بلاد الشام.

وفي نواديها الأدبية، مثل "الخلدونية" التي ألقى فيها الشابي محاضرته الشهيرة "الخيال الشعري عند العرب"، كانت تعقد الندوات، وتلقى المحاضرات، وتناقش الأفكار الجديدة، وتنتقد الكتب الصادرة حديثا.

وفي مقهى شعبي بـ"تربة الباي" الذي لا يزال موجودا إلى حد هذه الساعة، والذي فيه "سكت" قلب الكاتب الكبير البشير خريف في عام 1983، كان الشيخ العربي الكبادي الذي كان يمتلك إلماما واسعا بالتراث العربي- الإسلامي في مختلف عصوره، يجتمع بأحبائه وطلبته. وعلى مدى ساعات طويلة، يظل يردد على مسامعهم قصائد من الشعر العربي القديم والتي كان يحفظها عن ظهر قلب.

وبعد حصول تونس على استقلالها عام 1956، قرر بورقيبة إنهاء المهمة التربوية التي ظل يضطلع بها "جامع الزيتونة" على مدى قرون طويلة، فتقلص عدد المكتبات، وفقدت المدينة العتيقة الدور الثقافي الكبير التي كانت تقوم به في زمن الاحتلال الفرنسي. وعندئذ انتقلت النشاطات الثقافية والفنية إلى أجزاء مختلفة من "المدينة العصرية" التي بناها الفرنسيون بعد احتلالهم للبلاد عام 1881.

ففي حي "لافاييت" حيث توجد الإذاعة الوطنية، والذي كانت غالبية سكانه من اليهود والفرنسيين، تميزت بعض المقاهي باستقبالها لمشاهير الفنانين والفنانات من أمثال علي الرياحي وأحمد حمزة وعلية ورضا القلعي وصفية شامية ونعمة والهادي الجويني الذي احتفلت تونس عام 2009 بمرور مائة عام على ميلاده تماما مثلما هو الحال بالنسبة لأبي القاسم الشابي وعلي الدوعاجي والشيخ الفاضل ابن عاشور.

كما كانت تلك المقاهي تستقبل بين وقت وآخر الفنان الكبير محمد الجموسي الذي تحتفل تونس هذا العام، 2010، بمرور مائة عام على ميلاده. وكان هذا الفنان الذي كان يكتب أشعارا بالفرنسية موزونة ومقفاة، والذي كان صديقا للعديد من الفنانين الكبار في فرنسا، من أمثال "اديث بياف"، قد أمضى الشطر الأكبر من حياته مهاجرا في باريس.

وكان مقهى "الكانيغو" بحي "لافاييت" من أشهر المقاهي الأدبية في تونس العاصمة في فترة الستينات. وكان يرتاده مثقفون متأثرون بالثقافة الفرنسية. لذا كانوا يتابعون باهتمام كبير الحياة الثقافية في باريس، ويقرؤون بنهم الكتب الأدبية والفكرية التي تأتيهم من هناك.

وكان البعض منهم مفتونين بوجودية جان بول سارتر، وبعبثية البير كامو، وبالقصائد التي كان يكتبها لوي اراغون لحبيبته الزا، وبأغاني جاك برال "J. Brel" واديث بياف "EDITH PIAF" وليو فاري "LEO FERRE". وكان الناقد فريد غازي والكاتب مصطفى الفارسي والجامعي المعروف توفيق بكار من رواد هذا المقهى. وفي شارع فرنسا القريب من المدينة العتيقة، كان مقهى "المغرب" يستقبل كتابا وشعراء لا يظهرون ميلا كبيرا للثقافة الفرنسية.

والبعض منهم كانوا قد درسوا في المشرق العربي، وعادوا منه معجبين ومتأثرين في أفكارهم وكتاباتهم بطه حسين والعقاد والمازني ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم ومخائيل نعيمة والسياب والبياتي ونازك الملائكة.. وكان الروائي البشير خريف وأخوه الشاعر مصطفى خريف، والباحثان الجيلاني بالحاج يحيى ومحمد المرزوقي، والكاتب العروسي المطوي، والناقد أبو زيان السعدي، والشاعر نور الدين صمود من بين رواد المقهى المذكور..

وفي الستينات والسبعينات، كان مقهى "باريس" في "باب البحر" قبلة العديد من الأدباء والفنانين والشعراء المعروفين. وفي السنوات الأخيرة من حياته، كان المقهى المفضل للشاعر مصطفى خريف، وفيه كان يستقبل محبيه، وأصدقائه، ومعهم كان يمضي الساعات الطويلة في جدل ونقاش حول قضايا أدبية مختلفة. وكان يرتاد المقهى المذكور الفنان الكبير زبير التركي الذي رحل عن الدنيا هذا العام، عام 2010، وأيضا الفنان المتميز عمار فرحات، والعديد من الفنانين الآخرين. وحتى هذه الساعة لا يزال مقهى "باريس" المقهى المفضل للناقد أبي زيان السعدي، وللمخرج السينمائي عُمَار الخليفي.

مع ظهور "حركة الطليعة" في منتصف الستينات، أصبح "شارع بورقيبة"، أو "باب البحر" والذي كان يحمل اسم "بولفار جيل فيري" "JULES FERRY" في فترة الاحتلال الفرنسي، القلب النابض للحركة الأدبية والفنية والثقافية، في تونس العاصمة، في مقاهيه، مثل مقهى "باريس" ومقهى "الكون"، ومطعم "البوليرو" و"طونطونفيل" و"الشرق" و"فندق الانترناسيونال"، يلتقي الأدباء والفنانون والشعراء من مختلف التوجهات والتيارات والمذاهب.

وفي دار الثقافة "ابن خلدون"، ودار الثقافة "ابن رشيق" انتظمت في الستينات من القرن الماضي العديد من الأمسيات الشعرية التي ألقى فيها شعراء ما كان يسمى بـ"في غير العمودي والحر" من أمثال الطاهر الهمامي والحبيب الزناد قصائدهم الأولى التي أحدثت ما يشبه "الضجة" في الوسط الثقافي التونسي.

كما أقيمت في الدارين المذكورتين ندوات فكرية وأدبية كثيرة ومتعددة لعل أشهرها مؤتمر اتحاد الكتاب العرب الذي انعقد في تونس في ربيع عام 1973 والذي حضره مشاهير الأدباء والشعراء العرب من أمثال الجواهري ويوسف السباعي والطيب صالح ومحمود درويش وعبد الوهاب البياتي ويوسف الصائغ ومحمد الفيتوري..

مطلع الثمانينات، وبعد جمود هيمن عليها على مدى عقد السبعينات، استعادت الحياة الثقافية حيويتها، واستقطبت وجوها جديدة لم تكن معروفة حتى ذلك الحين. وكان مقهى "الزنوج" بشارع باريس، الفضاء المثالي لتلك الوجوه الثقافية الجديدة من أمثال المنصف المزغني وأولاد أحمد وآدم فتحي وآخرين كثيرين بينهم رسامون وقصاصون وسينمائيون ومسرحيون. وعلى مدى سنوات طويلة، ظل مقهى "الزنوج" بمثابة النادي الأدبي فيه يلتقي المثقفون والمبدعون الجدد، وفيه يتجادلون، ويتخاصمون حول مختلف القضايا الفنية والأدبية والسياسية والإيديولوجية.

وفي التسعينات، أصبحت "دار الكاتب" و"دار الصحفي" اللتين انشئتا في تلك الفترة الفضائين المفضلين لأغلب المبدعين والفنانين والصحافيين. ويمكن القول إن المقاهي الأدبية بالمواصفات القديمة لم تعد موجودة راهنا. وباستثناء مقهى "الروتوند" في "الكوليزي" بـ"باب البحر" والذي تجتمع فيه جماعة "نادي القصة" صباح كل يوم أحد، نحن لا نجد الآن في تونس العاصمة مقاهي أدبية بالمعنى الحقيقي للكلمة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
المقاهي الأدبية في تونس.. دور ثقافي وثورة على السائد
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البيت الآرامي العراقي :: الثقافية , الادبية , التاريخية , الحضارية , والتراثية Cultural, literary, historical, cultural, & heritage :: منتدى الشعر والادب بالعربية المنقول Forum poetry & literature with movable Arabic-
انتقل الى: