البيت الآرامي العراقي




البيت الآرامي العراقي

سياسي ِ ثقافي ِ أجتماعي


 
الرئيسيةالرئيسيةبحـثالتسجيلarakeyboardsyrkeyboardدخول

شاطر | 
 

 قص واقعي وشخوص تلتصق بالذاكرة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Dr.Hannani Maya
المشرف العام
المشرف العام



الدولة : العراق
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 37592
مزاجي : أحب المنتدى
تاريخ التسجيل : 21/09/2009
الابراج : الجوزاء
التوقيت :

مُساهمةموضوع: قص واقعي وشخوص تلتصق بالذاكرة   الخميس 01 أكتوبر 2009, 8:40 am

قص واقعي وشخوص تلتصق بالذاكرة

غائب طعمه فرمان المنطقة الغائبة في القصة العراقية

مؤيد الطلال

بغداد

اذا كان احد الادباء الروس الكبار قد اعترف يوما وصرح قائلا :((كلنا خرجنا من معطف غوغول)) فلا بد ان قصاصيين مبدعين في العراق سيعلنون يوما ما معناه بأنهم قد أكلوا من عثوك (عثوق)نخلة فرمان وكذلك من بقية رواياته :وكان رطبا جنيا حلو المذاق ،تاركاً أثره الذي لايمحي من تاريخ القصة العراقية !! في هذه المقدمة اريد ان استعير من كتاب بيرسي لوبوك (صنعة الرواية ـ ص64 ترجمة عبد الستار جواد/ دار الرشيد 1981م)العبارة المختصرة التي تقول ان فلوبير ((يزودالناقد بعمود ثابت )) استعير هنا هذه العبارة الصغيرة ذات الدلالة الكبيرة واضع خطاً عريضاً تحت صفة العمود الثابت ،بل وأؤكد علي ان ((العمود الثابت ))هي كلمة واحدة لاتشبه ما كتبه استاذنا الطاهر عن العمود في القصة وهو يتحدث عن قصص صديقنا المحترم محي الدين زنكنة في ص234 من حديثه عن القصة والمسرح الطبعة الاولي ـ بغداد 1987- دار الشؤون الثقافية .
ورغم قلة اطلاعي علي النقد العربي المصري ،غير انني استطيع المجازفة بالقول ان معظم ذلك النقد قد وضع نجيب محفوظ- بشكل مباشراو غير مباشر- كعمود ثابت يقيس من خلاله الاعمال القصصية التي كتبت في زمن نجيب محفوظ اوبعده( من قبل مجايليه) خاصة بالنسبة لثلاثيته الشهيرة التي ربما كانت من دواعي او اسباب منح هذا القاص المبدع جائزة نوبل
ولان جائزة نوبل اعطيت لاول مرة، وربما اخر مرة،لاديب عربي ذرآ للرماد في العيون كما
يقال- مع تقديرنا لهذه الجائزة الكبيرة- ولانها لاتمنح لغيرالاحياء، ولأن غائبآ قد مات في زمن التغييب فلا استطيع انا العبد الفقير لله، وربما لمخلوقات الله الاخري (صغيرة كانت ام كبيرة) ، غيران أتجرأ قليلآ وامنح غائب طعمه فرمان صفة (( العمود الثابت)) في القصة العراقية ، بحيث استطيع من هذا الثبات ان اقيس المتحرك: كم يبعد عنه هذا المبدع او ذاك؟! ما الذي طرأعلي القصة العراقية منذ ذلك الزمان ما مدي أوجه الشبه وأحتمال الاستعارة والتناص او حتي تمثل وأستلهام تلك الروايات ؟! الي اخر هذه التساؤلات والقياسات التي لاتغيب عن ذهني وأنا أقرأحتي من تجاوزوا ( غائب طعمة فرمان )بالعديد من الاميال ، أذ ان صيرورة الحياة صيرورة جدلية حية تقدمية بأستمرار ولا يمكن ان تثبت عند حدود مبدع واحد خلاق حتي وأن كان هوميروس او شكسبير او ديستويفسكي وبلزاك او هولدرن وستندال او غيرهم من بناة العالم علي حد وصف ستيفان زفايج !!
وهكذا يمكننا القول ان ثمة روايات عديدة قد كتبت منذ (جلال خالد )لمحمود احمد السيد ،وان الكثير من النقاد قد اثنوا علي تلك الروايات ،وقد اشتمل كتابي الاول دراســـة خاصـــة عـــن قصص الرواد مع التركيز علي روايات( ذو النون ايوب) ورواية (مجنونان )لعبد الحق فاضل غير ان الرواية العراقية اتجهت أتجاها جديدا " وأخذت منحي حديثاًمذ نشر غائب طعمة فرمان روايته الاولي ((النخلة والجيران )) وانهي حياته الابداعية برواياته الاخيرة :ظــــلال علي النافذة ـ الآم السيد معروف ـالمرتجي والمؤجل ـ المركب

العمود الثابت

لاتعني صفة الثبات بهذا العمود السكون او الموت ،او عدم التجاوز ،بقدر ماتعني الاصالة والتحقق والانجاز تعني الوصول الي نتيجة طيبة مثمرة نستطيع مـــــن خلالها ان نرصـد مايجري في مسيرة الحياة عامة ،وعالم القصة خاصة
وكما اننا نحترم انجاز غائب طعمه فرمان، ونقدر اهمية مـا سبقه مــــن تراث قصصي ،فانني استطيع القول وبعد مرور أكثر من ربع قرن علي صـــدور رواية (الرجع البعيد) لفؤاد التكرلي ان هذه الرواية يمكن ان تؤشر الي مرحلة جديدة فــي حياة الرواية العـــراقية القليلـــة العدد ،المتقطعة الانفاس ، وربما العصية علي وصولها الذروة او حتي مسايرة مــاينتج فــــي مغرب الوطن العربي ومشرقه علي حد سواء!! هكذا اذن تسير الحياة دون انقطاع: من قصص جيل الرواد حتي نخلة غائب حلوة المذاق،ومن غائب طعمة فرمان الي التكرلي- الرجع البعيد خاصة - ومن التكرلي الي محمد خضير.. وهكذا دواليك. ولان مصطلح جيل الخمسينات والستينات والسبعينات ..الـــخ مصطلح
نقدي فضفاض، ولان غائباً لم يأخذ موقعة الحقيقي في مسيرة القصة العراقية التي تجاوزت منذ فترة طويلة يوبيلها الفضي لاكثر من نصف قرن، فأني أراه اليوم يمثل(( العمود الثابت)) في تاريخ القصة العراقية، ذلك بالمعني المجازي العام الذي اسهبنا في الحديث عنه بشكل متعمد ومقصود من اجل الوضوح واعطاء كل ذي حق حقه كما يقال. وسع غائب طعمة فرمان من مديات واهتمامات القصة العراقية، وخاصة الروحية والانسانية والاجتماعية- وحتي النفسية- في الوقت الذي قلل من قوة الخطاب الايديولوجي المباشر الذي كان سائداً في قصص جيل الرواد.. اي حاول ان يقلد النماذج الواقعية الاجتماعية النقدية العالمية بصورها المضيئة السامية بعيداً عن المباشرة الانشائية السطحية وتمهيداً للعبور بهذه القصة الي الضفة الاخري الاكثر فنية وأصالة.
ولذا فقد اولي عناية كبيرة للابعاد والاساليب الفنية التكنيكية التي انتشرت في القص والسرد الروسي والاوربي الغربي الحديث، بل انه استخدم في رواية ((المخاض)) وسائل فنية حديثة لم
تك قد استخدمتها القصة العراقية القديمة = خاصة في فترة الريادة = او لم تولها الانتباه لاهتمامها بالامور السياسية الاجتماعية المباشرة .

اصوات متعددة

في رواية( خمسة اصوات) الصادرة بعد عام من النخلة والجيران يخطو غائب طعمة فرمان خطوة فنية جديدةلم تعرفها القصة العراقية من قبل حيث يدخل الاصوات كبديل للفصول ،وهو اول استخدام لمستويات السرد المتعدد الطبقات او الاصوات بحيث تصبح الشخصيات المحورية الخمسة في روايته هي الاساس في بناء الرواية ،وفي رؤيتها المختلفة للاحداث المهمة والمواقف التي تعبر عنها الرواية صحيح ان غائبا"وقف عند حدود هذا المتغيّرالشكلي ـ علي اهميته الريادية عام 1967م ـلكن الصحيح ايضا ان التكرلي سيستثمر هذه الخطوة الجريئة في روايته المهمة (الرجع البعيد)،كما ان غائبا" فسح الطريق ايضا امام القصة العراقية لتتخطي ابعادها التقليدية في الشكل وطريقة البناء علي حد سواء ،ممهدا"السبيل للتكرلي من اجل استثمار هذه الخطوة الجريئة والدفع بمفهوم السرد المتعدد المستويات ،متعدد الاصوات ،الي درجته القصوي الحديثة وذلك في روايته البديعة المجيدة (الرجع البعيد) وان صدرت بعد ثلاثة عشر سنة من صدوراصوات غائب طعمة فرمان الخمسة !!
الأصوات عند غائب اذن تقوم بوظيفة البديل عن الفصول مع التركيز علي شخصيات محورية محددة بتلك الاصوات الخمسة ــ رغم وجود شخصيات ثانوية او ساندة كثيرة ــ وهي تتداخل لتتكامل وتكمل في الآن عينه احداث القصة اما اصوات التكرلي في الرجع البعيد فانها تعيد بناء الرواية من خلال اعادة زوايا النظر او الرؤيا العامة ،او لتقييم تلك الاحداث ولذلك فهي اقرب الي المشاعر واختلاف الاحاسيس منها الي الفصول التقليدية التي لازمت فرمان في طريقة بناء اصواته الخمسة رغم اشتراكهما في امور جوهرية كثيرة نذكر منها علي سبيل المثال مايأتي:
أـ الاهتمام الاجتماعي وتشابه الحاضنة الاجتماعية بما في ذلك استخدام الاحياء الشعبية القديمة كفضاء عام للخطاب السردي عامة مع التركيز علي اهمية المكان ب ـ استخدام ذات المناخات والفضاءات الاجتماعية والمكانية وخاصة بالنسبة لاحياء بغداد القديمة اضافة الي استخدام اللهجة المحلية الشعبية لغور اعمق في مايسمي بوسط المدينة او قاعها الشعبي
ج ـ يحتل الزمان ـ اضافة الي المكان ـ اولوية ذات دلالة تاريخية وسياسية في كلا الروايتين وان كانت اصوات غائب ملتصقة بفترة الخمسينات (فترة فيضان بغداد ) في حين امتدت رواية التكرلي الي الستينيات حتي سقوط عبد الكريم قاسم وموت مدحت لشخصية الذكورية المحورية الرئيسة في الرجع البعيد وذلك في شباط من عام 1963م
د ـ الاهتمامات الانسانية والوطنية والسياسية ،وربما حتي بعض التأملات الفلسفية المشتركة ،وان كانت عند التكرلي اجنح الي الذاتية والروح الفردية المعاصرة
هـ ـ تشابه عذابات الناس ومعاناتهم المشتركة والمصائر السوداوية المؤلمة :(شخصية حسين السكير في الرجع البعيد مقابل شخصية حميد العدمية غير المستقرة في خمسة اصوات /علي سبيل المثال)
و- النهايات المفتوحة المشتركة التي ميزت روايات غائب وقصص التكرلي، في حين كانت القصة العراقية تقليدية تقفل علي نهايات محددة لامفر منها :- متطرفة في تفاؤلها حيناً ، ومتطرفة في تشاؤمها احياناً اكثر!!
ورغم وجود مظاهر تماهي بين الروايتين المذكورتين من حيث الاصوات والاجواء العامة ،واستثمار التكرلي لصيغة اصوات غائب التجريبية الاولي من اجل خلق رواية جديدة متعددة الاصوات وذات نسق سردي حديث لايكتفي بالصيغة التقلدية لاسلوب الراوي/ الشخص الثالث/
العالم بكل الامور، احادي النظرة.. اقول رغم وجود مثل هذا التماهي فقد حاول التكرلي في رواية الرجع البعيد بالذات ان يفصل اكثر من غائب بين الحوار الشعبي -الذي يدور باللهجة العراقية المحلية - وبين بقية انواع السرد والتعبير عن مجريات احداث الرواية ، مهتماً بالمنولوج الداخلي وتأمل الذات والبحث عن تفسيرات وتأملات فلسفية أكثر من اهتمام( غائب)
بالوصف الخارجي الذي يظل بمثابة قاسم مشترك بين قصص فرمان وجيل الرواد حتي وان جاء بصيغ ادبية احدث وافضل.
ولنا بالطبع وقفة طويلة مع التكرلي - في كتاب خاص عنه بأذن الله - نحلل وندرس فيه الابعاد الفنية التي فجرتها قنبلة( الرجع البعيد) في تاريخ السرد العربي عامة، والعراقي خاصة، وفتحت الآفاق لثورة تجريبية في الفن القصصي لاتقل اهمية عن الثورة علي عمود الشعر العربي التقليدي التي قادها العراقيون الأماجد: السياب ونازك الملائكة والبياتي.. كما لو ان قدر العراق ان يصبح(( ابو الثورات)) في كل مناحي الحياة، وان كان بهذا القدر قد دفع ثمناً باهضاً ربما لم يدفعة شعب من شعوب الكرة الارضية ؟!

نخلة عراقية الجذور..

طيبة الثمر

مع ان غائباً لم يرتفع بمجمل اعماله اللاحقة الي مصاف رائعته( النخلة والجيران)، وظلت نخلته سمتاً سامقاً فوق كل قصصه، بل كل القص العراقي آنذاك في ستينيات القرن العشرين
- وربما لاابالغ اذ قلت ان سعف تلك النخلة البديعة قد غطي سعف نخيل القص العربي في الوقت الذي اعلنت فيه عن نفسها من خلال تحويلها الي مسرحية جميلة في كونها نخلة عراقية الجذور، طيبة الثمر: هاكم ذوقوا حلاوتي ايها الناس، كل الناس، بما فيهم البسطاء الذين لم يقرأ احدهم رواية ولامسرحية ولااي كتاب، سلواه ومتعته وحدود معرفته التلفزيون ليس الا حتي قبل ان تدخل اليه تكنولوجيا الالوان!!
غير ان غائباً فعل الصواب حين كتب اصواته الخمسة وقربانه ومخاض ثورة الرابع عشر من تموز كي لاتتهم نخلته بأنها بقيت وحيدة سامقة لااحد ينافسها ولااخوات لها. صحيح ان الجوهر والمعدن واحد في جميع اعماله =وكذلك الروح= والفكر الذي استمد غائب براعته منه:الشعب، الشعب العراقي بكليته وتاريخه وطليعته والعناصر الديناميكية الفاعلة فيه وخاصة الشباب الواعي ومنهم المنتمون والملتزمون علي وجه التحديد. لكن الصحيح ايضاً لابد من التنوع، ولابد من تناول قطاعات وشرائح مختلفة من ذلك الشعب كما في( خمسة اصوات)و المخــــاض
التي عبرت عن مستويات جديدة في اللغة والانحدار الطبقي لبعض الشخصيات بقدر ماعبرت عن حقبة مهمة في تاريخ العراق: ثورة الرابع عشر من تموز ومابعدها.
حيث اصبحت هذه الثورة الامل الذي كان يحلم به ابطال قصصه السابقة بدءاً من قصصه القصيرة/ حصيد الرحي 1954م - مولود آخر 1959م/ مع المرور باعماله الطويلة التي نحت المنحي الروائي مع اخذ الشيء الكثير من الحوار المسرحي الذي تخللها فأصبحت مهمة تجنيسها تثير بعض الاشكالات النقدية التي اشار اليها المرحوم الدكتور علي جواد الطاهر في اكثر من مقالة.

دائرة القص الواقعي

وعلي أي حال، ومع بقاء اعمال غائب طعمة فرمان ضمن دائرة القص الواقعي الاجتماعي النقدي الملتصق بجذور البيئة الشعبية والطامح،في الوقت عينه، الي بناءات واشكال فنية عالمية (كالقص الروسي والانجليزي والامريكي خاصة) فقد سعي الكاتب- كما هو حال جيل الرواد برمته في هذا الأمرـالي مطاردة الفكرة السامية والبحث عن القضية الانسانية والاجتماعية المهمة او الموقف البناء لتصوير ذلك الشعاع من الأمل ،امله وامل الشعب العراقي برمته ،وهو يمر بمفترق الطرق الخطيرة
صحيح ان القارئ العادي قد لايجد في رواية المخاض،مثلا"،أكثر من حكاية عائد من الغربة (كريم الشخصية المحورية او المعادل الموضوعي للراوي ذاته ـ الشخص الاول ـالمتكلم) وهو يتخبط في بحثه عن اهله وجذوره بعد ان هدمت وقصت البيوت القديمة لتفسح الطريق امام بناء شارع الجمهورية علي اسس عمرانية حديثة لكن الصحيح ايضا ان ذلك البحث كان نحتا" في ازميل الفن البارع ليس في ذاكرة الزمن وحسب ،بل في الحاضر المعاش : في المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية بعد ان احتلت قضية اتجاه ثورة الرابع عشر من تموز (1958) المكانة المهمة والاساسية في اهتمامات الراوي /السارد (كريم)
لم يرفع فرمان شعارات،ولم يطرح خطابات ،وربما ابتعد كثيرا"عن اسلوب رواد القصة بل اظهر فقط حرصه علي ان تأخذ الثورة مداها نحو الاشتراكية ولاتبقي في مرحلتها البرجوازية كما يريد البعض ـبمن فيهم الشيوعيون بتوجيه من القيادة السوفياتية آنذاك ـويظهر هذا واضحا في حديث احدهم ،وهو شخصية ساندة :صديق لكريم يعمل معلما"واسمه مهدي حيث يقول :((أنا ارضخ لأوامر الحزب وانفذها ولو طلب الحزب مني النزول الي الشارع والدفاع عن الحكم الحالي لنزلت ودافعت عنه بآخر قطرة من دمي ولكن أحس ان هناك خطأ في الموضوع ،خطأ جسيما"نحن واقعون فيه ويجب ان نبادرالي تصحيحه ،والافسيهلكنا سنذبح ذبح الخرافص 228 من رواية المخاض))
وكما لايريد فرمان ان ترتبط الثورة بالطبقة البرجوازية ـ بحيث تكون ثورتها هي وليست ثورة الشعب ـ فهو ايضا لايريدها ان ترتبط بشخص واحد حتي لو كان عبد الكريم قاسم ذاته ،وحتي لو انتصرت علي كل العراقيل التي وضعت امامها جراء تصرفات البرجوازية النفعية الاستغلالية او الجنوح الفردي العسكري او المؤامرات الاستعمارية الاجنبية الخ وتحولت الي المرحلة الاشتراكية التي كان "غائب "يحلم بها، فانها يجب ان لاتتوقف :هذا ما كانت توحي به وتبثه التعاليم او الافكار الماركسية من اجل ان ترتقي الثورة الي المرحلة الشيوعية
ورغم ان افكار غائب او غيره من ((الماركسيين الصحيحيين)) بقيت مثالية وعمومية لم تستطع الصمود حتي في الاتحاد السوفياتي، قلعة النظام الاشتراكي لأكثر من سبعين سنة، غير ان الرجل كان يؤمن بما يحلم ويعتقد عاش ومات نزيه اليد والفكر والاخلاق،وهو امر نادر في عالم تكثرفيه الوساخات والأدران ذات اليمين وذات الشمال اذ ان الاختلاف بالفكرلايفسد للود قضية كما كان يقول العرب القدماء
لهذا السبب،ولاسباب كثيرة عديدة اهمها :قوة الفن والقدرة علي الخلق والابداع والالتصاق الحقيقي بالناس ،الشعبيين والفقراء والبسطاء منهم خاصة ،بالجذورالعراقية المترعة بالحب والانسانية والنخوة والنجابة والقيم الاجتماعية والاخلاقية السامية الخ هو الذي جعلني اعــــد
غائب طعمه فرمان باعتباره ((العمود الثابت)) في القصة العراقية لما يقارب ربع قرن من الكفاح والنضال والكتابة والابداع واعلاء كلمة الحق :الكلمة الصادقة التي يؤمن بها هو ذات نفسه ـ بغض النظر فيما لو كنا متطابقين مع رؤياه الايديولوجية للعالم والحياة والواقع السياسي ام لا ن
هل معني هذا ان قصص غائب طعمه فرمان خالية من المثالب والهنات ،خاصة فيما يتعلق بعيوب المدرسة الواقعية الاجتماعية النقدية ،العيوب القديمة العامة كمحاولة مط ّ وتطويل القصة لتحويلها الي رواية ،او التبعثر من خلال الاستطرادات غير المبررة وخلق مصادفات ـ غير مقنعة في اغلب الاحيان ـ وعدم التوازن في طريقة استخدام اللهجة المحلية وبالتالي محدودية قراؤها وعدم انتشارها في ارجاء الوطن العربي الي اخر هذه القائمة من العيوب والهنات والمثالب التي اري انها لايجب ان تقف حجر عثرة في انطلاقة رؤية الناقد الموضوعي من اجل خلق توازن نقدي مطلوب في اعادة النظر بالموقف من ادب غائب طعمة فرمان وتقيمه تقيما علميا نقديا صحيحا وموضوعيا : بعيدا عن الحسا سية السياسية او الميول الشخصية او حتي النتائج التاريخية التي ترتبت علي ((رؤيا القاص للعالم )) ومن ثم رؤيتنا لادبه
وهذا هو السبب في انني اسعي لاغفا ل تلك المثالب التي كنت قد تناولتها في الفصل الخاص عن غائب من كتابي القديم عن القصة العراقية هذا هو السبب الذي يدفعني للاصرار والتشديد علي اعادة دراسة هذا الفنان الانساني المبدع باعتباره ((العمود الثابت ))في القصة العراقية ،غاضين الطرف عن تلك المثالب والهنات التي لم يعد المرحوم يستفيد من ملاحظتها والاشارة اليها بعد ان توقف قلمه دون ان يتوقف اثره الفعاّل ومآثره الابداعية والانسانية سواء بسواء!!

الشخصيات النامية

امتاز غائب طعمه فرمان علي جيل الرواد ـوعلي مجايليه ايضا ـ بقدرته وموهبته الواضحة في خلق وبناء شخصيات روائية (محورية كانت او ساندة ) واضحة المعالم ،معظمها نامية وديناميكية ،غير مسطحة ،قادرة علي العيش والنمو والتفرد والالتصاق بالذاكرة مهما بعد زمن قراءتنا لرواياته
ومع ان شخصيات رواية النخلة والجيران هي الاقدم ،لكنها تظل هي الاقوي و الأكثرحميمية والتصاقا" بالذاكرة كشخصية سليمة الخبازة وصاحب البايسكلجي ومرهون السايس وحمادي العربنجي والشقي ابن الحولة وخيرية (الحكومة الله يحفظها ص39)الخ لكن شخصية حسين ابن زوج سليمة الخبازة هي أكثر شخصيات الرواية نموا" وديناميكية وقدرة علي التفاعل مع الحياة ان كان في مظهرها السلبي، كسرقته لبعض نقود الخبازة، او في مظهرها الايجابي كمحاولة الانتقال الي عالم الرجولة من خلال احتوائه لتماضر وفتح غرفة خاصة لها كما لو كانت زوجته!!
غير ان قمة ايجابيته،او تفاعل شخصيته مع احداث المحلة والبيئة الاجتماعية والانسانية التي نما وترعرع فيها ،هو النمو الطبيعي المنتظر من تلك الشخصية النامية (الايجابية الفعاّّّّلة )التي تسربت اليها روح صاحبه البايسكلجي = رمز الطبقة الواعية الفعالة والناشطة في الحياة الاجتماعية آنذاك = اذ تسربت اليها تلك الروح الايجابية وتشربتها وتمثلتها تمثلاً ثوريا حقيقيا فعّالآ ا قول ان قمة تلك الحركة الايجابية التي صدرت من حسين ،ولو بصورة درامية اقرب منها للمفاجئة ،هي اجتراحه عملية قتل محمود ابن الحولة ،العملية الجريئة التي انتقم حسين بها من ابن الحولة ليس من اجل دم صديقه وناصحه صاحب ابو البايسكلات رمز العقل والطبقة العاملة ومناهضة الاستعمارفي ان معاً فحسب ،بل و من اجل اعادة التوازن الي الحياة: اعادة الحق الي اصحابه = حق الحياة والحرية = واعادة الماضي او ماتعارف عليه المجتمع من نسق واتساق وحميمية في تلك العلاقات الانسانية لمجتمع المحلة الصغير رغم كل التناقضات والاختلافات البسيطة.وبهذا العمل الانتقامي استعاد (حسين) توازنه الداخلي من خلال الوقوف علي قدميه كرجل يحمل قيم الصداقة والحب لصديقه بقدر ماهو تجاوز لحياة الخوف والتردد والحيرة والقلق: انها
حركة احتجاج علي ظلم الانسان لاخيه الانسان كما لو انه يصرخ ليس ضد ظلم( ابن الحوله)
واستهانته بحياة الناس وحسب ، بل صرخة ضد ظلم (تماضر) و( نشمية) وكل خائن غدار
لقد اعاد بهذا العمل الامور الي نصابها ، الي مجاريها الطبيعية ، كما لو انه احيا( صاحب الباسيكلجي) وتمرد علي بيع بيته وسعي لارضاء احباب واصدقاء صاحب بما فيهم امه او امرأة ابيه و( احمد الجايجي) ومرهون السايس وحمادي العربنجي وحتي نخله الدار القميئة البائسة !!
من هذه الاحاسيس تفهمت وتقبلت تعبير الدكتور علي جواد الطاهر رحمة الله حين كتب :
(( وينتهي الكتاب اذ يقتل حسين محمود ابن الحوله.. وتطبق الغلاف الاخير مرتاحاً صافي الذهن، فلقد سارت الامور سيراً طبيعياً.. تطبقه رضي النفس كما تراءي لك المؤلف في هدوئه وصفاء باله.. ان في النخلة والجيران من موحيات الفكر الكثير، وفيها من اسرار الابداع مايظل كامناً في نفس القاريء يدعوه الي الاعجاب وتعاوده منه اطياف كلما ابتعد، ولعله يصطاد من هذه الاطياف ما يدرجه في قائمة الاسرار. ص86من كتاب حديث القصة والمسرحية 1987- دار الشؤون الثقافية/بغداد)).
ومع اهمية قدره الفنان (( غائب)) علي خلق شخصيات كلاسيكية نمطية لكنها نامية وطافحة بالحياة والرغبة في العيش والتطور، ومع اننا سندرس ادب غائب بأعتباره الفنان النموذجي في رسم الشخصيات عندما نتحدث عن الشخصية المحورية في القصة العراقية ظهر الجزء الاول من هذه الدراسة في جريدة الاديب/ الاعداد 126،125 ،127 - حزيران وتموز26 م
مع اهمية وقدرة هذا الفنان علي خلق(( كائنات حسية تعيش بين ظهرانينا )) وستظل تعيش لفترة زمنية طويلة، لكنني غلبّت القضايا الفكرية والايدولوجية والسياسية بأعتبارها تشكل الميزة الايجابية التي بز بها فرمان جيل الرواد ومعاصريه في آن معاً ، لانه ادخل الروح الفنية والبناءات الروائية الحديثة علي تلك الهياكل والقضايا الفكريةوالايديولوجية والسياسية التي وقف عندها السابقون والمعاصرون له بأستثناءالتكرلي في روايته المجيدة ( الرجع البعيد) التي ستكون محور كتابنا عن هذا الفنان المبدع الاصيل الذي نقل القصة العراقية الي الضفة الاخري، ضفة الفن الابداعي الحقيقي : الفن الشجاع الذي لايتهيب من طرح نفسه علي صعيد الوطن العربي كله ويشرئب للانتقال من محلية اصيلة خلاقة الي عالمية مطلوبة عند الاف الشعوب واللغات المختلفة خاصة التي رزحت تحت نير الاستعمار والامبريالية ،او التي تشابهت ظروف تخلفها وتعاستها وقيمها البالية مع ظروف العراق التعيسة بما فيها الفترة التي كتب بها التكرلي رجعه البعيد.
واذ استطاع العمود الثابت في القصة العراقية ان ينجح في خلق شخصيات محورية نامية لاتنسي او ملتصقة بالذاكرة العراقية الجمعية، فقد نجح ايضاً لجعل المكان- المكان البغدادي بالتحديد، ومناطقه الشعبية الفقيرة بشكل ادق واخص - شخصية اضافية، شخصية قائمة بذاتها لاتقل اهمية عن شخصيات اصواته الخمسة او صوت كريم داود المغترب بطل رواية المخاض.
ان المكان في روايات غائب يتنفس، بل هو جزء حي من حياة الناس حتي وان كانت مجرد
نخلة قميئه او( طولة) او ( سريفة) او مقهي شعبية بائسة رثة او (( زورخانة)) او ازقة ملتوية مثل اخطبوط .

خمسة أصوات

كما اني لااري في سلوك ابطال رواية خمسة اصوات أي مظهر برجوازي سوي رعونة وانانية (حميد) المنحدر اصلاً من ذات البيئة الشعبية التي طغت وسادت في رواية النخلة والجيران حيث سيظل (حميد) حبيساً لفقره وسكره وسوء تصرفه حتي النفس الاخير او الفصل النهائي من رواية خمسة اصوات التي هي امتداد طبيعي للنخلة والجيران رغم تغير اللغة واللهجة والهموم وحتي حداثة الفترة التاريخية التي تتناولها - بالقياس الي النخلة والجيران - ..انهم احفاد النخلة والجيران في زمن اخر وبلغة جديدة لان منهم الصحفيان والشاعر والموظفان ليس الا
ولعل هذه الملاحظة النقدية تنطبق ايضا" علي رواية (المخاض) بشكل واضح ومحدد وكما في النخلة والجيران ومجمل اعمال فرمان - احتل المكان الشعبي , والزمن التاريخي الواقعي , المساحة الواسعة في رواية المخاض دون ان تصبح في خانة او تنميطات القصص والروايات التسجيلية او التاريخية الخالصة / الصرفة ذات النظرة الاحادية او الشيئية التي تجعل من خصوصية المكان بمثابة البطل او العنصر المهيمن في الرواية ولا أظن ان قصة واقعية اجتماعية نقدية تستطيع ان تستغني عن هذين العنصرين بالغي الاهمية والحساسية في حبكة ومكونات القصة مهما طالت او قصرت صفحاتها
وفي اغلب ظني ان هذا التعامل الفني الذكي الحساس المبدع هو الذي جعل من رواية المخاض قصة جيدة وجميلة ومفيدة وباقية في حين نسيت العديد من القصص التاريخية او التي استلهمت التاريخ واستنجدت باحداثه او دخل الزمن كعنصر اساس في بنائها وكذلك العديد من القصص الاجتماعية التي اتخذت من شوارع وازقة بغداد , والمدن والمحافظات وحتي الانهار والاهوار مرتعاً لها او مساحات مكانية تتحرك علي سطوحها فليس العبرة بالمكان ولا بالزمان بحد ذاتهما , بل بطريقة التعامل معهما
وقد برهن غائب طعمة فرمان انه قد نجح نجاحاً كبيراً في تعامله مع العناصر والمكونات الاساسية للرواية الحديثة بما فيها عنصري الزمان والمكان او انه قد فتح للقصة العراقية افاقاً جديدة ربما لم تكن تعرفها في القص القديم افاقاً اوسع وارحب واكثر حميمية وانسانية من غيرها رغم اعتزازنا الكلي بمجمل ذلك التراث القصصي الذي شكل المرآة الجميلة الرائعة التي عكست صورة الحياة العراقية القديمة بنبلها وروعتها وانسانيتها وكذا التنور هو جزء لايتجزا من سليمة حتي وان حلمت يوما في ان تستريح من عبئه وتنتقل بنقودها الي ((ذاك الصؤاب)) حيث الافــــــــران الحديثة التي جلبهــــــــــا المحتلــــــون الانكليز معهم لخدمتهم وتغذيتهم - بل
ان المقاهي والبارات (المايخانات) وبيوت الدعارة ومقر جريدة الناس الخ كلها اماكن تشكل الجزء الاعظم من كيانات وحيوات ابطاله في خمسة اصوات وغيرها من الروايات وما مقهي (دبش) في رواية القربان الا المعادل الموضوعي لاكثر من حياة ,بحيث لايستطيع (ياسر) ان يتصور حياته بعيدا" عن هذه المقهي كما لو كان ((قوري شاي )) او تخت من تخوتها العتيقة رغم كل نشاطه وفعاليته الايجابية لتطوير هذه المقهي او لخدمة صاحبها (دبش) ومن بعده وريثته المظلومة ؟إ
وبالطبع فان (غائب) اسمي وارقي من ان يجعل المكان هدفا بذاته - وان كان يتلذذ برسم هذه الامكنة واعطاءها الالوان التي يريد كديكور يقبع خلف الحياة الانسانية /الاجتماعية وخلف عنصر الزمن : باعتبارهما التاريخ حاضراولذلك لم يفصل غائب طعمة فرمان المكان عن المجتمع والروح الانسانية كما فعلت الرواية المضادة في فرنسا خاصة او التجريبات اللاروائية - وسميت بالجديدة احيانا" - التي تجعل من المكان والشيئيات غاية بذاتها كما فعل (كلود سيمون) في الريح حين جعلها بطلة لرواية اصدرها بهذا الاسم (الريح - روايات الهلال - العدد445 ترجمة زينب عبد العزيز)
كلا ان غائبا" يجعل من الامكنة في اغلب الاحيان ذات دلالات تعبيرية واجتماعية ورمزية - بل ونفسية ايضا" - خاصة حين يريد ان يعبر عن انحدارات شخصياته الطبقية وحالاتهم النفسية السلبية والايجابية علي حد سواء كما لو ان الجو والمناخ والمكان يتلون بتلون تلك الاحاسيس اذ يظل الانسان في قصصه هوالاساس :هو الجوهر , هو المهم مع ان اغلب اناسه من البسطاء والشعبيين الي درجة الامية والسذاجة والفقر المدقع وان كان قد لون رواياته بالجانب الاخر - الجانب المعاكس والمناقض لصورة أدبه العامة - وتحدث عن شخصيات اخري بعضها ذات انحدار برجوازي رث ,او اهتمامات ذاتية خالصة كما ظهر في اعماله الاخيرة
وبشكل عام فان الحضور المكاني للحي الشعبي هو السائد في اعمال غائب طعمة فرمان ,بينما لم يكن كذلك بالنسبة للحي الراقي بل كان دور الحي الراقي هامشيا" كما اشار دعلي ابراهيم في ص 18 من كتابه المعنون (الزمان والمكان في روايات غائب طعمة فرمان /مطبعة الاهالي في دمشق 22م )
وهذا لايعني بالطبع الفصل بين الشخصيات والمكان كما ظن الاستاذ الناقد ياسين النصير في كتابه عن الرواية والمكان - الموسوعة الصغيرة رقم 57/بغداد 198 - حين اعتبر شخصيات خمسة اصوات اقرب الي الشخصيات البرجوازية او التي (تعطيك انطباعا عن عزلة نفسية متشربة بحس ثقافي وذاتي وموقف وطني كما تعكس خلفية اجتماعية لحب الامتلاك ,والميل نحو النزعة الاستهلاكية في السكن وفي العمل ص 12 ) ومع اننا سنناقش هذا الرأي او الموضوع في دراسة تطبيقية موسعة وتحليل كامل لرواية ( خمسة اصوات ) لكننا ينبغي ان ننبه الان ان المكان والشخصيات في مجمل اعمال غائب طعمة فرمان تشكل كلا" واحدا" يتفهمه دارس الماركسية اللينينية والمنهج المادي العلمي في النظر الي الامور وخاصة وحدة المجتمع رغم مظاهر الصراع فيه كما اني لااري في سلوك ابطال رواية خمسة اصوات أي مظهر برجوازي سوي رعونة وانانية (حميد) المنحدر اصلا" من ذات البيئة الشعبية التي طغت وسادت في رواية النخلة والجيران حيث سيظل (حميد) حبيسا" لفقره وسكره وسوء تصرفه حتي النفس الاخير او الفصل النهائي من رواية خمسة اصوات التي هي امتداد طبيعي للنخلة والجيران رغم تغير اللغة واللهجة والهموم وحتي حداثة الفترة التاريخية التي تتناولها - بالقياس الي النخلة والجيران - انهم احفاد النخلة والجيران في زمن اخر وبلغة جديدة لان منهم الصحفيان والشاعر والموظفان ليس الا
ولعل هذه الملاحظة النقدية تنطبق ايضا" علي رواية (المخاض) بشكل واضح ومحدد
وكما في النخلة والجيران ومجمل اعمال فرمان - احتل المكان الشعبي , والزمن التاريخي الواقعي , المساحة الواسعة في رواية المخاض دون ان تصبح في خانة او تنميطات القصص والروايات التسجيلية او التاريخية الخالصة / الصرفة ذات النظرة الاحادية او الشيئية التي تجعل من خصوصية المكان بمثابة البطل او العنصر المهيمن في الرواية ولا أظن ان قصة واقعية اجتماعية نقدية تستطيع ان تستغني عن هذين العنصرين بالغي الاهمية والحساسية في حبكة ومكونات القصة مهما طالت او قصرت صفحاتها
وفي اغلب ضني ان هذا التعامل الفني الذكي الحساس المبدع هو الذي جعل من رواية المخاض قصة جيدة وجميلة ومفيدة وباقية في حين نسيت العديد من القصص التاريخية (او التي استلهمت التاريخ واستنجدت باحداثه او دخل الزمن كعنصر اساس في بنائها) وكذلك العديد من القصص الاجتماعية التي اتخذت من شوارع وازقة بغداد , والمدن والمحافظات وحتي الانهار والاهوار مرتعا" لها او مساحات مكانية تتحرك علي سطوحها فليس العبرة بالمكان ولا بالزمان بحد ذاتهما , بل بطريقة التعامل معهما وقد برهن غائب طعمة فرمان انه قد نجح نجاحا" كبيرا" في تعامله مع العناصر والمكونات الاساسية للرواية الحديثة بما فيها عنصري الزمان والمكان او انه قد فتح للقصة العراقية افاقا" جديدة ربما لم تكن تعرفها في القص القديم افاقا" اوسع وارحب واكثر حميمية وانسانية من غيرها رغم اعتزازنا الكلي بمجمل ذلك التراث القصصي الذي شكل المرآة الجميلة الرائعة التي عكست صورة الحياة العراقية القديمة بنبلها وروعتها وانسانيتها

مع تحيات ابو فرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
قص واقعي وشخوص تلتصق بالذاكرة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البيت الآرامي العراقي :: الثقافية , الادبية , التاريخية , الحضارية , والتراثية Cultural, literary, historical, cultural, & heritage :: منتدى النقد والدراسات والاصدارات Monetary Studies Forum& versions-
انتقل الى: