البيت الآرامي العراقي




البيت الآرامي العراقي

سياسي ِ ثقافي ِ أجتماعي


 
الرئيسيةالرئيسيةبحـثالتسجيلarakeyboardsyrkeyboardدخول

شاطر | 
 

  دماغ آنشتاين ودماغ المتعصب فالح عبد الجبار

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
البيت الارامي العراقي
الادارة
الادارة



الدولة : المانيا
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 9466
تاريخ التسجيل : 07/10/2009
التوقيت :

مُساهمةموضوع: دماغ آنشتاين ودماغ المتعصب فالح عبد الجبار   الثلاثاء فبراير 08, 2011 1:27 am


دماغ آنشتاين ودماغ المتعصب فالح عبد الجبار


06/02/2011




[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]صادف مرة ان رأيت بوسترا بسيطا عن التعصب الديني يحوي احد عشر مربعا، كل المربعات تحمل صورة للدماغ البشري، مأخوذة على الأرجح من كتب التشريح الفسلجي. وكل الأدمغة بحجم واحد، تحمل اسم: دماغ انشتاين، دماغ المسيحي، دماغ المسلم، الخ
. ثمة دماغ واحد في الوسط، بحجم صغير، صغير، كتب عليه: دماغ المتعصب.

تذكرت هذا البوستر اثناء جولة في الاحياء المسيحية ببغداد. الجدل العراقي يشبه حال هذا البوستر، مع فارق حسابي: في البوستر المتعصب واحد مقابل عشرة، في الواقع العراقي، الحال معكوس.

رغم ان التوتر المذهبي نضا عنه الطابع المسلح، دون ان يتجرد عن جلده السياسي، فان التوتر الديني الاسلامي- المسيحي في اشتداد.

والمخاطر داهمة وكبيرة: سيارات مفخخة قرب الكنائس، انتحاريون وسط قداس، كواتم صوت ضد مدنيين فرادى، ومظروف بريدي يحمل رصاصة (يودع عادة عند باب الدار)، وخطف رهائن بفدية او بدونها.

يعيد هذا الحال انتاج "جمهورية الخوف" التي تحدث عنها كنعان مكية، مع فارق ان الخوف السياسي المعمم في الماضي، كان يضع النشطاء واصحاب الرأي في خانة التسديد، اما اليوم فانه يشمل جماعة كاملة محددة بدين او مذهب، سيان ان كانت برأي معارض او بدونه. في جمهورية الخوف القديمة او الجديدة، ثمة مساواة من نوع غريب، المرشح بدخوله موسوم بالذبح في عالم الاضاحي الغريب النهم هذا.

ويتلمس المراقب أول أعراض "جمهورية الخوف" في الصمت المطبق الذي يكاد يسود مسيحيي بغداد، رجال دين، ورجال دنيا، عدا عن قلة سياسية ناشطة، تجازف بكل متاع الارض.

ثمة تأليب منفلت، بلا رادع قانوني او مؤسسي، معلن على جهة، وخفي على جهة اخرى، صارخ هنا، وملتو وموارب هناك. المواقع الالكترونية لـ "دولة العراق الاسلامية" تلهج بالتأليب على الاديان والمذاهب الأخرى. فالعصبوي هنا يرى انه الفرقة الناجية الوحيدة. وبدل انتظار واختبار حقيقة النجاة في الآخرة، فانه يتولى في هذه الدنيا انزال الهلاك بالفرق الأخرى، بتواضع المؤمن الذي يسند الى نفسه بنفسه مهمة الخالق، بتفويض ذاتي. ثمة جوامع لا تقل عن المواقع الالكترونية حماسة في بث البغض الديني، والحث على الاقصاء المشجع للإبادة، بدعوى مماهاة المسيحي مع الصليبي، على قاعدة الغاء المواطنة للاول بدالة التماثل الديني مع الثاني. هذا الاحلال والابدال، يخرق معيارين: الاول دستوري، لان الدستور ينص على ان العراقيين سواسية، والثاني فقهي لان الجوامع تعد وقفاً لعامة المسلمين، لا ملكية خاصة للواعظ او امام الجامع. اخر سورات التعصب انطلقت ضد الاحتفال برأس السنة في احدى المدن، وصب الخطيب جام غضبه على مناسبة غدت عالمية تشترك فيها شعوب العالم، بمسيحيين او بدونهم. لسنا في معرض تحليل محفزات هذا الغيظ الاصولي من رأس السنة، بل في معرض الاشارة اليه فحسب.

الاحقاد ضد المسيحية التي تحولت الى صناعة متشعبة، لا تقتصر على احياء مفهوم "اهل الذمة" الذي عفا عليه الزمن، منذ نشوء دولة المواطن الحديثة. كثرة من رجال الدين المسلمين تلهج بمساواة المواطن، ومساواة العراقيين، لكن قلة تمتنع عن تدريس وترويج مبدأ "اهل الذمة" الذي ينزل بغير المسلم الى مرتبة مواطن درجة ثانية (او ثالثة!).

وتتسرب في مسامات التباغض الديني مطامع دنيوية. ثمة طمع باراضي المسيحيين في سهول كردستان ونينوى، وكركوك. وثمة تنافس على الاعمال التجارية (البزنس) للمسيحيين في البصرة وبغداد. فما ان يغلق محل تجاري لمسيحي او يسد محل خمور ابوابه، حتى يحل بعض الوصوليين المسلمين محله. ويروج ايضا ان بعض سماسرة العقارات يشجعون تضخيم المخاطر ويسهمون في بعض التهديدات المبطنة بأمل شراء عقارات الضحايا بأسعار بخسة.

ثمة جوقة واسعة تشترك في هذه الصناعة، القاعدة الاصولية، والميليشيات الفالتة، الى جانب المافيات النهازة لمثل هذه الفرص بالثراء، فضلا عن عصابات محلية احيانا. وان صادف (احيانا) ان تكون بعض القوى الدينية متساهلة، ولطيفة، فانها تكتفي بالحرمان من فرض عمل، او الضغط على الاناث بذريعة "الاحتشام"، وهي المعادل لفرض الحجاب قسرا.

مآلات هذا كله، الهجرة. النزيف اضعف الوجود المسيحي بدرجة مرعبة. الاحياء المسيحية في بغداد (مجيد زيونه، كمب سارة خاتون، كمب الارمن، الدورة)، شهدت نضوبا متصلا. حسب الاحصائيات السكانية السرية التي اجريت في عهد البعث، يشكل المسيحيون نحو 3.2 % من السكان، و7 % من سكان بغداد. لا احد يعلم على وجه اليقين الوزن الديمغرافي الحالي للمسيحيين في العراق. ولما كان الدستور يمحض حق الاقتراع للجميع، في الوطن كما في المهجر، فان نسبة الهجرة لن تؤثر على الوزن الانتخابي للجماعة المسيحية، او على تمثيلها في البرلمان. الافتراض ان تكون نسبة التمثيل بحدود 12 مقعدا، لكن قانون الانتخابات الاخير اختزل الرقم الى 5 مقاعد، وهو تمثيل بائس حقا يقتضي اعادة نظر. كيف يسع 3.2 % من السكان ان يشكلوا خطرا على 96.8 % منهم. يحتاج المرء الى قدر هائل من العبط لكي يحمل هذا الخطر على محمل الجد.

الكنائس في بغداد اشبه بثكنات، فهي محاطة بجدران اسمنت عازلة، ومداخلها مغلقة بعوارض واسلاك شائكة. كنيسة سيدة النجاة في الكرادة، اكبر ضحايا الاحزمة الناسفة، تكاد ان تكون موقعا عسكريا حصينا. اما كنيسة السيدة العذراء (كنيسة الارمن) في الميدان، فمحصنة بعوائق. نقطة تفتيش عسكرية ثم مدخل ترابي ضيق، ثم باب حديدي موصد. الشماس المناوب، يفتح الباب مواربا، ويتصل هاتفيا بالمطرانية قبل ان يأذن لنا بالدخول. ثمة ضابط من الجيش العراقي برتبة ملازم، وثلة جنود، تقيم داخل الحرم الكنسي لحمايته. الكنيسة المشادة منذ العشرينيات، مكرسة لعيد العذراء، قداس يقام مرة واحدة في السنة. يأم هذا المقام المسيحيون والمسلمون، طلباً لـ "المراد"، وهو التعبير العراقي الدارج عن النذور التي تقدم للاولياء، والقديسين طلبا لعون دنيوي، من الشفاء الى الانجاب، ومن درء الحسد، الى الفلاح في الدنيا.

مثل هذه المشتركات بين المسلمين والمسيحيين شائعة في العراق منذ اقدم الازمنة. فالعاقر السنية تلجأ الى ولي شيعي طلبا للذرية، والعاقر الشيعية تلجأ الى ولي سني للغاية ذاتها. وفي حال فشلت الجهود في نيل المراد من الاهل، تحولت الابتهالات الى اولياء وقديسين من الاديان الاخرى. فالمهم هو التوسط والاستجابة.

لكن هذه الثقافة الشعبية، القديمة، قلما تشق طريقها اليوم الى الزعماء والقادة، دينيين ودنيويين، حيث الانشغال الاكبر ينصب على تعميق الحدود الفاصلة، للم شعت الجماعة المذهبية او الدينية. لكننا نعرف ان الحد الجامع، هو حد اقصاء ايضا.

ومن شأن هذه المحنة ان تتواصل في ظل دستور لا يحظر التأليب على الاديان والمذاهب ولا يجعل منه جريمة جنائية، وفي ظل نظام تعليم ديني مترع باخلاق "الفرقة الناجية"، وفي ظل دولة ما تزال ضعيفة مؤسساتيا، وفي ظل نزعات اسلمة لا هم لها سوى فرض مقاييس موحدة، قسرية، في المأكل والملبس والمشرب، لكأن مشكلة العالم العربي والاسلامي هي دخول البيت بالقدم اليمنى لا اليسرى، وستر شعور الاناث، واطالة اللحى.

بوسع المرء ان يطيل قائمة البؤس الاصولي، الفارغ من اية رؤية لمستقبل مجتمعات لا يمكن ان تعيش بدون انتاج وعلم ومعرفة. ولعل ريوع النفط تساعد على ديمومة هذا البؤس.


* سوسيولوجي عراقي مقيم في بيروت
باب نيوز

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
دماغ آنشتاين ودماغ المتعصب فالح عبد الجبار
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البيت الآرامي العراقي :: الاخبار العامة والسياسية General and political news :: منتدى المنبر السياسي والحوار الهادئ والنقاش الجاد الحر Political platform & forum for dialogue & discussion-
انتقل الى: