البيت الآرامي العراقي




البيت الآرامي العراقي

سياسي ِ ثقافي ِ أجتماعي


 
الرئيسيةالرئيسيةبحـثالتسجيلarakeyboardsyrkeyboardدخول

شاطر | 
 

 تاريخ المسيحية في الشرق

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
jihan aljazrawi
عضو فعال جداً
عضو فعال جداً



الدولة : هولندا
الجنس : انثى
عدد المساهمات : 8398
تاريخ التسجيل : 25/12/2009
الابراج : الثور
التوقيت :

مُساهمةموضوع: تاريخ المسيحية في الشرق   الثلاثاء 05 أبريل 2011, 12:48 am






المقالة طويلة شوي .....
بس مهمة

تحياتي


كرسي أبرشية ماردين
من أهم المراكز السريانية كرسي ماردين المدينة الواقعة على الحدود الشرقية من تركيا. تشرف على المدن والقرى الحدودية شمال سوريا: العامودة والدرباسية ورأس العين.
لم يبق في ماردين من المسيحيين اليوم سوى عائلات تعد على الأصابع اثنتان منها سريان كاثوليك وعدة عائلات أخرى سريان أرثوذكس.
لا يذكر التاريخ أسماء أساقفة لماردين قبل بداية القرن السابع. وأول من يرد ذكره هو دانيال العوزي (615-634) رئيس دير القرتمين وأسقف ماردين ودارا وطور عبدين. ثم يتعاقب أساقفة تارة على ماردين وكفرتوت، وطوراً على ماردين وتل بشمة ورأس العين، وأحياناًعليها جميعاً وأحياناً أخرى على ماردين وحدها. حتى عام 1171 عندما أصبحت ماردين كرسياً مستقلاً على عهد المطران اثناسيوس صليبا، الذي خلفه يوحنا موديانا سنة 1191 (1).
بعد انتقال المطران يوحنا موديانا إلى المذهب الملكي سارع البطريرك ميخائيل الكبير عام 1195 إلى ضم ماردين ودير الزعفران ودير مار دوميات والمناطق المجاورة لها تحت سلطة سلفه ابن أخيه المطران غرغوريوس. ولدى وفاة البطريرك المذكور عام 1207 جُعلت ماردين من صلاحية البطريرك مباشرة. ولما ارتقى المطران يوسف بن وهيب إلى السدة البطريركية عام 1239 قرر هذا أن يكون دير الزعفران مقراً للكرسي البطريركي. ومن بعد وفاته عام 1333 أصبح جميع الأساقفة المتعاقبين على كرسي ماردين نواباً بطريركيين (2).
ولما انتخب المطران ميخائيل جروة في دير الزعفران بطريركاً أنطاكياً على السريان بشقيهم الكاثوليكي(3) والأرثوذكسي في 22 تشرين الثاني من عام 1781، وقبل أن ينال البركة السلطانية من الباب العالي إنقلب المطران متى بن عتلا على هذا الانتخاب وأثار معارضة شديدة ناصره فيها شقيقه المطران عبد الأحد. وانضم إليهما أربعة رهبان آخرين رسمهم على الفور أساقفة. ثم عقد مجمعاً من هؤلاء انتخب هو فيه بطريركاً ونال الفرمان بسرعة، ورفع شكوى إلى الباب العاليضد البطريرك ميخائيل جروة المنتخب جديداً. ولما أصبحت حياة هذا الأخير في خطر اضطر على الهرب من ماردين إلى الموصل فبغداد ومنها إلى دمشق. حتى وصل لبنان وسكن قرية بيت شباب بالمتن الشمالي مدة أربعة أشهر. ومنها انتقل إلى كسروان إلى شرفة درعون حيث اشترى غرفتين عام 1784 الواحدة للنوم والثانية للصلاة نصب فيها أيقونة سيدة النجاة الشهيرة(4).
وفي عام 1786 بنى البطريرك جروة غرفاً جديدة وأصبح المبنى ديراً سماه باسم "دير سيدة النجاة" – الشرفة أو دير الشرفة، واتخذه مركزاً للكرسي البطريركي الأنطاكي على السريان الكاثوليك. أيد البابا بيوس السادس مركز الكرسي هذا في براءة تاريخها 22 أيار 1787 مع اعتبار مدينة ماردين مركزاً للكرسي البطريركي الأنطاكي للسريان الكاثوليك. وقد اتخذ كل من البطريركيين أنطون الأول سمحيري (1852-1864) وفيليبس عركوس (1866-1874) من ماردين مركزاً بطريركياً له. أما البطريرك جرجس شلحت (1874-1891) ومن بعده البطريرك بهنام بني (1893-1897) ثم البطريرك أفرام الأول رحماني (1898-1929) فقد احجموا عن البقاء في ماردين لهذا أو ذاك من الأسباب. ولغيرة الماردينيين على الاحتفاظ بامتياز مدينتهم بمركز الكرسي البطريركي، حاول البطريرك رحماني أكثر من مرة أن يقيم في هذه المدينة، لكن المناخ فيها لم يكن يلائم حالته الصحية. إلا أن الشعب المارديني بقي مصراً على المطالبة بحقوقه فأصبح الموقف حرجاً. فرى البطريرك المذكور بدرايته وفطنته أن يحل المشكلة بإيجاد شخص كفؤ فتوسم في القس عبد الأحد تبوني الصفات المؤهلة لهذه المهمة الدقيقة، فأقامه مطراناً نائباً بطريركياً على كرسي ماردين باسم تيؤفيلس جبرائيل. وقد أثبتت الحوادث فعلاً صدق حدسه واختياره إذ أعاد المطران الجديد، بإدارته الواعية، الأمور إلى نصابها وهدأت الاضطرابات فأحبه الشعب وتعلقوا به وأطاعوه. وهكذا عادت ماردين من جديد فأصبحت نيابة بطريركية كما كانت منذ عام 1333 فما بعد.
وبسبب مذابح عام 1915 ونقل المطران جبرائيل تبوني إلى كرسي حلب عام 1919 وعدم استطاعة المطران بهنام قليان عام 1922 الوصول إلى كرسي النيابة البطريركية في ماردين، ألغي الكرسي الأسقفي في هذه المدينة. وكان كرسي الجزيرة (جزيرة ابن عمر) قد ألغي هو الآخر على أثر المذابح المذكورة واستشهاد مطرانه فلابيوس ميخائيل ملكي عام 1915. وقد أدت تلك الويلات والمذابح إلى نزوح السريان كغيرهم من مسيحيي ماردين ودياربكر وجوارهما وبشكل كثيف إلى القامشلي والحسكة وقراهما المتناثرة في المنطقة الحدودية بين سوريا وتركيا. وهذا ما استوجب استحداث مطرانية في الحسكة عام 1933 بصفة نيابة بطريركية ثم أسقفية مركزية عام 1957 فرئاسة أسقفية عام 1965. أما ماردين فبقيت والحالة هذه منذ عام 1921 نيابة بطريركية يسوس شؤونها خوارنة هم:
1- الخوري لويس منصوراتي من 1919 إلى 1922
2- الخوري اغناطيوس باهو من 1922 إلى 1931
3- الخوري يوسف عبود من 1932 إلى 1953
4- الخوري جبرائيل كليجا من 1953 إلى 1967
5- الخوري يوسف صاغ من 1984 حتى تاريخه
ويجدر بالذكر أن الخوري يوسف صاغ كان قد ترك ماردين إلى استانبول عام 1974 لخدمة العائلات السريانية الكتجمعة في استانبول بعد مغادرتها ماردين وقراها ولم يبق فيها حينذاك إلا عشر عائلات. ولم يعد اليوم في ماردين أكثر من عائلتين أو ثلاث من السريان الكاثوليك.
أما تسلسل أساقفة كرسي ماردين كما ورد في كتاب "السلاسل التاريخية" للكونت فيليب دي طرازي فهو كالآتي:
1- يوحنا موديانا (الرهاوي) 1167-1193(5)
2- يوحنا ابن المعدني 1230-1263
3- عبدالله اسطيفان (بطريرك) 1552-1557
4- أثناسيوس نعمة الله أصفر (بطريرك) 1557-1576
5- أثناسيوس بطرس أصفر 1577-1591
6- طيمثاوس كرنوك(6)
7- أثناسيوس سفر العطار 1685-1728
8- أثناسيوس ميخائيل 1762 - ؟(7)
9- باسيليوس جرجس عبد الكريم 1768-1781(8)
10- بهنام (ابن توما) 1808-1817 (انتخب بطريركاً عام 1817)
11- يوليوس أنطون سمحيري 1826-1846 (انتخب بطريركاً عام 1853)
12- إيونيس إيليا عتمة 1854-1889(9)
13- يعقوب متي أحمر دقنه 1879-1908
14- إقليميس يوحنا معمارباشي 1908-1912
15- تئوفيلس جبرائيل تبوني 1913-1921
تئوفيلس جبرائيل تبوني
نائباً عاماً على أبرشية ماردين البطريركية
من 1913 إلى 1918
ديونوسيوس جبرائيل تبوني رئيس أساقفة حلب
من 1919 إلى 1929




أغناطيوس جبرائيل الأول تبوني
بطريركاً انطاكياً على السريان 1929-1968
"الحب والسلام"
يتحدر هذا الحبر الجليل من أسرة تبوني السريانية الموصلية العريقة في القدم. وكنيتها "تبوني" مقتبسة من تصغير تافو " " السريانية وتعني "جدول ماء" إذ كان ذلك الجدول يجري في دارهم في سالف الأيام أو هكذا قيل(10)
هو جبرائيل – لاون بن داود بن بطرس بن فرج الله بن جبرائيل بن عبد الأحد تبوني وأمه أمينة بنت سليمان زبوني العائلة التي ينتمي إليها العلامة مار اقليميس يوسف زبوني مطران دمشق (1878-1890). وكان انضمام آل تبوني إلى الكنيسة الكاثوليكية في أواسط القرن الثامن عشر على يد القاصد الرسولي المطران عمانوئيل بايه الكرملي. واشتهر منهم عبد الأحد (بحو) تبوني وفرج الله تبوني.
أبصر النور في الموصل في 3 تشرين الثاني 1879 وتلقى دروسه الابتدائية في مدرسة الطاهرة للسريان الكاثوليك بالموصل. دخل عام 1893 اكليركية مار يوحنا الحبيب للآباء الدومنيكيين(11) بمسقط رأسه. جد في تحصيل الفضائل والعلوم الكهنوتية حتى أصبح مثالاً لأقرانه. سيم كاهناً في 9 تشرين الثاني 1903 بوضع يد المطران غريغوريوس بطرس هبرا متّخذاً اسم جده الأعلى عبد الأحد. تولى التعليم في الاكليريكية المشار إليها مدة ست سنوات. وكان في الوقت نفسه مديراً لمدرسة الطاهرة المذكورة يساعده في إدارتها القس (المطران) يوحنا حبي ساعده الأيمن في هذا الميدان.
حدا به ميله للزهد والتجرد إلى إنعاش الروح الرهبانية في دير مار بهنام الشهيد، غير أن الله كان قد هيأه لمقاصد أخرى، فاتخذه القاصد الرسولي في ما بين النهرين، المطران يوحنا درور، كاتباً لأسراره عام 1908. وفي خريف عام 1911 استصحبه القاصد الرسولي المذكور إلى ماردين حيث بذل القس عبد الأحد الجهود في التأليف بين القلوب المتنافرة. فأجمع الماردينيون على محبته واحترامه. وفي 13 آذار 1913 أجمعت آراء أحبار الطائفة على انتخابه اسقفاً على بطنان وسوج شرفا ونائباً عاماً على أبرشية ماردين البطريركية. فاستدعاه البطريرك أفرام رحماني إلى بيروت حيث رقاه وزميله فلابيانوس ميخائيل ملكي(12) في 19 كانون الثاني من تلك السنة متخذاً اسم جبرائيل والأسم الأبوي مار تئوفيلس. فشرع يعمل في إصلاح وتعزيز وتجديد شؤون الأبرشية. ولكن سرعان ما أصبح الموقف حرجاً ومواصلة العمل صعبة، إذ شبت في الثالث من آب عام 1914 نار الحرب الكونية الأولى وزجت الدولة العثمانية بنفسها مع من دخلوا ميدان تلك الحرب. وبفضل المجال المفتوح للتجسس والوشاية والتهم والانتقام والفوضى، دخل الهلع إلى قلوب المسيحيين، فهوجموا في منازلهم وكنائسهم وسيقوا إلى التعذيب والقتل. وقد ذكر الخوراسقف اسق أرملة تلك الويلات مفصلة في كتاب دونه أولاً بالحرف السرياني (الكرشوني) خشية أن يقع بيد أحد المسؤولين في الدولة العثمانية وسماه: "القصارى في نكبات النصارى". كان المطران جبرائيل في خضم تلك الأهوال ينهض نهضة الأبطال في معالجة أمور أبنائه وفي الدفاع عنهم. وشهد استياق الآلاف من المسيحيين، بينهم كهنة وأساقفة من مختلف قرى وبلدات جزيرة ابن عمر. ولم ييأس أمام هذه الأهوال بل هب يعمل بلا كلل فأنشأ مستشفى ومأوى للغرباء والمعوزين الأرمن وأنقذ عدداً صالحاً من الفتيان والفتيات الأرمن وأعالهم زمناً ليس بيسير. وكان أعداء الإنسانية يستنبطون الحيل للإيقاع بالمطران جبرائيل حتى شعر أنه صائر إلى ما صار إليه المطران مالويان(13). فكتب إلى الخوري أفرام أحمر دقنه رئيس دير مار أفرام بماردين رسالة تاريخها 11 حزيران 1915 يعلن فيها تأهبه لاقتحام الموت ويسدي نصائحه الأبوية لأبناء أبرشيته العزيزة المضطهدة. أصبح المسيحيون في ماردين وقراها عام 1918 بين أحياء وأموات يتوقعون انقلاع جرثومة الآفات. ولكن نكبة المطران جبرائيل تبوني كانت محفوظة لتلك السنة عندما ألصقوا به تهمة محبوكة الخيوط حبكاً كان عقابها الطبيعي الإعدام. هذه الحادثة المروعة جاءت في مخطوطة للأب بونفنتورا رباط الحلبي الذي كان معاصراً للمطران تبوني(14) هذا نصّها: "ركب القطار من حلب إلى ماردين سعيد معمارباشي السرياني وبطرس ابن أخيه. وكان بطرس فتى لم يبلغ الإثنتي عشرة سنة عندما رحلته الحكومة التركية إلى حلب في 5 تموز 1915 مع والدته بنت عبد المسيح جنانجي وإخوته الصغار. ولما وصل بطرس وعمه إلى الدرباسية، في طريق عودته إلى ماردين، تعرض لهما رجل مهاجر لئيم، فانتزع من الفتى محفظة دراهمه ودفتره وقلّبه فإذا في إحدى صفحاته قد نسخ الفتى بخط يده نتفاً من الأخبار مما له علاقة بالحرب والصلح التقطها في حلب من ذويه وأصحابه ومن الأب سيمون ياسنت الدومنيكي المنزوي في دار الخواجات مركوبلي وافتكر أن يبلغها السيد جبرائيل تبوني مطرانه فكتب اسمه في رأس الورقة.
ولما قرأها ذلك المهاجر الخبيث دفعها إلى مأمور السة فأخذها إلى جماعة من الموظفين كانوا متجهين، في فيلق يدعى الفيلق الإسلامي، إلى بلاد الفرس يرأسهم نوري باشا شقيق أنور باشا وتوفيق بك اركانَي حرب ومدير القسم السياسي وصادق بك مدير التحريرات وتحسين معاون القومسير وعلي القوقاسي وثروة وهداية وأحمد وحمد ... وكان فيهم جواسيس يترقبون الأخبار. ولما وقفوا على مضمون تلك الورقة شادوا عليها قصوراً وصروحاً وعلقوا عليها آمالاً فسيحة. فقبضوا على الفتى وعلى عمه وعلى أربعة من المسلمين الأغنياء وذهبوا بهم إلى تل هليف وبلّغوا المسألة للقومندان فحولها إلى توفيق بك المذكور وساروا إلى الموصل في القطار.
ولما دري توفيق بما عند سعيد من الأصفر والأبيض طمع وحاول أن يأكل الغنيمة لكنّه تخّوف فأحجم وأجّل الأكلة. واستدعى سعيد وبطرس وضربهما وطلب كشف المحجوبات والمضمرات. غير أن شركاء سعيد في الدراهم ناضلوا عنه ودفعوا مبلغاً وافراً لتوفيق واستخلصوا باقي الفضة وانقلبوا إلى بيوتهم. فبقي بطرس وعمه في تل هليف يستدعيهما توفيق كل صباح ومساء ويضربهما ليقرا بما يريد لا بالحقيقة. ولما ظعن الفيلق إلى نواحي الموصل في 25 نيسان سنة 1918 وصفا الجو لتوفيق استدعاهما وروّعهما وضربهما بشدة حتى انتفخت رجلاهما ويداهما وجرت الدماء منهما وكان يقول للفتى "أراك متضلعاً في السياسة خبيراً بالأمور فاذهب وافتكر ملياً ثم عد واطلعني عمن اسكتبك الورقة وإلى من قال لك أن تبلّغها فإذا أظهرت لي ذلك كافأتك أعظم مكافأة وإلا فقتلتك شر قتلة". ولما كلّ توفيق وملّ من معالجة المسألة بالتهديد والتوريط والتمليق والوعيد راح مع أعوانه إلى مناوأة السيد جبرائيل تبوني إذ كان ذلك العهد مشمولاً بالتعطفات والأنظار السامية وعزم على هلاكه. فاختلى ببطرس ودفع له عشرين ليرة ورقاً وقال له: "إني تعديت عليك بعد ما وقفت على براءتك وهءنذا مرحلك إلى بيتك غير أني أرغب أن تفعل ما أقول لك". ثم دفع إليه ورقة بيضاء وقال له "اكتب ما القنك". وبعد هذا جعل توفيق يملي وبطرس يكتب ويده مرتجفة وقلبه يخفق: "إلى المطران جبرائيل. بشرى. الصلح يتم بعد شهرين. قيصر المانيا رأسه مشدوخ ورجله مجروحة. ولي عهده مقتول... ابنه الثاني مجروح... غوغاء في برلين... وفرنسا منتصرة... بلغ القس يوسف تفنكجي الكلداني أن حلب اسعارها غالية إلخ إلخ..."
وبعد أن استنسخه الورقة الشيطانية كلفه أن يعرضها على سعيد عمه ويشاوره ويرد إليه الجواب فسار بطرس إلى خيمة عمه فسبقه إليها توفيق المكار ليتنصت ولكنه تعذر عليه أن يصيب منهما الغاية. فاستدعى إليه بطرس وتكراراً قال له "خذ الورقة إلى جبرائيل مطرانك واطلب منه الجواب عاجلاً وهلمّ به واحذر أن تفضح المؤامرة وإلا أهلكتك وأهلكت أهلك وجميع من ينتمي إلى عشيرتك". فأخذ الورقة والهدية وركب القطار إلى ماردين فوصل نصف الليل إلى المحطة وألفى عبد القادر نازو فأوفد معه نفراً أوصله بسرعة إلى البلد فسار توّاً إلى دار "سعيد سيدي" وأفاده عن المسألة ولما أصبح قصد دار منصور جبوري وعرض عليه الورقة واستشاره فقال له "لست اتشبث بمسألة كهذه أبداً. فعاد الفتى إلى دار سعيد سيدي فقصدا مقام البطريركية السريانية وسار معهما حنا جرجور ودفع بطرس تلك الورقة إلى المطران جبرائيل وصرح له بخباثة توفيق وكيده وكشف له ما أسرّ إليه. فتنبه المطران للمكيدة وزجر بطرس وانتهره واخرجه من غرفته وردّ إليه الورقة وقال له "أعدها لمن أعطاكها". فقصد بطرس بيت عمه وما لبث إلا القليل حتى بغته صالح البوليس واستعجله على المضي معه إلى مقام البوليس فاختلى به القوميسير واستوضحه عما فعل وعما دار بينه وبين المطران من الحديث فأفاده أن المطران انتهره وأخرجه ساخطاً. فشدّد عليه القوميسير وكلفه أن يطلب الجواب من المطران فلم يصغ له بطرس فضربه وأمر بحبسه وجعل يستنطقه كل يوم مرتين. وحضر مخلص بك مدير التحريرات واستجوبه فلم يتبت عليه حجة. ثم هجم محمد كبوشو وأخذ يضربه ويلطمه ويقول له "لن أعدل عن ضربك ما لم تدفع العشرين ليرة التي أعطاكها توفيق بك" فدفعها وظل محبوساً.

وصباح الأول من أيار وافى إلى مقام البوليس المستنطق ومدعي العموم وجماعة من الموظفين واستدعوا بطرس وتهددوه بالموت بالذبح واضطروه أن يقصد المطران ويطالبه بالجواب فتمنع وقال "قتلي خير من ذهابي" فاستاقوه إلى دار الحكومة وأوفدوا شرذمة من الجند قبضوا على الحبر البريء ومضوا به إلى مقام البوليس فدائرة الاستنطاق واستجوبوه واستجوبوا بطرس بحضوره فلم يثبتوا عليهما كليهما حجة. فسرحوا الفتى والزموا الحبر الجليل أن يبيت ليلته تلك في إحدى غرف المأمورين فتخلى له صديقه عبد الصمد (...) براس الجندرمة عن غرفته عربوناً لاخلاصه ومحبته وراح يعالج المصلحة لدى مدعي العموم لعله يطلقه. غير أن المدعي اللئيم أصر على رأيه وكتب الأوراق وسيرها إلى المجلس العرفي بديار بكر عش المفاسد. وأدخل في التهمة القس يوسف تفنكجي الكلداني وسعيد سيدي وعبد المسيح سفر ومنصور جبوري وكنعو وجيه طائفة السريان القديم وأمر بحبسهم ثلاثة أيام. أما مدير التحريرات وعبد الصمد وغيرهما من الأصدقاء فإنهم أفرغوا جلّ المساعي حتى أطلقوهم جميعاً تحت الكفالة ريثما ترجع الأوراق من ديار بكر. وحجوا على المطران الخروج من غرفته. ويوم الخميس 9 أيار تعجل البلد توفيق بك الداهية وأوفد من فوره يطلب بطرس وصاحبه فلما رآه تجهمه وعطف عليه عطفة الحنق المغتاظ وقال له "تباً لك من كافر بحت بالسر إلى المطران وما أنجزت ما لقنتك. ثم قام إليه ولطمه وطرده وقال لا بد من قتلك عقاباً لخيانتك. أما بطرس فانهزم إلى حلب بعدما رشا البوليس. وليلة وصوله أوفد نهاد باشا في طلبه إليه تحت الليل فالقى القبض عليه وعلى أخويه الصغيرين واستاقوهم ثلاثتهم إلى مقام الضباط بالعزيزية فاستنطقهم جمال بك أركان حرب ثم سرحهم الواحد تلو الآخر. لكن الخصوم بماردين تمادوا في غيهم وأصروا على رأيهم فاصطفَوا محمد كبوشو المشهور وبعثوه مع أوراق إلى حكومة حلب لِيُرجع بطرس لماردين. ولما طالعها القوميسير أرسل مَن قبض على الفتى وزجه في السجن فظل 12 يوماً وشخص إليه كبوشو وألزمه على الرجوع. غير أن فتح الله جرباقة توسط في المصلحة وعرض الأمر على جمال بك فاضطر كبوشو أن يرجع إلى ماردين وحده. واستدعى جمال بك سيمون الدومينيكي وبطرس وقرأ عليهما الورقة فأنكراها. فصرف البادري وقال لبطرس يلزمك الحضور إلي متى استدعيتك.
وصادف كبوشو يوماً الفتى في الطريق فدسّ إليه أن يخلط أسرة جنانجي وأسرة كنعو في حكايته وقال له إن فعلت ذلك فزت برضى الحكومة وأحرزت شرفاً وسيماً.
أما المطران جبرائيل تبوني فكان ينتظر باضطراب جواب رضوان بك رئيس المجلس العرفي بديار بكر ولبث أربعة وأربعين يوماً تساوره الأفكار وكان نائب المتصرف مخلص بك وأصحابه يترددون إليه ويسلونه. وفي 13 حزيران 1918 ورده الأمر بالشخوص إلى حلب للمحاكمة فغادر أبرشيته العزيزة يوم الإثنين 17 حزيران وسافر معه حقي البوليس وجميع المشتركين معه في المسألة كالقس يوسف تفنكجي الكلداني وسعيد سيدي وسعيد معمارباشي وعبد المسيح سفر إلا منصور جبوري فإن بعض ذوي النفوذ أبقوه لأجل غير محدود بأجرة معلومة. ولما وصل المطران تبوني إلى حلب قصد كنيسة السريان الكاثوليك ليبيت فيها ليلته فلم يقبل الوكيل. قتنغص المطران واستودع أمره إلى رب الحول والعضد وعاد القهقرى مصطبراً على محن الزمان وقصد مركز الدرك بالعزيزية وبات ليلته تلك السوداء الحضيض فراشه والسقف غطاؤه. وظل على تلك الحال ثلاثة أيام.
ويوم السبت 22 حزيران استدعي إلى الإدارة فاستنطقه الرئيس فلم يثبت عليه حجة فأعاده إلى الحبس وبعد ثلاثة أيام نقلوه إلى غرفة دنيئة موسخة لاقى فيها ضنكاً شديداً وأذى كثيراً ولم يكن فيها إلا يوزباشيا فقط حبس فيها لجريمة كبرى ارتكبها. وحرجوا على خادمه الدخول إليه بتاتاً. وعند ذلك تجهز القس يوسف رباني كاتب سره الذي سبقه إلى حلب وطفق يراجع أولي النفوذ يبحث عن الطرائق الموصلة إلى نجاة السجين كيفما كان الأمر فأشار عليه المطران أن يقصد جبل لبنان ويفيد غبطة البطريرك الرحماني عن المسألة ليتلافاها سريعاً فبادر الكاهن وذهب إلى دير الشرفة وألحّ على غبطته ليسرع وينقذه. فكتب البطريرك إلى السيد دولجي القاصد الرسولي في العاصمة ليبذل وسعه لدى الباب العالي في إنجاد مطرانه. ثم قال للقس يوسف رباني "اعلم يا ولدي إني مستعد أن أبذل كل غال وثمين في سبيل السيد جبرائيل فارجع مسرعاً إلى حلب ومتى وثقت بأمر نجاته حول علي بكل ما يقتضي لذلك بشرط أن تنسجم المسألة تماماً. فرجع القس يوسف إلى حلب مسرعاً وظل يراسل المراجع العالية ليفوز بالأمل.
أما السجين فكان الخصوم يحاولون أن يجنّحوه ويؤثموه ويبحثون عن مكيدة تمكنهم من سحقه واتلافه. غير أن المولى أبى إلا انقاذه من دهائهم وألهمه الثقة والبسالة وجعله كصرح لا تزعزعه أعصار الأراجيف ولا تفزعه الأهوال والأخطار بل أتاه الصبر الجميل على احتمال كل مشقة وأذى. على أن الأعداء احضروا إلى غرفته في 10 آب قوماً من الرعاع والسفلة واضطروهم أن يلزموها، فتلبدت فيها الروائح المستكرهة وعمّ فيها وسخ المسجونين كافة وقضوا تلك الأيام بالمرائر والضيقات. ثم راح الخصوم يلفقون الشكاوى على المسجونين مع السيد جبرائيل ليصيبوا منهم الغرض. وأرسلوا في استحضار منصور جبوري من ماردين وأضافوه إليهم وزجوا معهم في السجن فتح الله جرباقة وحاولوا أن يحبسوا كل من انتمى إليهم. ولما آيسوا من اثبات حجة عليهم اسنزفوا منهم قسماً من المال وسرحوهم في 14 آب. فأطلقوا أولاً منصور كنعو وفتح الله جرباقة والقس يوسف تفنكجي الكلداني. واستمر المطران جبرائيل في تلك الغرفة القذرة في عيش نكد أكله، وسهره متواصل وقلبه مجروح لا رافق ولا مساعد له إلا رب السماء. وكان البواب، لا جزاه الله خيراً، يتهدده بالضرب والتنكيل وسفك الدم حتى أنه ثار عليه ثائرة يوم الثلاثاء 27 آب. فانتضى سيفه ليضحي بالجبر البريء فوعده المطران بهدية ثمينة صرفته عن خبث نيته. غير أن المخاوف تواترت والهموم ازدادت والأخطار تفاقمت. وأذاع الخصوم في حلب أنهم مزمعون أن يحرروا أسماء السريان الكاثوليك ونشموا في الأمر فكان ذلك ضغثاً على ابالة وشملت المخاوف جميع أفراد الطائفة.
ويوم الخميس 5 أيلول استاقوا المطران إلى جبل سمعان ومعه 15 نصرانياً وحشروهم في مغارة ضيقةكادوا يختنقون. فألهم الله أحد الجند شفقة فأذن لهم في الخروج ردحاً من الزمان لاستنشاق الهواء ثم أهبطهم إلى المغارة. وفي 7 أيلول استدعوا الحبر النبيل إلى الإدارة العرفية واستاقوه إلى الحبس العام حيث رأى جملة من كهنة الأرمن ووجهائهم.
ويوم الأربعاء 18 أيلول غدا الحبر طريح الفراش يمضه الألم داخل السجن فاستصرخ الله المكاره والمضائق وسأله الشجاعة وأقر بذنوبه عند أحد الكهنة المسجونين وتهيأ للرحيل إلى دار البقاء. غير أن المولى منّ عليه بالعافية وظل كذلك حتى 29 أيلول فطلبه المجلس العرفي واستجوبه شكري بك الرئيس وعمر فخري بك رئيس التحقيقات وادّعوا أن الدولة الانكليزية نصبته إماماً للجواسيس بماردين وكلفته أن يطلعها على حركات الأتراك ويهرب أسراها. فما سمع المطران تلك التهم حتى اعتراه الذهول والعجب فأنكرها تماماً. وقال: "كنت أظن أني لغير هذا السبب احضرت. على إني أقول بصراحة كيف يتيسر لي وأنا مقيم في جبل ماردين المنفرد أن أراسل الإنكليز بل كيف يمكنني أن أهرّب أسراهم. أما ترون أنتم أن هذه الشكاية ملفقة زورياً".
وأخيراً لما كان صباح الأول من تشرين الأول سنة 1918 لاذ الحبر بشفاعة سلطانة الوردية ونذر أن يكرس لها أبرشيته ويذيع عبادتها بكل مكنته. وفي اليوم عينه استدعوه واستدعوا الأب سيمون وسعيد سيدي وسعيد معمارباشي والفتى بطرس واستنطقوهم تجاه بعضهم بعض. وقضوا على الأب سيمون أن يلزم السجن سنتين بعدما تحققت عندهم برارته.
وأخيراً قالوا لبطرس: "امض اليوم إلى بيتك ومتى بلغت الرشد حكمنا عليك بالسجن ثلاث سنوات". فقال بطرس "الله كريم من الآن إلى ثلاث سنوات من يعرف ماذا يصير؟".
على أن غبطة البطريرك والسيد دولجي القاصد الرسولي أبديا في مسألة المطران جبرائيل غيرة وشهامة وتكبدا أتعاباً وافرة. وبعد أن خرج المطران من سجنه قصد الكنيسة شاكراً الرب وظل في البطرخانة حتى 16 تشرين الأول 1918 فعول على الرجوع إلى أبرشيته فتوسل إليه الحلبيون أن يمكث عندهم وغادرهم في 17 تشرين الأول 1918 ومساء الغد وصل إلى ماردين فخرج المسيحيون لملاقاته شاكرين المولى الذي صانه من الغوائل (انتهى نص المخطوطة).

المصدر " مطرانية السريان الكاثوليك بحلب








__________________

ܐܠܠܗܐ ܚܘܒܐܗܘ
ܡܘܢ ܢܐܬܪ ܒܪܢܘܫܐ ܐܢ ܥܠܡܐ ܢܩܢܐ ܘܢܦܫܗ ܢܝܚܣܪ
- الله محبة -


((ماذا ينفع الانسان لو ربح العالم وخسر نفسه ))


// الرب يسوع حامي بلاد الرافدين //
// طور عابدين بلد الاجداد الميامين //

ابو سومر

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
تاريخ المسيحية في الشرق
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البيت الآرامي العراقي :: كرملش , ܟܪܡܠܫ(كل ما يتعلق بالقديم والجديد ) وبلدات وقرى شعبنا في العراق Forum News (krmelsh) & our towns & villages :: منتدى تاريخ شعبنا والتسميات وتراث الاباء والاجداد Forum the history of our people & the legacy of grandparents-
انتقل الى: