البيت الآرامي العراقي




البيت الآرامي العراقي

سياسي ِ ثقافي ِ أجتماعي


 
الرئيسيةالرئيسيةبحـثالتسجيلarakeyboardsyrkeyboardدخول

شاطر | 
 

 فاســدون بالوراثــة...بقلم : إبراهيم الزبيدي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
George Maroky
عضو جديد تازة
عضو جديد تازة



الدولة : استراليا
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 36
مزاجي : أكتب
تاريخ التسجيل : 13/12/2010
الابراج : السمك
التوقيت :

مُساهمةموضوع: فاســدون بالوراثــة...بقلم : إبراهيم الزبيدي    الخميس 05 مايو 2011, 6:10 am

[size=24]عبد العزيز القصاب واحد من أبرز السياسيين العراقيين في العهدين العثماني والملكي على حد سواء. مخلص ونزيه، غير طائفي ولا عنصري، تولى الإدارة المدنية في نواح وأقضية وألوية عديدة، في جنوب العراق ووسطه وشماله. رأس مجلس النواب أكثر من مرة، وتولى وزارة الداخلية أكثر من مرة أيضا، ورئس مجلس الوصاية على العرش، وكان من أكثر الشخصيات العراقية اعتدالا وإيمانا بالتداول السلمي للسلطة. ولهذه الصفات كان سادة البلاط الملكي ورؤساء الوزراء كافة يلجأون إليه عند كل شدة ليستنيروا بآرائه وأفكاره.

ولولا جهوده وحنكته وحماسته، لما تحقق انضمام الموصل إلى العراق. فبرغم أن دراسته الأولى كانت في تركيا، وزوجته الأولى منها، ووظيفته الأولى فيها، ورغم أنه أمضى سنين عديدة من حياته يخدم الدولة العثمانية في مدن عراقية عديدة، بوظائف مختلفة، إلى يوم سقوطها، ورغم كل جميع إغراءات العثمانيين له، ورغم علاقته المتينة بكمال أتاتورك ظل وطنيا مخلصا لشعبه، ولم يصبح تابعا ولا عميلا لأحد.

ترك لنا عبد العزيز القصاب مذكرات غنية ممتعة صادقة بسيطة ودقيقة في معلوماتها وتواريخها وأماكنها وأشخاصها، سردها بلغة سلسلة سليمة وبحياد تام وطيبة واضحة لا غبار عليها.

لكنه روى في مذكراته حكايات أخرى عديدة مؤلمة عن تلاعب وغش واختلاس ورشوة وفساد، سواء في العهد العثماني، أو في ظل الاحتلال البريطاني، أو في العهد الملكي، سواء بسواء. صحيح أن فساد العهود السابقة كان صغيرا، بمقاييس ثروات العراق الضخمة الآن، إلا أنها كانت كبيرة بالنسبة لمداخيل العراق الضئيلة، في تلك العهود.

لكن الفساد هو الفساد. فقبول رشوة بدينار مثل القبول برشوة بملايين الدولارات. ومن يخون أمانته وهو شرطي صغير سيخونها وهو رئيس وزراء أو رئيس جمهورية.

لكن أخطر ما في الأمر أن من الفاسدين الأوائل قادة أحزاب ورؤساء عشائر ووزراء ونوابا وأعيانا. أي كانوا قادة وطن، وقد صار أحفادهم قادة وطن، كذلك. بعبارة أخرى، إنهم تركوا لأحفادهم الوارثين تراثا لا يقدر بثمن. فقد علموهم أن السرقة والرشوة والعمالة حنكة وشطارة وذكاء، وجعلوا من سلوكهم الأعوج ذاك (سُنة) يقتدي بها أبناؤهم، وتنتقل، بالوراثة، من جيل إلى جيل.

بالمقابل يملأ عبد العزيز القصاب مذكراته أيضا، بقصص وملاحم مؤثرة ومشرقة عن نزاهة ووطنية واستقامة رائعة أبطالهُا رجالٌ حقيقيون لا يملك المرء إلا احترامَهم وتقدير صلابة إيمانهم بالعدل والاستقامة، من أدنى مستويات وظائف الحكومة إلى أعلاها.

الحكاية الأولى. سافر عبد المحسن السعدون، ذات ليلة، وهو رئيس وزراء ووزير داخلية بالوكالة، من أحد الأقضية عائدا إلى بغداد، فلم يجد له مكانا في مقصورات الدرجة الأولى، فدخل مقصورة من الدرجة الثانية، وحين وجد رجلا وزوجته قد سبقاه إليها، وكانا نائمين، لم يشأ رئيس الوزراء إزعاجَهما، فصعد إلى الفراش العلوي، بصمت وهدوء. وبعد فترة أفاق الزوج، وراح يثرثر مع زوجته عن بطولاته وشطاراته في التلاعب بأموال الدائرة الحكومية التي يعمل مديرا لحساباتها، وعن أعمال إجرامية أخرى، وعن سذاجة المسؤولين فيها، وعجزهم عن اكتشاف ألاعيبه. وعند وصول القطار إلى بغداد نزل عبد المحسن السعدون وغادر المحطة، بعد أن تعرف على هوية الزوج. وبعد أيام دخل ذلك المختلسُ نفسُه إلى مكتب وزير الداخلية محتجا على طرده من الوظيفة. وحين شاهد عبد المحسن السعدون عرف أن وزير الداخلية الذي أمامه هو شريكه في قطار تلك الليلة، فخجل، وراح يتوسل ويطلب منه الصفح والغفران، فأعفاه، ولكن بشرط أن يعيد لخزينة الدولة جميع سرقاته، وعلى الفور.

حكاية ثانية. بعد أن استقالت حكومة جميل المدفعي التي كان فيها القصاب وزيرا للداخلية عينه رئيس الوزراء الجديد ياسين الهاشمي في 1937 مراقبا عاما لحسابات الدولة بدرجة وزير، واستمرت خدمته في هذه الوظيفة التي تقابلها اليوم هيئة النزاهة في (عراقنا الجديد) إلى يوم تقاعده في 1946.

يقول، لقد كشفنا كثيرا من المخالفات في حسابات الوزارات، وكنا نلفت أنظار الوزراء إليها، دون جدوى، ثم نلجأ لمجلس الوزراء، ونقدم تقاريرنا لمجلس النواب لإطلاعه على المخالفات واتخاذ ما يلزم بشأنها. ثم يقول، وهنا أسجل أن مجلس الأمة لم يتخذ أي إجراء رادع بحق المسيئين، في جميع القضايا التي عرضناها عليه.

حكاية ثالثة. في أعقاب انتفاضة الشعب العراقي ضد معاهدة (بورت سموث) التي وقعها رئيس الوزراء صالح جبر مع الإنكليز في عام 1948 اجتمع الوصي على العرش الأميرعبد الإله بعدد من رجال السياسة لمناقشة الأوضاع المتفجرة تلك. وحرص الوصي على أن يكون الاجتماع سريا للغاية، وشدد على دائرة التشريفات وعلى المدعوين بعدم تسريب أي شيء مما يناقش فيه. وفي اليوم التالي زاره السفير البريطاني غاضبا وأخبره بتفاصيل الاجتماع، وبكل ما قاله كل واحد من المجتمعين، بدقة، وكأنه كان قد حضره بنفسه. وتساءل الوصي قائلا، إذن ماذا نفعل؟ أهكذا يكون حفظ الأسرار لدى أعلى المستويات؟؟

فما أشبه اليوم بالبارحة؟ ففي عراقنا الجديد حدث ما يلي:

- فاقت تخصيصات الرئاسات الثلاث مجموع التخصيصات المقررة في الميزانية لقطاعات الصناعة والزراعة والاتصالات والبيئة والعلوم، معا، للسنوات من 2006 إلى 2011.

- وبلغت التكاليف التشغيلية لمجلس الوزراء والنواب ورئاسة الجمهورية ضعف التكاليف التشغيلية لقطاعات (الصناعة والزراعة والاتصالات والبيئة والعلوم ) مجتمعة.

- وأعدت الحكومة موازنة عام 2010 على أساس أن سعر برميل النفط هو62 دولارا أمريكيا، من باب الاحتياط، ثم باعت نفطها بمعدل 73 دولارا للبرميل، ولم يدخل الفرق، وهو 12 مليار دولار، في الموازنة؟.

- ويقول مسؤولو البنك المركزي إنهم عثروا في البنك على 30 مليار دولار أمريكي منسية ومجهولة، ولا أحد يعرف عنها شيئا، في حين يستدين القادة الأشاوس من البنك الدولي، بفوائد.

- ويقدر الاقتصادي العراقي موسى فرج حجم الموازنة العراقية بحجم موازنات مصر وسوريا والأردن ولبنان، معا. ورغم أن نفوس العراق تعادل ثلث نفوس دولة واحدة فقط من تلك الدول الأربع، وهي مصر، فمعدل الفقر في العراق يفوق معدلات الفقر في تلك الدول، كلها.

- ويوم الجمعة الماضي هاجم أحد وكلاء السيد السيستاني، خلال خطبة الجمعة في ضريح الإمام الحسين، نواب البرلمان، وقال إن بعضهم يلجأ إلى الاستيلاء على الرواتب المخصصة لحمايته، بأسماء وهمية، أغلبُها أسماء أقاربه، لقبض المبالغ.

- ولأن البرلمان خصص لكل نائب ثلاثين حارسا شخصيا براتب 630 دولارا أمريكيا، شهريا، فهذا يعني أن كل نائب يتقاضى شهريا 18،900 دولارا أمريكيا للحماية، رغم أن بعضهم يقيم في المنطقة الخضراء المحصنة.

بعد التمحيص والتدقيق ثبت أن الزعماء العرب الذين ثارت عليه شعوبُهم مؤخرا، بدعوى الفساد، لم يكنزوا، في ربع قرن أو يزيد، إلا رُبعَ ما كسبه رفاقنا العراقيون في بضع سنوات. ورغم كل ذلك تفجر غضبُ شعوبهم عليهم وعلى أبنائهم وأقاربهم وأحزابهم، ولم نشم َّ نحنُ، في العراق، ولو رائحة غضب ٍ خفيف. فهل تحدث المعجزة، ومتى، وكيف؟؟

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
فاســدون بالوراثــة...بقلم : إبراهيم الزبيدي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البيت الآرامي العراقي :: الاخبار العامة والسياسية General and political news :: منتدى المنبر السياسي والحوار الهادئ والنقاش الجاد الحر Political platform & forum for dialogue & discussion-
انتقل الى: