البيت الآرامي العراقي




البيت الآرامي العراقي

سياسي ِ ثقافي ِ أجتماعي


 
الرئيسيةالرئيسيةبحـثالتسجيلarakeyboardsyrkeyboardدخول

شاطر | 
 

  قراءة معمّقة في حياة السائح العراقي يونس بحري + صور

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
سلام توفيق ججو
عضو جديد تازة
عضو جديد تازة



الدولة : العراق
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 63
تاريخ التسجيل : 10/04/2011
الابراج : العقرب
التوقيت :

مُساهمةموضوع: قراءة معمّقة في حياة السائح العراقي يونس بحري + صور    الخميس 12 مايو 2011, 10:50 pm

السائح العراقي ... أسطورة لن تتكرر ...
قراءة معمّقة في حياة
السائح العراقي يونس بحري
* * *
معن عبد القادر آل زكريا
باحث واكاديمي
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
صورة غلاف

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

يونس بحري وحسن افندي العمري في مكتب العمري سنة 1979



[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
يونس بحري وامير ربيعة في مهرجان الفروسية الملكي في بغداد 1939


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
يونس بحري وصديق بيك الجليلي


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

يونس بحري ... الرجل الذي قام سنة 1923 ، ولأول مرة في تأريخ العراق والعرب الحديث والمعاصر بجولة حول العالم سيراً على الأقدام بأسم السائح العراقي يونس بن صالح أغا الجبوري المكنى بـ (البحري) و المعروف بـ (السائح العراقي) ... الرجل الذي أول من قال من برلين (حي العرب) ... و(بلاد العرب للعرب) ...
* * *
تمهيــد :
استمعتُ بأسم " يونس بحري " وأنا طفل في الصف الخامس الابتدائي . كان ذلك سنة 1953 إذ كان والدي المغفور له (الحاج عبد القادر بن الحاج مصطفى بن الحاج زكريا التاجر) يرتاد مقهىً صيفياً يقع في " جادة حلب " يسمى مقهى يحيى . وكان الوالد معروفاً بطيب المعشر وحلاوة الحديث ، يستقطب في حارته العديد من الجلاّس والأصحاب والخلان ، من ذوات وملاّك ومزارعين (من أعراب وأكراد) وسواهم ، أولئك الذين تربطهم به مصلحة تجارة أو مصلحة عمل .
وكان على رأس الأصحاب الدائميين من طبقة المتعلمين والمثقفين والمؤرخين المرحوم عبد المنعم الغلامي والمرحوم نذير الغلامي والمرحوم سعيد الجليلي والمرحوم محمود الملاح... وآخرين غيرهم رحمهم الله أجمعين .
وكان والدي يصطحبني في أيام الجمع وعطلة نصف السنة (الربيعية) وعطلة نهاية السنة (الصيفية) ، أقول يصطحبني إلى ذلك المقهى ، وكان الحديث في جُلّه يدور عن تأريخ الموصل وعن أهلها وعن أحوالهم ... وعن الزراعة ومواسمها وعن تجارة الأراضي ، وعن الأحداث الوطنية ومشاكلها ، كذلك كان الحديث يدور عن بيوتات الموصل وعن الأسر وعن أنسابها ...
وقد كان أسم " يونس بحري " من الأسماء التي تتردد كثيراً في أغلب الجلسات . وفضلاً عن ذلك ، فقد كان أسم البحري يقترن وقتها بالمغامرة والمجازفة أحياناً ،وبالفكاهة والطرفة أحياناً أُخَر ... الأمر الذي جعلني أرسم في ذهني علامة استفهام كبيرة عن تلك الشخصية الفريدة التي أسمع عنها ولم أشاهدها ، فأفردتُ لها في ذاكرتي منزلة خاصة ، فأنا ككل الأطفال أستمتع لا بل أفرح بالإنصات إلى تلك الحكايات التي تحكي عن السفر والترحال ... بصفتها من تهجدات الأساطير السندبادية ، المقترنة بالرجولة وبالخرافة ... وبالمستحيل...!!
ثم دارت السنون ، وصادف أن وقع بيدي سنة 1958 واحد من كتب البحري المطبوع على وفق سلسلة من سبعة أجزاء . فقد صدر الكتاب سنة 1956 في بيروت تحت عنوان
" هنا برلين حي العرب " . وما أن فرغتُ من قراءة الحلقة الأولى منه حتى ازداد شوقي شوقاً لمعرفة المزيد عن تلكم الشخصية ، عجيبة الطبائع ، غريبة الأطوار . ثم تأتّى لي فيما بعد قراءة بقية الأجزاء حتى شاءت الصدف أن ألتقي " يونس بحري " في الموصل سنة 1975 وجهاً لوجه في أمسية من أماسي الربيع ، جمعنا به في جمعية الاقتصاديين العراقيين المرحوم صديق الحاتم . مع أسفي الشديد أننا لم نتمكن يومها من توثيق تلك الجلسة لا بالصوت ولا بالصور التذكارية . وإذ التقيتُه شخصياً واستمعتُ إلى رواياته ... تشبّعتُ تعلّقاً بتلك الأسطورة ، يومها كان الرجل رحمه الله في كامل طاقته البدنية وتمام وعيه الذهني وهو ابن خمسٍ وسبعين . كان يسرد على أسماعنا حكاياته ومغامراته وذكرياته بدون تسلسل منتظم ، بل حسبما يخطر على باله ، أو جواباً عن سؤالٍ من أحد الحاضرين ... وما أكثر الأسئلة تنوعاً وإلحاحاً ، فكان البحري ما أن يبدأ الجواب أو يكون في منتصفه حتى ينتقل إلى جوابٍ جديد لسؤال آخر . ثم تراه واقفاً منتصباً بطول قامته على طاولة توسطت الغرفة – بعد أن رجوته أن يقلد لنا هتلر في إحدى خطاباته العنيفة وباللغة الألمانية - . فاستجاب الرجل لكل طلباتنا وفعل ما كان يصعب على غيره أن يفعل ، فخطب بكل جوارحه وانفعالاته واحتراق أعصابه ، لينتقل بعدها يقلّد لنا " الدوتشي موسوليني " ... إلى أن انتهى بتقليد العجوز البريطاني " ونستون تشرشل " في إحدى خطاباته على الجبهة أيام الحرب .
وبعد عزف سيمفونياته الخطابية أسرعنا إلى إسناده بأيدينا وأكفّنا ، ثم ساعدناه على النزول من على الطاولة خوفاً عليه من الإغماء . فقد أخذت منه تلك العملية جهداً قاسياً ووضعاً صعباً ، ثم تركناه لدقائق يأخذ له قسطاً من الراحة ... يعود بعدها إلى حديثه ... حيثما انقطع ... يكمله بسواه ...
فالأحاديث عند البحري ... تبدأ ولا تنتهي ... إن هي إلا تداعيات خواطر وسرد حكايات وقصّ أخبار من شرق الدنيا ومن غربها ، تختلط فيها الحقائق مع الأخيلات ، وتضيع فيها الأرقام بين عجائب الوقائع وغرائبها ... بل أحياناً تتضارب التواريخ في تحديد الحوادث نفسها ... ! وإذ تسأل البحري عن مدى مصداقية حادثة بعينها كما لو أنك استغربتَ حدوثها أو اندهشت لروايتها ... تراه يجيبك بسرعة بديهته وقوة حجته ...! أولم يكن معنا الملك (فلان) رحمه الله الذي خسر عرشه ... والأمير (علان) الذي تنازل عن أمارته جازاه الله ... أولم يكن معنا الشيخ (كذا) الذي كنتُ أعرف خفايا أسراره أكثر من أهله وأولاده ... والصحافي (زيد) الذي قبض أموالاً من (الفلانيين) ... والسياسي (عمرو) الذي تحالف مع أعداء أصدقائه ...!! فكل شهود وقائعه من الملوك والأمراء والشيوخ والصحافيين والسياسيين ... إن أردتَ قربهم امتدحهم لَكَ ، وإن رُمتَ عكس ذلك لعن أمامك وعلى التوِّ (سنسفيل أجدادهم) ... فهم في عرفه بشر يملكون من صفتي الخير والشر بهذا القدر أو ذاك ... يضع تحت المجهر رزاياهم أو فضائلهم ، فيغرف من تلك ليزيد في هذه ... والعكس يمكن أن يكون صحيحاً ...!!
هذا هو البحري بخيره وشرّه ، بقضّه وقضيضه ، لم يكن له أصدقاء على طول ... لم يكن له أعداء على طول ... بل كانت له مجالس ثقافة ومجالس سمر على طول ...!
أصدر في مطلع الثلاثينات جريدة " العُقاب " فلمّا تعطّلت أصدر بدلها جريدة " الميثاق " ثم عادت " العُقاب " إلى الصدور . عرفه العالم سائحاً رائداً وصحافياً لامعاً ورياضياً متألقاً وديبلوماسياً ناعماً وخطيباً مفوّهاً . عمل في باريس إماماً لجامعها ، واشتغل في أندونيسيا (جاوا وسوماطرا وبتافيا) مفتياً لأهلها ، وكبيراً لشيوخ علمائها . صار مستشاراً للملك أدريس السنوسي ملك ليبيا ، وصديقاً للمختار ولد دادا رئيس موريتانيا (تعرّف عليه منذ مطلع شبابه ودراسته في باريس في أربعينات القرن الماضي) .
عمل في خدمة الملك الراحل عبد العزيز آل سعود ، وأرسله رفقة المؤرخ الكويتي الشيخ عبد العزيز الرشيد إلى أندونيسيا (بتافيا) ... فأصدرا هناك مجلة (الكويت والعراقي) للرد على الأفّاك الهندي عبد العليم ، الذي أفتى بعدم جواز الذهاب إلى الديار المقدسة لأداء فريضة الحج ...
كتب عن تونس وعن موريتانيا الاسلامية وعن السودان كتباً منشورة . سطّر بقلمه أكثر أسرار ثورة مايس سنة 1941 ، المعروفة بحركة رشيد عالي الكيلاني إثارة في كتاب . نشر عن تجربته الفريدة في برلين أبان الحرب العظمى الثانية كتاباً من سبعة أجزاء سمّاه " هنا برلين حي العرب " ...
أسطورة شخصية البحري وأعماله الخارقة ...
تختلف طبيعة المذكرات وتدوين السير الذاتية أو كتابة سير الآخرين باختلاف النظرة إليها لأنها تعد أصلاً من الأدب قليل الشيوع في لغتنا العربية باستثناء الحكايات الشعبية والسير الدينية وما وقع منها في باب قريب من ذلك .
وتأتي قيمة المذكرات في ان أحداثها غالباً ما تكون قد دُوّنت في حينه ، أو أنها أُسترجعت بوساطة الذاكرة الخازنة أو نقلت عن طريق التواتر عبر أشخاص سمعوا عن آخرين كانوا قد عايشوا الحدث أو التقوا صاحب السيرة التي تدور حولها المذكرات أو قاموا بتسليط الضوء على حياة تلكم الشخصية من باب التحليل أو النقد أو التقييم عبر نتاجات ومؤلفات تركها المبحوث عنه .
يقول الدكتور محمد حسين هيكل في كتابه (مذكرات في السياسة المصرية) - القاهرة سنة 1951 ما نصه : ( ونحن إذ تفصل السنون بيننا وبين الحوادث بهذا المقدار أو ذاك ، نراها في ضوء يختلف عما أحاط بها عند حدوثها ، لأنها يوم تحدث تثير فينا العواطف ، وقد تتأثر بها منافعنا العاجلة فلا يكون العقل هو الذي يحكم عليها) .
ويقول خلدون ساطع الحصري في (مقدمة في تاريخ العراق الحديث)
(مذكرات طه الهاشمي) -بيروت - سنة 1967 (وبديهي ان مرور الوقت مهما كان طويلاً ليس كافياً دائماً للقضاء على عواطف السياسي ومنافعه . كما ان السياسي إذا استطاع ان يحكم بالعقل وحده على الحوادث الماضية التي يرويها انتحل لنفسه صفة المؤرخ وعمله) .
وتعقيباً منا على الرأيين سالفي الذكر نقول : ليس السياسي له وحده الحق في تدوين مذكراته أو تهميش ملاحظاته على أعتاب الأحداث أو في قلبها . لأن الأديب والفنان والصحافي والمغامر والمكتشف والمخترع والفيلسوف والشاعر والروائي لهم جميعاً مآربهم القريبة أو البعيدة .. وأفكارهم الخاصة أو المكتسبة ... وآراؤهم الظاهرة أو المستترة في أحداث صنعوها هم أنفسهم أو شاركوا في صنعها أو في وقوعها ، سواء في السياسة أو في الاقتصاد أو في الآداب أو في الفن والموسيقى .. أو في سوى ذلك .
وكتابة المذكرات أنواع وأجناس فمنها الصريح والمكشوف .. ومنها المرموز المغلف، ومنها ما هو بين هذا وذاك . وقد يدعو أمر في ظرف معين صاحب المذكرات إلى ان يغفل ذكر حادثة معينة بتفاصيلها الدقيقة خوفاً من تأثير سيء يمكن ان تحدثه تلك الرواية في نفوس المذكورين أشخاصاً أو جماعات أو في أي من أولادهم وأقاربهم .
يكمل خلدون الحصري في مقدمته لكتاب طه الهاشمي آنف الذكر قائلاً :
(ان للكتابة الآنية عن الحادث بعد وقوعه سيئاتها بجانب حسناتها . فالانطباع الأول عن الشخص والحادث ليس بالضرورة هو الانطباع الصحيح ... فالانطباع الأول غير الواضح وغير الصحيح قد يتعدى المسائل المادية إلى ما هو أهم وأخطر . ففي غمرة ممارسة الحياة السياسية واليومية كثيراً ما يؤدي إلى تركيز الملاحظة على الأشخاص والجزئيات والحوادث الآنية ... بل يعدم رؤية الصورة العامة التي تشكلتها الجزئيات وإلى عدم الالتفات إلى المعنى الصحيح والأعمق للحوادث وسلوك الأشخاص فيها) .
وما يعطي مذكرات (السائح العراقي يونس بحري) وكتاباته ومؤلفاته قيمتها التاريخية ، ويمنح الكتابة (عنه) وعن (قصة حياته) المدى الموضوعي والبعد التوثيقى هو ان (الرجل) لم يكن هامشياً في أبواب السياسة أو في ثنايا العمل الاجتماعي أو الثقافي أو الصحافي ..!! بل كان منغمساً في كل النشاطات قاصيها ودانيها . ومن ثم فأنه كان يمتلك زاوية واسعة في النظر وعيون سمكة منفرجة في الانتقاد وسرعة في الخاطر وعمقاً في التحليل . لكنه والحق يقال ، لم يكن متجرداً على طول الخط في حكمه على الأمور ، بل كان ينحاز على نحو بيّن وخصوصاً عندما يستثار فيلجأ إلى الدفاع عن نفسه أمام خصوم الداء . فكان إذا طُعن ينقلب إلى وحش كاسر لا يوفر أحداً أمامه . فتراه يكتب بكل جوارحه مستميتاً في الدفاع عن قضية عادلة ، أو مهاجمة فاسدين في قضية وطنية عامة بلغة يمتزج فيها السهل والممتنع ، وأسلوب الصحافي بأسلوب الخطيب أو الواعظ ... ويتلفع بثوب السياسي الهاوي ليهاجم السياسيين المحترفين وأرباب الأحزاب من ضيقي النظرة ودعاة المصالح ..!
لقد ظهر ذلك بجلاء في كل مقالاته التي كتبها وافتتاحيات الصحف التي دبّجها في جريدة (العُقاب) كما في جريدة (الميثاق) أو عبر الخطب الحماسية اللاهبة التي ألقاها في باحة الجامع الكبير في الموصل في سبيل فلسطين (الدامية) أو في جامع الحيدرخانة في بغداد لمناسبة وطنية أو عند استقبال شخصية قومية أو زائر كبير جاء من أقصى بلاد المغرب العربي يدعو إلى استقلال بلاده ، أو مسلم جاء من سوماطرا أو داعية جاء من اليابان .
تقع المساحة الأوسع من مذكرات البحري أو من ذكرياته على حد السواء في الفترة التي كان يقف العالم فيها شاهداً على الحرب العالمية الثانية . وكأن القدر أراد للبحري أن يُنتزع انتزاعاً من خلية عمله في صحافة بغداد أو كمذيع في الإذاعة الرسمية في بغداد أو في محطة إذاعة قصر الزهور (ليلة مصرع الملك غازي في 1939-4-4) ، ليطر طيراناً هو حلم أكثر منه حقيقة ، ثم ليقذف به في (برلين ) عاصمة الرايخ الثالث ووكر النسر الألماني الجارح (أدولف هتلر) لتأسيس نواة أول إذاعة عالمية باللغة العربية سمعها الملايين عبر أربعة أطراف المعمورة يوم ذاك .
كيف غادر البحري بغداد ليصل برلين ...؟!
وما بين مغادرة البحري بغداد وتأسيس إذاعة برلين (ستة أيام لا غير) . وهكذا تكون الأقدار أحياناً صانعة وحيدة للأحداث . وقد لا يكون لدور (المُقدّر عليه) أكثر من مجرد ألعوبة وجد نفسه في قلب الحدث فاعلاً أو مفعولاً به ..! فكيف (بالمُقدّر عليه) إذا كان بفطرة بديهته وتنوع ثقافته وتكوينه الجسدي والذهني (قادراً على) بل (مستعداً) لأن يكون (حدثاً) ومهيئاً لأن يخلق من حوله دوائر ( أحداث ) متعاقبات ومتتاليات تمتد بامتداد زمن الحرب فيشهدها من أولها إلى آخرها ، يسجلها يوما بيوم وساعة بساعة بكل تفاصيلها الرهيبة أو الساذجة وبسبعة أجزاء ..؟!
ومن الملاحظات القيّمة التي تستحق التسجيل ان الرجل البحري لم يكن بسيطاً كما يبدو لمن يقابله أول مرة..! بل كان يمتلك شخصية معقدة ومركبة في آن واحد . لقد كان واضحاً في جلّ مواقفه قوياً في حجته ، سريع البديهة في طبعه ، تبريرياً في سلوكه ، مطواعاً لقدره ، لا يخطط لغده ، بل يترك ذلك للأقدار ، وقد يهيئ نفسه مثلا للسفر إلى الصين فيصير في الغد في جبال الأطلس .
سرعة بديهته :
ومن الأمثلة على سرعة بديهته لما وقف بين يدي فاضل عباس المهداوي رئيس المحكمة العسكرية الخاصة (محكمة الشعب) التي تشكلت في أعقاب الرابع عشر من تموز سنة 1958 لمحاكمة رجال العهد الملكي السابق ، شاهداً على الفريق رفيق عارف رئيس أركان الجيش واللواء غازي الداغستاني ، فحاول ان يمثل على المهداوي بطريقة دراماتيكية ، فلما كشف المهداوي ذلك أراد النيل منه على وفق أسلوبه التهكمي اللاذع كما فعل مع سياسيين ووزراء ، متهمين وشهود ، ضباطاً ومدنيين ، لذلك لجأ البحري إلى تعديل طريقة كلامه وأسلوب عرضه ، فأخذ يسلك سلوكاً مغايراً ليستدر عواطف رئاسة المحكمة وأعضائها يخطف أبصارهم محاولاً استدراجهم نحو الضحك والفرفشة والتخلي عن الأسلوب الصارم في المحاكمة . فابتدأ يلقي بشهادته بطريقة الخطيب المفوه بتمثيل مثير قائلاً : يا سيادة رئيس المحكمة ..!؟ انه حظي العاثر الذي قادني إلى هنا .. فانتهيت إلى ما انتهيت عليه..!؟ وهل يملك السفان في عرض عباب البحار إلا ان يكون مطواعاً لرحمة الرياح ؟! وها أنا ذا بين أيديكم رمتني الأقدار لأصير مثل شريانٍ تحت رحمة حد السكين ..؟! وعندما قابل الزعيم (عبد الكريم قاسم) رئيس الوزراء في مقره في وزارة الدفاع بتوسط من (الضابط الشيوعي رشيد مطلك) صديق الطرفين (البحري وقاسم ) بغرض منحه العفو وإذن السفر إلى لبنان مقر إقامته الدائم يومذاك ، كان البحري يشعر أثناء المقابلة وما رافقها كأنه نمر حُبِس في قفص من حديد ، في الوقت الذي كان فيه قاسم كما روى البحري نفسه ذلك فيما بعد : كان قاسم يبدو لي ذئباً ولكن في ثياب حمل وديع ..! فاجأ قاسم البحري بسؤال مباغت لم يخطر على باله : ما الذي أتى بك يا يونس إلى بغداد في هذا الوقت .. وقبل الثورة بيومين اثنين لا غيـر؟!! وهنا واتت (البحري) سليقته النابهة لينبض بالجواب الشافي الذي جعل (الذئب) قاسم ينذهل أمامه حائراً بأزاء سرعته وقوة حجته ، وان لم يكن مؤمناً بصدق ذلك الجواب في قرارة نفسه ..!
أجاب البحري : يا سيادة (الزعيم الأوحد) .. لقد أتيت إلى هنا لأشهد عرس ثورتكم العملاقة ، فرأيتها والحمد لله عال العال .. ولو لم أكن موجوداً معكم الآن لكتبتُ عنكم غير ذلك .. وهذه إرادة الله ، أراد ان يكشف أمامي الحق من الباطل ..!!
ان جُلّ كتابات البحري تدل دلالة أكيدة على ان الرجل يتمتع بقدرة عجيبة في صنع الأحداث أو التأثير في صنعها . ويتحلى بصفات اقلها روح النكتة الساخرة والبديهة والحاضرة والدعابة الطريفة المستملحة ، والعذوبة في سرد الوقائع التي عاش أغلبها أو تخيّل بعضاً منها سواء في سلطان نومه أو في خدر يقظته ، حتى ليشعر القارئ لمقاله أو المستمع لحديثه بأنه قد عاش الحدث معه بروحه ان لم يكن بجسده وحواسه ، ولسان حاله يقول : على القارئ ان يحيا مع المؤلف حتى لو كانت قصته آتية من وراء القضبان وفي أتون تموز اللاهب تحت وطأة العذاب والحرمان والتهديد بالموت .. كما جاءت أوصافها ونعوتها وتفاصيلها في كتابه : (سبعة أشهر في سجون بغداد) .
وضعه في المعتقل كما وضعه وهو خارجه :
وبفضل الروح الساخرة والتعليقات اللذيذة لا تلبث الأمور المعقدة الا ان تخف وطأتها من على رأس القارئ بكل ما يكتنفه من تهديد بالعقاب . فيستهون لفح تموز وهول السجن وشتائم الضباط الشيوعيين وضربات أعقاب بنادقهم ، فترى القارئ يلهث وراء (البحري) بنهم ما بعده نهم وشغف لسماع المزيد مندفعاً وراء اتساق الحوادث ونمط تسلسل الوقائع يريد الاطلاع على ما انطوت عليه تينك الأيام من أسرار ومفاجآت .
كان البحري جم النشاط ، دؤوب الاتصالات ، شديد الهمة على العمل الشاق في حقول السياسة والثقافة والصحافة والأخبار والأسفار . ولم تكن اتصالاته مقتصرة على صعيد القطر حسب بل تجاوز ذلك إلى الاتصال بالنوادي السياسية العربية السورية اللبنانية والمصرية والمنتديات والجمعيات السعودية والكويتية وأرباب الإدارة والسلطة والحكم في الإمارات العربية وفي البحرين وفي قطر وفي اليمن ، وكان ذلك كله مشفوعا بدعوات متعددة إلى مؤتمرات الشبيبة العربية وعصبة مناصرة فلسطين واجتماعات البرلمانات العالمية .
ولدينا أعداد من مجلة (الكويت والعراقي) له فيها صور شخصيات عربية موشحة بإهدائها ، منها على سبيل التمثيل صورة مأخوذة لشيخ البحرين خليفة مع أنجاله الصغار والمعتمد السامي البريطاني في خليج اللؤلؤ يكتب فيها إهداءً إلى البحري : إلى صديقنا السائح العراقي يونس بحري ... تذكار . كما يوجد هناك صورة للشيخ عبد الله السالم الصباح شيخ الكويت وعليها كتابة إهداء إلى يونس بحري .
وكانت الصحف العربية على مختلف مشاربها تجمل في صفحاتها أخبار ونشاطات (السائح العراقي) في حله وترحاله ، وعندما أصدرت وزارة الدفاع العراقية سنة 1938 دليلها المصور الرائع عن الجيش العراقي . كان البحري من أوائل الذين خصصوا له صفحات كثيرة وأعداد متلاحقة للتنويه به وشرح خصائصه وميزاته على صفحات جريدة (العُقاب) .
فضلا عن ذلك ، فقد اخذ البحري على عاتقه السفر إلى أطراف الوطن العربي وفي جعبته أعداد جمة من الدليل مخصص على سبيل الإهداء للملوك والرؤساء وكبار رؤساء الوزارات والساسة العرب .
فقد قابل البحري الملك عبد العزيز في الرياض والملك فاروق الأول في الاسكندرية وأهدى إلى جلالتيهما نسخة من المصور العراقي ، وفي زيارته إلى سوريا قابل رئيسها فخامة هاشم الأتاسي وأجرى معه مقابلة صحفية كانت وقتها سبقاً صحفياً كبيراً نشرت على صفحات الجرائد اليومية والمجلات الأسبوعية .
كما قابل فخامة أميل أده رئيس الجمهورية اللبنانية الذي أدلى إلى الصحفي العراقي (البحري) بحديث خطير أثنى به على جلالة العاهل العراقي غازي الأول ناعتا الجيش العراقي بمفخرة من مفاخر الشرق ، كما قابل رئيس الوزراء المصري محمد محمود باشا مقدما إلى رفعته نسخة من مصور الجيش العراقي .
لقد عرف عن يونس بحري شخصيته الأسطورية الفذة في كثير مما كتبه وأنتجه يراعه من كتب ومؤلفات ورسائل ومقالات وأحاديث وإذاعات .
ان ميزة يونس بحري انه يكتب بجماع قلبه ويسطر بأغوار عاطفته ويدبج بعمق أحاسيسه ، فلا غرو ان يشعر القارئ وهو يقرأ صفحات من نفحاته ، ذلكم الألم الذي عانى منه في سجنه وتذوق معه طعم النشوة في مزاحه ، وتلذذ بسحر حديثه ... عن غزواته التي شرّق فيها وغرّب ..؟! ونكاد نحس جميعاً ونحن نتصفح السطور والصفحات ان ما خطته أصابعه ما هي إلا صورة مجسدة لألم الرجل الصارخ والشكوى المرة من صدود المعارف وهجر الخلان وجفاء الأصحاب ، والعذاب الطويل الذي قضى جله وحيداً أعزب يطبخ لقمته بنفسه ويترع كأسه دواء لليل طويل ..!
آن الأوان أن ننصف الرجل الذي ما أنصفه أحد ...!
ولكي نكون منصفين لأنفسنا قبل ان ننصف الرجل ، يصعب علينا القول أي كتاب هذا الذي حاز به البحري قصب السبق على ما عداه من كتب ؟! ولا نغالي إذا ما قلنا ان أي فصل من أي كتاب من حياة البحري سواء جاء في وصف أسفاره أو في تدوين ذكريات استقراره في باريس أو في برلين أو في بتافيا وسوماطرا من جزر اندونيسيا أو في بيروت ... إنما ينطوي على معان عميقة وعبر بالغة تبرز أمامنا جلية واضحة ما أسهل إدراك مغازيها واستخلاص المرامي بعيدة الأهداف من صدفاتها اللماعة .
ان أي سطر خطه يراع يونس بحري هو حلة جديدة فصلتها يد خياط ماهر . يقول بعدها القارئ : هنا يقف القلم عاجزاً عن اكتشاف أي لغةٍ أبدع ، أو ترتيبُ وصفٍ أمتع من هذا الذي أقرؤه الآن ..! ثم ما يلبث ان يأتينا سيل البحري العرم في لغة قال فيها الشاعر : فاسألوا الغواص عن صدفاتي .. والبحري هنا هو الغواص والشاعر والكاتب والصحافي والسياسي اللامع ..
يمكننا القول ، أن البحري حينما غادر برلين بعد سقوط الرايخ الثالث وانتصار الحلفاء سنة 1945 ، استقر (مؤقتاً) في باريس وأسس هناك جريدة (العرب) التي نقل امتيازها فيما بعد إلى بيروت . وتعدّ في نظرنا هذه الخطوة (التجربة الأولى) في العالم العربي لإصدار جريدة في المهجر (عدا تلك التجارب التي قام بها السوريون واللبنانيون في أميركا الجنوبية
- البرازيل والأرجنتين-) .
زامل (غوبلز) وزير دعاية هتلر و (غوبنتروب) وزير خارجيته ، واستحوذ على عواطف (هملر) مسؤول الجستابو (حرس الإس إس) الرهيب .
وفي أثناء احتدام الصراع بين الأطراف الدولية المتحاربة ، وفي أتون جحيم الحرب العظمى الثانية ، وقف البحري إلى جانب المعسكر النازي مهاجماً الحلفاء ومن كان يقف معهم من حكام العالم العربي . وإذ كان يمتدح سياسيين عراقيين واضعاً إيّاهم في خانة المرضي عنهم أيام كان في بغداد ، انقلب عليهم وهو في برلين ، لاعناً إيّاهم ، مبعثراً خطاياهم ورزاياهم هنا وهناك ، من مثل الكيلاني رشيد عالي والسعيد نوري والمدفعي جميل .
وقام أيضاً بالقدح في شخصية الأمير عبد الإله الوصي على عرش العراق ، فضلاً عن عمّه الأمير عبد الله أمير شرقي الأردن ، ناعتاً إيّاهما بأقذع النعوت ، ثم صار فيما بعد وأن حصل على عفوٍ خطيٍ منهما كليهما ، ليعود إلى الأردن يعمل مستشاراً لإذاعتها وموظفاً لدى الديوان الملكي الأردني ... !!
فاز في مباراة عالمية بالجائزة الأولى لعبور مضيق جبل طارق سباحة ، فحصل على الميدالية الذهبية . عمل في إذاعة بغداد لصالح حلف بغداد في الخمسينات ، فكان يكتب المقالات اللاهبة والتعليقات الساخرة ضد مصر عبد الناصر ويذيعها بنفسه من دار الإذاعة العراقية فتنشرها الصحف الموالية للنظام الملكي في اليوم التالي من مثل صحيفة الشعب لصاحبها يحيى قاسم وصحيفة الحوادث لصاحبها عادل عوني وصحيفة الزمان لصاحبها يوسف السمعاني وصحيفة البلاد لصاحبها روفائيل بطي .
وقف أمام محكمة المهداوي شاهداً على الفريق الركن رفيق عارف رئيس أركان الجيش واللواء الركن غازي الداغستاني . وبعد أن قضى أشهراً في سجن الموقف في بغداد (السجن المركزي) في باب المعظم جنباً إلى جنب رجال العهد الملكي من مثل توفيق السويدي وأحمد مختار بابان وسعيد قزاز وأحمد مرعي وخليل كنه وفاضل الجمالي وبرهان الدين باشا أعيان ... خرج من السجن بعفو خاص وغادر العراق بجواز سفر منحه إيّاه عبد الكريم قاسم، بشرط مفروض عليه ... نكث به البحري حال وصوله إلى بيروت ، لينشر غسيل الحكم على حبل كتابه الموسوم (سبعة أشهر في سجون بغداد) وينزع اللثام عن غثاثة عقول مجموعة من رجال العهد الملكي وتفاهاتهم ...
لقد كان من طبع يونس بحري الرضوخ للأقدار والصمود بوجه عواصف الأيام وصفعاتها . فلم يتوانَ عن فتح مطعم لبيع البيف بيركر والشاورمة (مطعم بوران) بمساعدة صديقه الصحافي الموصلي عادل عوني صاحب جريدة الحوادث ذائعة الصيت كما أسلفنا ، الرجل الذي كان يقاسمه الزنزانة نفسها في سجن الموقف .
لقد اختار البحري لمطعمه ذاك مكاناً ستراتيجياً مهماً يقع في الساحة الممتدة أمام فندق بغداد (أشهر فنادق بغداد والعراق في تلك الحقبة) من طرف شارع أبي نؤاس غداة خروجه من سجن الموقف ، كونه كان في أمس الحاجة إلى الفلس الأحمر الواحد ...!!
لقد احترف وظيفة المؤذن وصار إماماً في المصلين ، فضلاً عن طباخ في سجن الموقف وأبى على نفسه أن يركن إلى الندم والتأسف على ما صار إليه الحال وآل ... ولا البكاء على الأطلال (كما فعل سواه من أركان سياسة العهد الملكي) . بل أن من عادة يونس بحري عندما تسوء الأمور ... يبدأ بترتيب أمور الزنزانة ومحاولة مصادقة السجان ...! وإلاّ فلا سبيل لغير الدموع تذرف والحسرات تزفر على ما فات كما فعل كثيرون غيره ... فلم يحصدوا سوى الإحباط ... وما جنوا غير الخذلان ...!
آراء صحفيين وأصدقاء في يونس بحري :
في مقابلة أجريتها مع الكاتب الموسوعي " زهير أحمد القيسي " في مكتبه في مجلة ألف باء في وزارة الأعلام العراقية يوم السبت المصادف 25 تشرين الأول سنة 1997 ، وأثناء إشارتي في معرض الكلام عن الخلاف الذي حصل بين " البحري " من جهة و " علي الخاقاني " ناشر كتابه (أسرار حرب 2 مايس سنة 1941) ... قال القيسي أن كليهما كذّاب فالتقيا على هذا الأساس ... لا بل أن الخاقاني يفوق البحري في دجله وحيله .
ويمضي القيسي في سرد ذكرياته عن البحري قائلاً : كان لي صديق يدعى " هاشم النجفي – أبو تمارة " وهو من الكادر الشيوعي القديم الذي أكل الدهر وشرب على وجهه وسحنته بما تركه من آثار واضحة . وقد كان النجفي من الأصدقاء الألدّاء للبحري ، لكنهما كانا على طرفي نقيض . فبحسب الأول من الشيوعيين القدامى والثاني محسوب على النازيين، فقد كانت تحدث بينهما سجالات كثيرة وهوسات نقاشية يتخللها العياط والصياح والمسبّة ... ويتبادلان أثناءها أقسى أنواع الشتائم ...!
ويضيف القيسي متحدثاً : كان بودّي أن أجمعهما بحضوري وأرتّب لهما برنامجاً لحوار هادئ يحكي فيه كل واحد منهما عن عميق ذكرياته وخلاصة آرائه ، ويسفِّه ما شاء له التسفيه في آراء الآخر ، على أن يتم ذلك بشكل ندوة مصغرة أكون أنا فيها (القيسي) الحكم والمحاور . لكن خطتي مع شديد الأسف لم تر النور ولم أستطع جمع (هاشموف) كما كان يدعوه البحري متفكهاً وصديقه اللدود (النازي) ... بل ذهب كلاهما إلى لقاء ربّه وهما في حالة من حالات أرذل العمر ...
يقول عنه صديقه الصحافي البغدادي (صادق الأزدي) : تعرّفت على الأستاذ يونس بحري في بيروت في أوائل الخمسينات بعد عودته من باريس ونقل امتياز (جريدة العرب) إلى بيروت فلم أجد مثله بين كل من عرفت ..! فهو صديق سامي الصلح رئيس وزراء لبنان الأسبق ، وصديق عفيف الصلح نقيب الصحفيين اللبنانيين الأسبق كذلك ، ثم هو وطيد العلاقة ببائع الشاورمة في ساحة البرج . وقد زعم لي البحري انه مستقر الآن مع زوجته اللبنانية ، ويضيف الأزدي قائلاً : انه ذكر لي حكاية تعدد زيجاته من امرأة واحدة على الأقل في كل بلد حلَ به في أثناء تطوافه في قارات الدنيا ، وقد زعم (البحري) انه تزوج من (مئة وعشرين امرأة) ، وانه لا يعرف على وجه التحديد الأولاد والبنات الذين أنجبهم منهن ..!
وعندما عاد إلى العراق في أواسط السبعينات كان يعيش على هامش الحياة ، إذ لا صلة له بولد أو بنت أو قريب ، لأنه هو نفسه لم يهتم بهم أيام (مجده) ..!! وبعد كل هذا أستطيع ان أقول رحمه الله ؟!! .
تعقيب :
ورد اسم عفيف الصلح نقيب الصحافيين اللبنانيين والصحيح هو عفيف الطيبي ، أما اسم آخر زوجاته فهي اللبنانية واسمها سميرة ونحتفظ بأرشيفنا بصورة تجمعها وأسرة البحري من إخوته وأولاد عمومته عند زيارته الموصل في الخمسينات . اما بالنسبة لعدد زوجاته فقد ذكر بعظمة لسانه في تسجيل صوتي نحتفظ به انه تزوج من (104 امرأة) لا غير ... !!
أما قول الأزدي في البحري عن كثرة تناقضاته وازدواجيته وهل سيرحمه الله ام لا ! فنقول نحن الباحث أننا لا نملك إلا ان نطلب لنا وله المغفرة وبإذنه تعالى ، فهي ليست مثلبة في حق (البحري) ان يعاشر أصنافا شتى من الناس ..! لكنها قوة في شخصيته ، ونقطة ايجابية تحسب له وليس عليه ، فعندما اتصل بالأمراء والشيوخ كان حاضرا بذاته وطول قامته، ويوم صادق السياسيين كان جهوراً في محبته .. كما كان منصفاً مع زوجاته وكريماً مع غيرهم ..!! فليرحمه الله وإيانا ، فكلنا بشر ، أما يونس بحري فكان من جنس بشر خارج على المألوف .. غريب .. جد غريب ..!!
نشرت مجلة الأسبوع العربي مقالاً مقتضباً للمحرر أسعد السمّان جاء فيه الآتي : نشر أحد أصدقاء يونس بحري من الصحفيين اللبنانيين وإسمه (أديب ...) نعياً في مجلة السياحة اللبنانية ليونس بحري وعنوانه كما يأتي : (الرجل الذي مات في رمال الصحراء ... دون أن يحس به أحد . ووصلت مجلة السياحة إلى أبو ظبي ... فقرأ يونس نعيه فيها . وروى يونس لبعض الأصدقاء أنه أراد امتحان إخلاص (الصحافي أديب) في مدى عاطفته الجيّاشة ، فنجح الصحافي فيما جاش به مقاله ، فكتب له رسالة شكر على هذا الرثاء . ودعاه إلى أبو ظبي ليتأكد بنفسه أنه لا يزال على قيد الحياة . ويكمل أسعد السمان مقاله قائلاً : والطريف أن الشيخ زايد بن سلطان حاكم أبو ظبي سأل يونس عن خبر موته وقدّم إليه تعازيه على سبيل المزاح . وعندما زارت أم كلثوم أبو ظبي أخيراً ، قام يونس بزيارتها في فندقها . ولم يكد يطل عليها في جناحها في فندق العين ، حتى بادرته قائلةً : " البقية بحياتك " ، ثم استطردت تمازحه " كيف بُعثتَ من جديد؟ " فأجابها : " عندما سمعتُ أنكِ ستغنين في أبو ظبي " . والطريف أن يونس قد تزوج أخيراً الزوجة رقم (91) وهي سورية من عائلة معروفة وتعيش معه الآن في أبو ظبي .
شهادة سعد الدين فاضل الموصلي في آخر أيام يونس بحري :
شهادة بحق يونس بحري من شخص رافقه في رحلته الأخيرة على سلالم الحياة ، وأسكنه أشهراً في غرفته في زقاق يقع في منطقة البتاوين قرب جامع الأورفلي . وقد زرنا النزل – نحن الكاتب – مرتين ، مرة بعد أن توفي يونس بحري ، فقابلنا سعد الدين فاضل ... ومرة ثانية وقد طال بنا الشوح ، فلما زرنا النزل علمنا أن سعد الدين فاضل قد انتقل هو الآخر بدوره إلى جوار ربه ... فما كان منّا إلاّ أن نتجاذب أطراف الحديث مع سكان النزل وهم من قصبة تلكيف – جوار الموصل – وحدّثونا الشيء الكثير عن المرحومين ...
يقول المدعو سعد الدين فاضل – يعمل في الإخراج الكمركي – :
كنتُ من المعجبين بيونس بحري والمتتبعين لتأريخ حياته ، ثم صار أن التقيته وقد تخلى عنه الأهل والأصحاب والأصدقاء والخلاّن . فوصلني بعد أن سلبوه كل ما عنده من حاجيات وميداليات وأوسمة وهدايا ثمينة من ساعات وخواتم من ذهب وألماس ما عدا جواز سفره . وقد سعيتُ له في دوائر الدولة متتبعاً معاملة تقاعده لدى نقابة الصحفيين العراقيين ، حتى أنجزتُ له معاملة التقاعد . وبعد أن قبض البحري تقاعده (لثلاث سنوات سابقات دفعة واحدة) تخلى عني ولم أعد أراه .
تعقيب :
شاهدتُ - أنا الكاتب – بعينيّ الأمر الإداري الخاص بتقاعد البحري وبتوقيع وزير الإعلام لطيف نصيف جاسم ، وينص على تخصيص مبلغ قدره (104) ديناراً شهرياً تقاعداً للصحافي يونس بحري صالح الجبوري . ومما يجدر ذكره أن النزل المنوّه عنه في أول كلامنا يقع تقريباً في منتصف الشارع الثاني الذي يعقب جامع الأورفلي في منطقة البتاوين ونحن ذاهبين باتجاه تمثال عبد المحسن السعدون .
ويكمل سعد الدين قائلاً :
خرج البحري في يوم من الأيام من غرفتي (النزل) كعادته ذاهباً إلى (بار سرسنك) الواقع في ساحة النصر قرب تمثال عبد المحسن السعدون وعلى تفرّع زقاق فرعي يؤدي إلى شارع أبي نؤاس . لكن يونس لم يعد في آخر الليل كما يفعل دائماً . وعندما قصدتُ المكان واستفسرتُ عنه أشاروا إلى مكان قريب ، فرأيتُه يجلس على الرصيف قبالة البار وهو في حالة ثمل شديد . ثم علمتُ أنه لما يجنّ الليل ينام على الرصيف ويقضي حاجاته الجسدية بالقرب منه . ولما حاولتُ إعادته إلى غرفتي رفض ذلك رفضاً قاطعاً وهو لا يعي من أمره شيئاً . وبقي على هذه الحال أربعة أيام بلياليها ، ثم علمتُ أنه فقد وعيه تماماً فيما بعد ... والناس تمر به ولا أحد يسأل عنه . ثم صار أن نقله أهل الإحسان بواسطة سيارة اسعاف إلى مستشفى الراهبات في الكرادة ، إذ بقي فيها يومين أو ثلاثة إلى أن صعدت روحه إلى بارئها... ودُفن في مقبرة الغزالي – جناح السبيل بتأريخ 30 أيار سنة 1979 كما ثبت لنا .
تعقيب :
زرتُ في رحلتي التي سألتُ فيها عن متعلقات يونس بحري مستشفى الراهبات سنة 1996. وقابلتُ رئيس المستشفى ومدير الإدارة فيها أسألهما عن (الطبلية) الخاصة بالنزيل يونس بحري... فحاول كلاهما مساعدتي ، إلاّ أنهما والمساعدين لم يتمكنا من العثور في المخزن الكبير على تلك الطبلية لكثرة الكواني والأكياس ... فضلاً عن قِدم المدة الزمنية ...
وقد أيّد هذه الرواية زهير احمد القيسي الذي أضاف قائلاً :
رأيتُ البحري بنفسي أثناء مراجعته لموضوع التقاعد في أروقة الإذاعة العراقية في الصالحية في أواخر أيامه ، وهو يسعى لمقابلة ابنه المخرج المسرحي (سعدي يونس) . وعندما مرّ الابن بالاستعلامات ورأى والده ، صدّ عنه راجعاً باتجاه آخر . وعندما ناداه الأب: تعال يا سعدي ... أنا والدك ...؟! إلاّ أن سعدي لم يعره اهتماماً ، الأمر الذي دفع بالبحري الأب أن يقوم من غرفة الاستعلامات راكضاً بإثره صارخاً : هذا مو ابني ... هذا (...) . وكان هذا آخر لقاء بواحد من أهله وأقاربه ...
فليرحمنا الله ... وليرحم البحري يونس ، فقد كان عصامياً داهية ومحدثاً مؤنساً ، شيمته الوفاء لكل أصدقائه ومعارفه من العاملين في حقول السياسة والصحافة والأدب . لقد شحذ هِمم المسؤولين لإنقاذ احمد الصافي النجفي الشاعر في مشفاه في بيروت . وتوسّط لدى الشيخ رضا الشبيبي وزير المعارف لقبول طلبة من سوماطرا يدرسون في مدارس العراق وعلى نفقته . وهاجم جريدة المصري ومجلة آخر ساعة المصريتان لأنهما تهجمتا على العراق . ولم تسلم الصحف البريطانية من قلمه الجريء ولسانه الشجاع .
رجل ذو خيال خصب ، لو عمل في الإخراج السينمائي أو في كتابة الرواية ، لكان له شأن آخر ... ولما قيل فيه : (صحافي ... سياسي ... بهلوان !!) ... لأننا لم نسمع أحداً قال عن (هيتشكوك) أو (أجاثا كريستي) ... أنهما بهلوانين ...
******
سلطان يزوجني رغم إرادتي !
بقلم السائح العراقي
الأستاذ يونس بحري
مر بمصر أخيراً الأستاذ يونس بحري المعروف بالسائح العراقي ، في طريقه إلى الحجاز ومنها إلى اليابان فأمريكا للإشراف على تنظيم القسم العراقي بمعرض نيويورك . وفي هذا المقال يحدث السائح العراقي قراءة الاثنين عن بعض الطرائف التي صادفته حول الكرة الأرضية .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
قراءة معمّقة في حياة السائح العراقي يونس بحري + صور
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البيت الآرامي العراقي :: كرملش , ܟܪܡܠܫ(كل ما يتعلق بالقديم والجديد ) وبلدات وقرى شعبنا في العراق Forum News (krmelsh) & our towns & villages :: منتدى تاريخ شعبنا والتسميات وتراث الاباء والاجداد Forum the history of our people & the legacy of grandparents-
انتقل الى: