البيت الآرامي العراقي




البيت الآرامي العراقي

سياسي ِ ثقافي ِ أجتماعي


 
الرئيسيةالرئيسيةبحـثالتسجيلarakeyboardsyrkeyboardدخول

شاطر | 
 

 الشالجي: «الجواهري شيخ شعراء العربية بلا منازع»

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
كريمة عم مرقس
عضو فعال جداً
عضو فعال جداً



الدولة : العراق
الجنس : انثى
عدد المساهمات : 24429
مزاجي : أحب المنتدى
تاريخ التسجيل : 31/01/2010
الابراج : الجدي
التوقيت :

مُساهمةموضوع: الشالجي: «الجواهري شيخ شعراء العربية بلا منازع»   الجمعة 22 يوليو 2011, 7:27 pm

الشالجي: «الجواهري شيخ شعراء العربية بلا منازع»


رشيد الخيون





|
Published
July 22, 2011

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]بعد
أيام ستحل الذكرى الرابع عشر لرحيل شااعر العراق الأكبر محمد مهدي
الجواهري، ولم أجد في هذه المناسبة من تخليد هذه القمة السامقة إلا بما
قاله فيه المحقق والقاضي عبود الشّالجي. فقبل أحد وعشرين عاماً دعا ديوان
الكوفة بلندن، برعاية منشئه المعمار المعروف محمد مكية، أطال الله بعمره،
إلى حفل تكريم للشاعر محمد مهدي الجواهري(ت 1997)، وكان المحقق والمحامي
والقاضي عبود الشالجي (1911-1996) أحد المدعوين للمشاركة، فأعد مداخلة
وسمها بعنوان: «الجواهري شيخ شعراء العربية بلا منازع»، مؤرخة في (2 مارس
1989)، وبما أنه لم يحدد زمناً لمشيخة شاعرنا فأحسبه ذهب إلى إطلاق عنوانه
على الأعصر كافة، وما ولدته وتلده من جهابذة القوافي.



ظلت المداخلة مطوية، بخط يد الشالجي، في أرشيف ديوان الكوفة. وبالمصادفة
عثرت عليها في ملف الجواهري، الذي لم يفتح منذ أن أُغلق في ذلك العام،
وفيه مشروع يليق بتكريم كبير بحجم الجواهري. والمحقق عبود الشالجي أحد
معاصريه، ومن المعجبين بشعره أيام كان للشعراء أنصار يتلقطون قوافيهم
وأخبارهم.

تراث الشالجي
المحقق عبود الشالجي مؤلف ومحقق لمجلدات من الكتب، هي: «موسوعة العذاب»
سبعة مجلدات، و«الكنايات والأمثال البغدادية» ثلاثة مجلدات، ومحقق كتابي
«نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» ثمانية مجلدات، و«الفرج بعد الشدة» خمسة
مجلدات، وهما من انشاء القاضي أبي علي المُحسَن التنوخي. وحقق «الرسالة
البغدادية» لأبي حيان التوحيدي، وهو الذي أعاد هذا الكتاب لاسم صاحبه
الحقيقي، بعد أن كتبه التوحيدي، كعادته، باسم مستعار هو أبو مطهر محمد بن
أحمد الأزدي، وطبع تحت عنوان «حكاية أبي القاسم البغدادي»، ولو قلبت مكتبات
الدنيا ومعاجمها ما وجدت للأزدي من سيرة أو أثر.
كذلك ألف الشالجي كتباً في مختلف الموضوعات التاريخية النادرة: «الرواتب
في الإسلام»، «المائدة في الإسلام»، «الأثمان في الإسلام»، «الألقاب»،
«الخبر بين صاحب الخبر وصاحب البريد»، «طرائف» بثلاثة أجزاء (ما عاينت، ما
سمعت، ما قرأت)، «آخر ما قالوا» و«كيف ماتوا». أحرقت مخطوطات هذه الكتب
كافة، إثناء الحرب الأهلية اللبنانية، حيث كان يقيم ببلدة بحمدون. وآخر ما
حاول اتمامه جمع ديوان الشاعر الحسين بن الحجاج(391هـ)، إلا أن الفالج منعه
من الحركة، هذا ما أخبرني به في آخر لقاء معه بلندن.
الشالجي من القضاة والمحامين المعروفين بالعراق، وكان كاتب ضبط محضر
جلسة البرلمان العراقي، التي أنتحر على أثرها رئيس الوزراء عبد المحسن باشا
السعدون (1929)، وكاتب ضبط قضية التجسس على الرسائل البريدية المعروفة
آنذاك. وبسبب خلافات مع وزير العدلية في الأربعينيات رشيد عالي الكيلاني(ت
1965) استقال من القضاء ليتفرغ للمحاماة، وقد عرف ببغداد بلقب المحامي.

نصير الجواهري
أما رأيه وعلاقته بالجواهري فستفصح عنه كلمته التالية، وبالعنوان الذي
ورد فيها «الجواهري شيخ شعراء العربية»، ولعلها ترد على من يحاول الطعن
بشخص الجواهري، ويحاول النيل من موهبته الفذة. ونجد في الرسالة تكرار عبارة
«أستاذنا» وكلمات الثناء الأخرى، فالشالجي يكتب مثلما يتكلم، وأسلوبه
بالكتابة متأثراً بقراءاته من كتب الأقدمين، وبالذات القاضي التنوخي(ت
384هـ). لكن هذا زاد من قيمة المداخلة، وما ورد فيها من تحليلات لشخصية
الجواهري وانعكاسها في شعره. كما وردت في أبيات الشعر المستشهد بها
تغييرات، تركناها كما هي وأشرنا إلى أصولها في ديوان الجواهري، طبعة بيروت
دار العودة. ولعلَّ الشالجي أقتبسها من مظان أخرى، قد غيرها الشاعر إثناء
التنقيح.

نص المداخلة:
الأستاذ محمد مهدي الجواهري، الشاعر العبقري، شيخ شعراء العربية بلا
منازع، لا يجادل في ذلك إلا جاهل أو مكابر. والعبقرية هبة من الله، يودعها
فيمن أراد من عباده. فإذا لاقت بيئة مناسبة وظروفاً صالحة نمت وأينعت وآتت
أكملها. وأستاذنا الجواهري نشأ طالب علم، من طلاب الحوزة الدينية، في جامعة
من أعظم الجامعات في العلم في تدريس الفقه الإسلامي وعلوم العربية. ونشأ
معه الآلاف من الطلبة في مثل سنّه، وفي مثل هذه بيئته وظروفه، وتخرج معه
شعراء وأدباء وفقهاء وقضاة. ولكن أستاذنا الجواهري كان فيهم المبرز في
الشعر، لأن عبقريته في هذا الموضوع صادفت بيئة مناسبة وظروفاً صالحة.
والشاعر العبقري شعره مرآة عصره، ومرآة نفسه، وكذلك كان أستاذنا
الجواهري. فلو أن أحداً من بعد ألف من السنين قرأ شعر الجواهري لأستدلَّ
منه على صفاته، وعلى ما يأنس له وما يضيق به، ولأفاد في قراءة شعره علماً
تاماً بمجريات الأمور في زمانه. فإذا قرأ قارئ قصيدة الجواهري في رثاء
زوجته أم فرات، رحمها الله، أحسَّ عند قراءتها بعاطفة الحزن الملتهبة في
أعماقه، وبما كان يعانيه قلبه المتفطر، وكبده المتفجر، قال:
في ذِمَّة الله ما ألقى وما أجِدُ
أهذه صخرة أم هذه كبدُ
قد يقتل الحزنُ مَنْ أحبابهُ بعُدوا
عنه فكيف بمن أحبابُهُ فقدو
حُيِّيت «أم فراتٍ» إنّ والدةً
بمثل ما أنجبت تُكنى بما تَلد(1)
الصراع مع البيئة


إنّي ما قرأت هذه الأبيات وأنا خال إلا وفاض دمعي فإنها تنم عن قلب
يذوب فيقطر. وإذا قرأ القارئ قصيدة الأستاذ الجواهري في شكوى حاله وهو شاب،
وحديثه عن ضيقه بجفاف عيشه، ورغبته في التمتع بما يتمتع به الشاب من مناعم
الحياة أدرك أن أستاذنا الجواهري كان يعيش وسط بيئة متزمتة تسيطر عليها
تقاليد تحول بينه وبين ما يرغب فيه من المتع، قال:



قد سئمت الجفاف في العيش


لا رشفة ثغرٍ ولا نعومةُ خدّ


ووردة في حديقةِ الشعر أهويها(2)


إلى مُطمعي بقطفةِ ورد


ليس عندي أعزُّ منها وحسبي
أنّني خيرُ ما تملكتُ أُهدي
اشتهي عُلقةً بجبلِ غرامٍ


أوصليها(3) ولو بكاذبِ وعد


ويستدل القارئ عند قراءة هذه الأبيات على ما كان يحيط بالأستاذ الجواهري
من حجب فرضتها التقاليد. فإن أستاذنا نشأ في أسرة دينية، وكان جد الأسرة
الشيخ محمد حسن، المتوفي في السنة 1266هـ، مرجع الشيعة الإمامية في عصره،
وعرف بصاحب الجواهر لمؤلفه المشهور «جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام».
وهذا الكتاب من أعظم مراجع الفقه الجعفري، فعرفت العائلة بآل الجواهري،
ووصل الكثير من أفرادها إلى درجة الاجتهاد، وأصبحوا من المراجع في أمور
الدين.
رأيتُ منهم الشيخ الأجل محمد الجواد الجواهري في النجف، وكنتُ غذ ذاك
حاكماً (قاضي) في منطقة أبي صخير المجاورة للنجف في السنة 1935. وكان رحمه
الله مرجعاً من المراجع المهمة في أمور الدين وفي أمور الدنيا، إذ كانت
السلطات تستنير برأيه في كل معضلة يحتاج فيها إلى الاستئناس بآراء ذوي
الحكمة والرأي السديد. ومثل هذه العائلة لا بد أن يخيم على أفرادها جوّ من
المحافظة على التزام التزمت في ظروف حياتهم. وكان أستاذنا وهو شاب يرغب أن
يتمتع بمباهج الحياة، ويضيق بما يلاقيه من تزمت في ذلك الجو المحافظ، فكان
شعره الذي أوردنا آنفاً نبذة منه يدل على ذلك. إن قراءة شعر أستاذنا
الجواهري توضح لنا أن نفسه الكبيرة كانت تدافع في طموح لا يحده حدٌّ إلى
الأعلى. فإذا في طريقه عقبة ثار وأهتاج، وصب جام غضبه على من أقام تلك
العقبة وقال:
قبل أن تندب(4) النبوغ المضاعا
سُبّ من جرّ هذِه الأوضاعا
سُبَّ من شاء أن تموت وأمثا
لك هّماً وأن تروحوا ضَياعا
سُبَّ من شاء أن تعيش فلولٌ
حيث أهل البلاد تقضي جياعا
فإذا زادت العقبات في طريقه فاض غضبه واشتدَّ وقال:
أُحاولُ خرقاً في الحياة فما أجرا
وآسفُ أن أمضي ولم أكتسب ذكرى(5)
ويُؤلمني فرطُ أفتكاري بأنني
سأذهبُ لا نفعاً جلبت ولا ضُرّا
مضت حِججٌ عشرٌ ونفسي كأنها
من الغيظ سيل سدَّ في وجهه المجرى
خبرتُ بها ما لو تخلَّدتُ بعدَه
لما أزددتُ علماً بالحياةِ ولا خُبرا
وأبصرتُ ما أهوى على مثلهِ العمى
وأُسمعتُ ما أهوى على مثله الوَقرا
وعُدتُ ملىّ الصَّدرِ حِقداً وقُرحةً


وعادت يدي من كلِّ ما أمَّلتْ صِفْرا


ملاقاة الأذى


ويحاول الشاعر أن يجد لنفسه عذراً في صبره وسكوته عما يلاقي من الأذى فيقول:
أقولُ اضطراراً قد صبرتُ الأذى


على أنني لا أعرِفُ الحُرّ َمضطرّا


وليس بحُرٍّ من إذا رامَ غايةً


تخوَّفَ أن ترمي به مَسلكاً وعْرا


وما أنتَ بالمُعطي التمرُّد حقه
إذا كنت تخشى أن تجوع وأن تَعرى(6)
صدق أستاذنا الجواهري:
وما أنت بالمعطي التمرّد حقّه


إذا كنت تخشى أن تجوع وأن تعرى


هذا البيت يشتمل على وصف عجيب (كلمة معروفة) ومقاومة الاضطهاد والجور
والنزوع إلى الحرية، والانطلاق نحو حياة أفضل. وأستاذنا الجواهري يعترف في
شعره بأن طموحه لا حدَّ له، وأنه كلما ارتقى إلى مرتبة من مراتب الحياة طمح
إلى مرتبة أعلى منها، وهو يقول:
حُبيتُ بنَدمانٍ وخمرٍ فساءني(7)


بأني لا مُلكاً حُبيتُ ولا قصرا


ولو بهما مُتّعتُ لم ألفَ([ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة] ساخطاً


على الدهر إذ لم يَحْبُني حاجةً أخرى


وإذا قرأ القارئ شعراً للأستاذ الجواهري يعترف فيه بأن وجهه حزين
الملامح، يشعر أن أستاذنا مصاب بعقدة من العقد، وهو إحساسه بأنه ليس
بالوسيم الوجه، ذلك لأنَّ في وجهه أثر من الجدري أصابه في صباه، فنثر على
وجهه ندباً لم تشن وجهه، ولكن شعوره بوجودها كان عظيم الأثر في نفسه، وقد
تعلق أستاذنا بغانية كانت قد تربعت على عرش الغناء في بغداد، ولاقى منها
عناية واهتماماً. ولكنه كان يرغب في هو أكثر من العناية والاهتمام، كان
يرغب في أن تهواه كما كان يهواها. وهو في إحدى قصائده يعترف لها بأنه ليس
بالوسيم، ولكن محاسنه الأخرى تغطي على النواقص البيّنة في ملامح وجهه
الحزين، قال:
جرّبيني من قبل أن تزدريني


وإذا ما ذممتني فاهجريني


ويقيناً ستندمين على أنّك
من قبل كنت لم تعرفيني(9)
أريد أن تلاحظ أنّ كلمة «يقيناً» الواردة في هذا البيت تدلُّ دلالة
قاطعة على أن الأستاذ الجواهري قد طلب العلم في النجف فأنَّ هذه الكلمة
مقصور استعمالها على من طلب العلم في النجف، لا يستعملها غيرهم.



لا تقيسي على ملامح وجهي


وتقاطيعه جميع شؤوني


أنا لي في الحياة طبع رقيق


يتنافى ولون وجهي الحزين(10)


وقد حدثنا أستاذنا الجواهري ذات ليلة، وهو يضحك، عن صاحب له عيَّره
بآثار الجدري في وجهه قال: «كنا ونحن شبان نطلب العلم في النجف نهتم، في
مناسبات الصيام والأعياد، برؤية الهلال، ونتسابق من أجل ذلك، وحصل ذات يوم
أن خرجنا إلى سور النجف _ وكانت النجف إذ ذاك مسوّرة _ نحاول رؤية الهلال،
فإذا رأيناه تشايرنا (هكذا وردت)، ولم يره أحد منا إلا واحداً من أصحابنا
أسمه الشيخ حسن، وهو أعور، قال إنه رآه، فأنكرنا ذلك عليه، فأصر وكابر،
وقلنا له: إن أحداً منا لم يره، فقال: ولكنني رأيته، فاغتظت منه وقلت له:
بأي عين رأيت الهلال يا شيخ حسن؟ فغضب وقال: رأيته من شبابيك وجهك،
يعيرَّني بآثار الجدري».

علب السكائر أوراقه
كنا في صيف السنة 1939 جماعة من شباب العراق نصطاف في حنهور الشوير من
لبنان، ودعينا إلى حفلة تقام في عين التعص بين بكفيا وحنهور الشوير،
بمناسبة اليوبيل الفضي لمجلة «العرائس»، التي تصدر في بكفيا. واقترحنا على
أستاذنا الجواهري أن ينظم بهذه المناسبة قصيدة يحيي بها المجلة الأدبية
التي مرَّ عليها خمس وعشرون سنة، فوافق، ولكن الشعر استعصى عليه، وكلنا
نعرف عن أستاذنا الجواهري أنه إذا أتاه الشعر أن يسجل رؤوس الأبيات على ظهر
علبة سكائره، ولكن إذا أبصرنا ظهر العلبة خالياً من الكتابة أدركنا أنه لم
يواته شيء. ولكنه في اليوم الأخير قبل يوم الاحتفال وأتاه الشعر، وأبصرنا
رؤوس الأبيات مدوَّنة بالقلم الرصاص، وألقى الأستاذ الجواهري في ذلك
الاحتفال قصيدة كانت كعصا موسى، لاقت الدهشة والإعجاب الشيء العظيم، بدأها
بقوله في وصف لبنان:
ارجعي ما استطعت لي من شَبابي


يا سُهولاً تَدثَّرتْ بالهضابِ


غسل البحر أخمَصيْها ورشَّتْ


عبِقاتُ النَّدى جشباهَ الرَّوابي


واحتواها «صِنيّنُ» بين ذراعي ـه
عَجــوزاً له رُواءُ الشَّباب
كلَّما غامَ كُربةً من ضباب
فرّّجتْ عـن قبلة مــن شهاب
والقرّيات كالعرائس تجُلى
كلَّ آنٍ تــلوحُ فــي جِلباب
من رقيقِ الغُيوم(11) تحت نقاب


ومن الشمس غضّة في إهاب


وهي في الحالتين فِتنةُ راءٍ
بين لونين من مُشعٍّ وكاب(12)
والكروم المعرِّشات حُبالى
مُرضعاتٌ كرائم الأعناب
رافعاتُ الرؤسِ شُكراً وأخرى
ساجداتٌ شُكراً على الأعتاب
كيف لا ترقصُ الطبيعةُ في أر
ضٍ ثراها مخضَّب بالشراب
إني لم أجد شعراً وصف به لبنان مثل هذا الوصف. وأستاذنا الجواهري وإن
كان مبرزاً في جميع أغراض الشعر إلا أنه في الوصف لا يلحق به لاحق.
الإعتداد بالنفس
أنظر إلى قصيدته في مهرجان المعرَّة، فإن أحداً من الشعراء قبله أو بعده
لم يصف أبا العلاء كما وصفه الجواهري وصفاً بالغ العظمة والإبداع في إيجاز
لم يتجاوز بيتين اثنين، قال:
على الحصيرِ وكوزُ الماء يرفدُه


وذِهنُه ورفوفُ تحمِل الكتبا


أقام بالضَّجَّةِ الدُّنيا وأقعدَها


شيخٌ أطلَّ عليها مُشفقاً حَدِبا(13)


وفي هذه القصيدة بيتان يوضحان لنا مقدار اعتداد الشاعر بنفسه وبشعره، فقال يخاطب أبا العلاء:
«أبا العلاء» وحتى اليوم ما بَرحتْ


صنَّاجةُ الشّعر تُهدي أالمترف الطَّربا


يَستنزلُ الوحي من عليا سما وتد(14)


رأسٌ ليمسحَ من ذي نعمةٍ ذنَبا


وهو في البيت الأخير لم يقتصر في تعاليه على اعتبار نفسه رأساً، وإنما
جعل لذوي النعم أذناباً. وشعور أستاذنا الجواهري بعلو شأنه وارتفاع مقامه
دفعه إلى اختيار الموضع البارز حتى في جهنم. فإنه في قصيدته التي بعث بها
إلى غانيته اختار لنفسه موضعاً بارزاً في جهنم، ولم يكتف بذلك حتى أتخذ
لنفسه في ذلك الموضع وزير ميمنة ووزير ميسرة، قال مخاطب غانيته:
وستغرينَ بالمحاسنِ رُضواناً


فيُلقيكِ بيـن حـورٍ وعِين


وأنا في جهنَّم مع أشيا
خٍ غُواةٍ بِغيِّهم ظلمونـي(15)
عن يساري أعمى المعرّة والشي
خ الزهاوي مقعداً عـن يميني
استقر شاعراً
من مزايا أستاذنا الجواهري، وهي مزيّة تفرده عن كثير من الشعراء، أنه
استقر شاعراً لا معاً في جميع أطوار حياته في شبابه، وفي كهولته وفي
شيخوخته. والآن وقد عبر أستاذنا الثمانين فأن مريديه والمعجبين به يتمنَّون
له مزيداً من العمر في أتمّ صحة، ويسألون الله له عمر نوح، وهو دعاء لا
يستجاب. وإذا طويَّ سجل أستاذنا بعد عمر طويل فإنَّ من يرثيه له أن يستخرج
من شعره بيتاً ينطبق عليه تمام الانطباق وهو قوله:
على رغم أنف الموت ذكرك خالد


ترنُّ بسمع الدهر منك القصائد(16)


هوامش التحقيق:
([1]) قصيدة ناجيت قبرك، نظمت العام 1939.
(2) وردت في الديوان: أُهديها، والأبيات من قصيدة : تائه في حياته، نظمت العام 1932.
(3) وردت في الديوان أوجِدِيها.
(4) وردت في الديوان: تبكي. والأبيات من قصيدة: الدم يتكلم، نظمت العام 1931.
(5) ورد الشطر الثاني من البيت في الديوان كالآتي: وآسف أن أمضي ولم أبق لي ذكرى، والأبيات من قصيدة المحرّقة، نظمت العام 1931.
(6) القصيدة نفسها.
(7) وردت في الديوان: فغاظني، والأبيات من القصيدة السابقة.
([ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة] وردت في الديوان: ما زُلتُ.
(9) من قصيدة جربيني، نظمت العام 1929.
(10) القصيدة نفسها.
(11) وردت في الديوان: الغيوم. والقصيدة نشرتها مجلة العرائس وجريدة
الأنباء العام 1939 والمناسبة، حسب توضيحات الديوان، كانت عيد الزهور الذي
أقامته المجلة المذكورة.
(12) وردت في الديوان: وخابي.
(13) من قصيدة أبي العلاء المعري، نظمت العام 1944
(14) ورد الشطر الأول من البيت في الديوان كالآتي: يستنزلُ الفكر من عليا منازله.
(15) وردت في الديوان: غمروني، والأبيات من قصيدة جربيني.
(16) من قصيدة الزهاوي، ألقيت على قبر جميل صدقي الزهاوي، العام 1936.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الشالجي: «الجواهري شيخ شعراء العربية بلا منازع»
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البيت الآرامي العراقي :: الثقافية , الادبية , التاريخية , الحضارية , والتراثية Cultural, literary, historical, cultural, & heritage :: منتدى اعلام الطب والفكر والأدب والفلسفة والعلم والتاريخ والسياسة والعسكرية وأخرى Forum notify thought, literature & other-
انتقل الى: