البيت الآرامي العراقي




البيت الآرامي العراقي

سياسي ِ ثقافي ِ أجتماعي


 
الرئيسيةالرئيسيةبحـثالتسجيلarakeyboardsyrkeyboardدخول

شاطر | 
 

 مظفر النواب رائد الثورة العامية الحديثة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Dr.Hannani Maya
المشرف العام
المشرف العام



الدولة : العراق
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 37598
مزاجي : أحب المنتدى
تاريخ التسجيل : 21/09/2009
الابراج : الجوزاء
التوقيت :

مُساهمةموضوع: مظفر النواب رائد الثورة العامية الحديثة   الأربعاء 10 مارس 2010, 1:39 am

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
مظفرالنوّاب.. رائد الثورة العامية الحديثة
حسين سرمك حسن
-
من ميزات رواد الشعر الحديث (السياب ونازك أساسا ثم البياتي لاحقا) هو أنهم تتلمذوا في مراحلهم التمهيدية أو الانتقالية علي أيدي من سبقوهم من شعراء العمود وخصوصا الجواهري كما بيّنا اعترفوا أم أبوا ثم كان لهم شرف النهوض بالحركة التجديدية الثورية. لكن مشكلة النواب هو أنه انبثق هكذا.. النواب رائد الثورة العامية الحديثة في الشعر الشعبي وفارسها الوحيد..ومن أقوال الإغريق المأثورة هو : (عندما يجهز التلميذ.. يظهر أستاذه) وقد أسهم أساتذة العمود الشعري في إنضاج إمكانات تلاميذ الحركة الثورية الحداثية حتي استوي وجود هؤلاء علي سوقه ثم انقلبوا علي أساتذتهم بعد ذاك ولكن بقوا متعايشين معهم حتي يومنا هذا..والأبناء الثائرون أنفسهم استمروا في كتابة قسم من قصائدهم بالطريقة التي تمردوا عليها.في حين أن التلميذ مظفر حين نضج ، ظهر أستاذه وكان هذا الأستاذ ــ ويا للعجب ــ هو مظفر نفسه.
((حسّك عضّاني من شفافي))
(مظفر النواب)
من قصيدة (أوكح منّك)

((عندما يجهز التلميذ.. يظهر أستاذه))
(حكمة وردت في فيلم ــ زورو ــ )
في قصيدته (ثورتنا المقدسة) وهي من مجزوء التجليبة ،وكتبت في أواخر الخمسينيات ، يقول الشاعر الثائر (عبد الحسين الكصاد) في وصف الثورة العراقية وأبطالها الأشاوس وهو مؤرخ شاهد لأنه كان من المساهمين فيها :
ارجال اعراگنه ثارت ــ وسار النصر ويّاها
شبت للحرب نيران ــ وانشالت رواياها
# # #
من شالت رواياها ــ وشبّت للحرب نيران
يوم اتلثطعش شوال ــ وثلاثين بحزيران
ابيوم البرميثة الجو ــ انحاس أووّقفوا شعلان
إجو عشرة الظوالم ليه ــ أوكسرو باب مبناها
والقصيدة تقع في أكثر من (64) بيتا تنحو هذا المنحي المباشر الذي ل يزيد في تشكّله الظاهر عن كلام يومي وصفي أخذ شكل القصيدة ــ لا الشعر ــ من خلال التنظيم العروضي. لكن مظفر يقول في قصيدة (سفن غيلان ازيرج) وهي من قصائد الهم الوطني الفريدة التي لا يمكن قياسها علي أي أنموذج سابق :
((زلمنه تخوض مي تشرين..حدر البردي تتنطر
زلمنه اتحز ظلام الليل.. تشتل ذبحة الخنجر
زلمنه الماتهاب الذبح.. تضحك ساعة المنحر
يساگي الشمس من عينك.. ابعز الشمس حُب أخضر
لون حلّت نسمة الليل.. شعرك.. تنشگ العنبر
أحط الحجل للثوار.. گمره زغيره عالمعبر
وأشيّم أترف النجمات.. فوگ شراعكم تسهر
سفن غيلان ازيرج تنحر الذاري
لون ودّن سفنهم يمّك اخباري..))
ونحن هنا ولأول مرة في تاريخ الشعر العامي العراقي لا نجد أنفسنا أمام حديث يومي وصفي مباشر منحه التنظيم العروضي شكل القصيدة بل نجد أنفسنا نقف وبخشوع ودهشة أمام الشعر بجلاله المهيب. لأول مرة تأتي المفردة (نازكة) و (نظيفة) وهادئة يتكفل احتدام روح الشاعر المحبط الناقم المحتدم بتحميلها بألوان من الشحنات العاصفة. قبل مظفر من المستحيل عليك ــ وسيضيع جهدك هباء منثورا ــ أن تجد في الشعر العامي العراقي تراكيب من نمط الظلام الذي (يُحزّ) بأذرع الرجال الباشطة.. قبل النواب الخنجر يذبح ويقطّع ويميت ولكن علي يديه صارت عملية الذبح بالخنجر فعل (شتال) دوري عزوم ..لأول مرة ــ وبعد أن كانت اللغة تتلاعب بمقدرات الشاعر وفق أعرافها الإستعمالية اليومية الجمعية القاهرة ــ يظهر شاعر يتلاعب باللغة وفق قدراته الخلاقة العالية. قبل مظفر كان الشعر العامي بقواعده الإستعارية المحدودة وضيق أفق النظرة اللغوية والجمالية قد يتحمل صعود الفرد إلي ذري الشمس بشجاعته وجرأته، لكنه غير قادر ــ معرفيا وفنيا ــ علي استيعاب تركيب مجازي ثوري يسقي فيه الفرد عين الشمس ــ في عزّ جبروتها ــ حُبّا اخضر!! وفي أحشاء هذه الصورة الهائلة هناك تصوير تشكيلي عجيب غائر تتقابل فيه عين الفرد مع عين مفترضة للشمس!! ،كما كانت رؤية الشاعر الجمالية سابقا عاجزة عن أن تؤسّس لتناظر موغل في الجمال بين استدارة حجل الفتاة ــ الراوية في تحوّلها من كيان ماديّ محدود يحيط بالساق إلي عنصر كوني(كمرة) ــ رغم أنها (زغيرة) والتصغير عند النواب تكبير وتضخيم من خلال صدمة الجناس التشكيلي غير المحدود ــ عنصر شمولي التأثير يضيء للثوار طريق عبورهم نحو ضفة الخلاص. لقد دخل الشعر العامي وبصورة لا سابقة لها ساحة المجاز الشعري الحقيقية..فلم نجد قبل مظفر أن نجمة ترف فوق الشراع وتسهر بتأثير نخوة من أمرأة تحترق عشقا لرجلها المقاوم الجبّار....ولا امرأة تفلّ حسرتها ــ بما يحمله فلّ الحسرة من معان موروثة في اللاشعور الجمعي ــ في شليل المحبوب.. ولا كيف ينتهي سهر النجوم حين ينطفيء لونها الأزرق وذلك بفعل تغنّي القصب بحنين الحبيبة العارم لحبيبها الغائب :
((زلمنه تخوض مي تشرين..حدر البردي تتنطر
زلمنه تغني والخنجر ،يشگ الروح ، (عالميمر)
لون كل الگصب غنّه بحنيني لشوفتك ، يا أسمر
يسلّ الگصب سل أصفر... وأظن الماي يتمرمر
وأظن حتي النجم يطفي زراگه ، ولا بعد يسهر
وأظن أكثر...))
ولا أعتقد أن أحدا قبل النواب اجترح وبصوت مدوّ إعلان الخطاب العاطفي في القصيدة العامية بضمير المتكلم الأنثي.هو الذي كشف واستثمر بجسارة صوت الظلّ الأنثوي البهي في شخصيته ــ شخصية الشاعر ــ هذا الظل الذي هو المسؤول عن الإبداع في حياة الإنسان عبر كل العصور. والأدهي من ذلك أنه اجترح هذا الإعلان عشقا ثوريا تمتزج فيه نداءات القلب الملتهبة بالهم الجمعي النضالي. إنها بادرة فريدة في مسيرة الأدب العامي العراقي أن ينبري شاعر ليكتب خطاب إمرأة تفضح حبّها العاصف لحبيب مناضل ثائر هي التي تمنحه مدّ المعنويات مرة وتستجير بعشقه مرة ثانية وتتمزق حد الإنذلال بسبب انقطاع الرجاء وانعدام الاستجابة المقابلة مرة ثالثة :
((يا معوّد.. دِخيل امروتك السمره
دِخيل الشوگ.. أحب جفك.. أحب إيدك..وشوف شفاف..لو جمره
وليالي الصيف ما ودّتلك اخباري
دَ سِيل الجاري.. يحچيلك علي الجاري
سفن غيلان راحت تنحر الذاري
وحك عين التشوفك ميل..
وأزود من مسافة ميل
راحت تنحر الذاري..))
وهذه الخلطة العجيبة جديدة تماما علي الشعر العامي العراقي منذ ظهوره..إنها خلطة نوابية بعلامة مميزة حمراء كتب عليها ضمنيّا(إحذروا التقليد)..وقد حاول الكثيرون من شعراء العامية الذين اعقبوا النواب تقليدها ففشلوا وأصابهم الخذلان وبقي مظفر لوحده في ساحة الشعر تزدهر غابته يوما بعد آخر وقصيدة بعد أخري حتي يومنا هذا..ومع وجود السياب كان هناك شعراء آخرون جايلوه أو سبقوه لم يجدوا عناء كبيرا في فكّ أسرار شفرته،في حين لم يستطع أحد فك أسرار الشفرة النوابية رغم أنها بسيطة..لكن دائما يكمن التعقيد في البسيط وأتمني أن يراجع القاريء تحليل(جاك لاكان) المعجز لقصة (إدغار ألن بو) (الرسالة المسروقة) ليمتلك مقتربا أمينا يعينه علي الإمساك بالطريق الموصلة إلي مفاتيح الشفرة النوابية التي كان حال الشعراء اللاحقين مثل حال رجال زوجة الملك التي سرق الوزير الرسالة منها وأخفاها في مكان لم يجده فيها أحد منهم لأنه وضعها في أقرب مكان (متوقع) إليهم وجاء المفتش العجوز ليفكر ببساطة محكمة ويعثر عليها في المكان الذي لا يفكر فيه أحد لأنه المكان الذي يفكر فيه الجميع عادة :
((سفن غيلان ازيرج تضوي بالعبره
يا غيلان ،يا غيلان ازيرج ، گلبي شيصبره ؟
إخذ كل الزلم واملي السفن ، يا عيني.. الله وياك
وفد جلمة عشك حلوه ،أظن إلها مچان هناك
ذبها بسكتة العنبار..يا غيلان
خلها تعانگ السكان.. يا غيلان
شارة نصر للسفّان.. يا غيلان..))
نحن لم نر من هو غيلان ازيرج الثائر حتي الآن إلّا من خلال صوت العاشقة اللاهث الذي يعزز حرقته الإيقاع المتسارع للقصيدة وتكرار النداء الموجع (يا غيلان)الذي يأتي مدوّيا لكن كسيرا بلا رجاء.إن مزاوجة العشق بالثورة بل التحامهما المميت لم نجد له أنموذجا واحدا في مسيرة الشعر العامي العراقي المديدة قبل ذلك.وهذه المزاوجة المحكمة قد نسجت بمسارات ملتحمة ومنضبطة أسست وبسبق بارز لوحدة القصيدة الموضوعية من خلال (السرد). صار لدينا في القصيدة العامية حكاية و(حبكة) بعد أن كانت هناك حكاية مملة مفككة الأوصال، حكاية تشد المتلقي وتجعله ينتظر نهايات وقائع في الوقت الذي كانت فيه الأحداث في القصيدة القديمة عبارة عن تنضيد مشاهد لا أواصر تجمعها.كانت مشكلة القصيدة العامية الكلاسيكية تشبه ــ في جانب أساسي منها ــ معضلة القصيدة العمودية وهي أنها قصائد(بيت)،أبيات ينضد واحد منها فوق الآخر بحيث أنك لو قدمت بيتا علي الآخر لن يختل نظام القصيدة.خذ أي قصيدة للمتنبي وحاول أن تقدم أو تؤخر في أبياتها ستجد أن معمار القصيدة لن ينهار مطلقا.والمشكلة أنه حتي الجواهري الذي اعتبرناه عرّابا للحركة الشعرية الثورية الجديدة التي قامت في جانب منها علي تنوّع القوافي ــ وهذا ما كشفه الناقد المبدع الدكتور محمد حسين الأعرجي في كتابه الهام عن الجواهري ــ كان يضع ورقة يكتب عليها الكلمات التي تنتهي بحرف الروي المطلوب ثم يبدأ بصياغة الأبيات بحيث تنتهي بقافية الكلمة المثبتة أمامه بصورة مسبقة ــ طبعا لو أعطينا أي شاعر ألف كلمة تنتهي بحرف روي واحد لن يستطيع خلق قصيدة عظيمة من مائة بيت مثلما كان يفعل الجواهري الكبير. وهذا ما كان يحصل في القصيدة العامية القديمة أيضا. لكن مظفر ألغي هذه القاعدة البائسة وابتكر وحدة للقصيدة عبر السرد المخاتل الذي يقوم علي أساس مراوغة المعني وعدم رسم مساره بطريقة مستقيمة وهو ما نسميه بالحبكة. فحين نقول والوصف مأخوذ عن الناقد الانجليزي " ريتشارد واغن "(مات الملك ثم ماتت الملكة) فهذه قصة أو حادثة أو حكاية ، لكن حين نقول (مات الملك ولا نعلم لماذا ماتت الملكة بعده بوقت قصير) فهذه حبكة.. هناك شيء غير مكتمل.. مصير غير مقرّر لا من الله ولا من القدر ولا من الإنسان..من الشاعر فقط..باب مفتوح لا احد يغلقه رغم أن بعده بخطوة تقوم الجحيم. وحين تكمل قصيدة(سفن غيلان ازيرج) سوف تثور في أعماقك تساؤلات عن سر اندفاعة هذه المرأة العشقية المحمومة وراء حبيب ثائر لا يمنحها أذنا صاغية.. إندفاعة تصل حدّ تقبيل الأيادي ملاحظين جناس الكف واليد (أحب چفك.. أحب إيدك) الذي ضاعف وقع الفعل (أحب) ليجعله مزدوجا حاميا..
وهذا يعبّر في فعله عن المهارة المدهشة لمظفر في ابتكار الجناسات الحيّة أولا واستخدام ما هو مؤسس منها بطرق جديدة صادمة ثانيا.أنظر إلي (الجاري ــ تيار الماء) الذي يُسأل فيتحدث عن (الجاري ــ الحوادث القائمة).. ومثل (ميل) قامة المحبوب الذي تراه عين الحبيبة من أكثر من مسافة(ميل) ــ (يا ألله..هذه اللقطة لا يمكن أن تعرض إلّا علي شاشة سينما اللاشعور فقط).ونحن في هذه القصيدة ، نقف ــ في الحقيقة ــ أمام ثورتين مباركتين : ثورة غيلان ازيرج الهادرة التي عبّرت عنها الراوية العاشقة بصولة سفن الرجال الذين سيحزّون رقبة ظلام الليل ؛ ليل العبودية والذل والاستغلال والمهانة ، وثورة هذه المرأة التي ستموت حبّا والتي وقّت مظفر ساعة صفر ثورة انفعالاتها الإنفجارية مع ساعة صفر انطلاقة سفن الثوار الكاسحة.. فتضاعف الفعلان لينجبا ثورة ثالثة (أطروحة ثورة غيلان + طباق ثورة العاشقة = تركيب ثورة القصيدة.. وستجد مثل هذا الاستثمار المستعار من الجدل الهيغلي مجازا في قصائد كثيرة للنواب ــ طبعا مستعار بصورة غير مقصودة فرضتها تلقائية حركة لاشعور الشاعر ــ )..ثورة ثالثة تجتاح كيان المتلقي بموجات انهمام الثائر المعشوق بثورة عارمة في الأمام غافلا عن ثورة أكثر اضطراما في الخلف..ثورة صاخبة.. توسّلية راعشة..يشهد عليها المتلقّي بارتدادات استجاباته النفسية الداخلية الراجفة..
هذا المتلقي الذي سيصبح بفعل تخطيط مقصود الآن من مظفر الملاذ الوحيد الذي يستقبل ارتطامات موجات نداءات الحبيبة المحترقة ألما وحبا ويأسا وفخرا فيتحول إلي بديل عن غيلان ازيرج..أو ــ بفعل الرغبة النرجسية المشروعة ــ هو غيلان نفسه المتمنّع نضالا عن سماع هتاف الحبيبة المدوّي عشقا..
ويؤجج حالة التماهي هذه الاستقرار النهائي علي استخدام ضمير المخاطب في المقطع الأخير بعد لعب مظفر الذكي علي الضمائر التي تتحول بها العاشقة من ضمير غائب الجماعة والشخص الثالث إلي ضمير الأنا(قبل النواب لم يكن هناك لعب وتنويع علي الضمائر في القصيدة الواحدة). والثورة الثالثة ــ التركيب ــ synthesis تعلن عن ولادة فعالية خلاقية ستسم النص النوابي من ذلك الحين حتي اليوم.. فعالية تمتزج فيها رعشة الحياة المكافحة بهجمة الموت الكاتمة لينجم عنها عنف من نوع جديد (تركيب).. لنسمّه (العنف المحبّب)أو (العنف الآسر)..مقارنة بالعنف الدامي الذي طبع نصوص الجواهري ونصوص ورثته المتمردين من شعراء الحركة الثورية الشعرية الجديدة. ــ فصل من كتاب " الثورة النوابية " للمؤلف سوف يصدر في دمشق الشهر المقبل.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
مظفر النواب رائد الثورة العامية الحديثة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البيت الآرامي العراقي :: الثقافية , الادبية , التاريخية , الحضارية , والتراثية Cultural, literary, historical, cultural, & heritage :: منتدى النقد والدراسات والاصدارات Monetary Studies Forum& versions-
انتقل الى: