البيت الآرامي العراقي




البيت الآرامي العراقي

سياسي ِ ثقافي ِ أجتماعي


 
الرئيسيةالرئيسيةبحـثالتسجيلarakeyboardsyrkeyboardدخول

شاطر | 
 

 فلسفة الأنوار في نجدة القرن الواحد والعشرين

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Dr.Hannani Maya
المشرف العام
المشرف العام



الدولة : العراق
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 37598
مزاجي : أحب المنتدى
تاريخ التسجيل : 21/09/2009
الابراج : الجوزاء
التوقيت :

مُساهمةموضوع: فلسفة الأنوار في نجدة القرن الواحد والعشرين   الأربعاء 10 مارس 2010, 2:02 am

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
فلسفة الأنوار في نجدة القرن الواحد والعشرين
إفلين بياييه
-
نشعر أحياناً بشيءٍ من الحزن لكوننا نعيش في مطلع هذه الألفية الثالثة الكئيبة؛ إذ يتأكّد الانطباع بأن التقدّم لم يعُد كما كان عليه، ويتّضح، وللأسف، الشكّ في أنّ المناخ العام ذاهبٌ إلى تراجع. وغالباً ما نبكي من تضجّرنا إزاء "التفكير القويم" الشائع، ونتساءل بقلق إذا ما كان واجب ملاطفة جميع الأفكار والمعتقدات التي نخالطها هو من باب فرض التسامح أو هو بالأحرى نوعٌ من السبات النقديّ... في المختصر، الزمن مضلّل، في حين نطمح لاستعادة وقاحة الفكر. والعودة إلى عصر الأنوار خير ما يساهم في تلك المهمة. هذا ما يؤكّده صدور مؤلفات فولتير [1] ودوني ديدرو [2] ودايفيد هيوم [3] الخاصّة بالإيمان بالله في قياس كتب الجيب، حيث تشكّل قراءتها لذّةً حيويةً أكيدة.

"تجرّأ على استخدام عقلك sapere aude"، هكذا كان، بحسب إيمانويل كانط، شعار الأنوار؛ واتّباع هذه القاعدة هو، في واقع الحال، المسلك الوحيد كي نتفادى الانقياد خلسةً وراء تفكير الآخرين. ففلاسفة القرن الثامن عشر كانوا قد انتهجوا التحرّر عن طريق العقل، وأعملوا النقد في البديهيّات والتأكيدات والأفكار الشائعة التي كانت تكوّن المشهد الفكري في زمانهم. بالطبع، كان الدين إحدى أولويّاتهم، من زاوية الفلسفة (فهل الايمان بالله مبرّر؟) والأخلاق (هل الفضيلة ممكنة خارج مخافة الله؟) [4].

قبل ثلاثين عاماً من اليوم، بدى وكأن تلك الاسئلة قد تجاوزها الزمن. لكنّها استعادت بطريقةٍ غريبة حضوراً راهناً قوياً. فها هو الرئيس نيكولا ساركوزي يمتدِح الكهنة باعتبارهم أكثر كفاءةً لتدريس المبادئ الأخلاقية من الأساتذة المدنيين؛ وها نحن نسمع نائباً أوروبياً برتغالياً يطالب حامل جائزة نوبل للآداب، خوسيه ساراماغو، التخلّي عن جنسيته (البرتغالية) لأنّه أصدر رواية بعنوان "قاييم" [5] لا يقيم فيها كبير احترامٍ لتعاليم العهد القديم. وعدا هذين الحدثين المشهودين، تتكاثر المؤشّرات على عودة هجوميّة للعامل الديني، سواء عبر دعم هذه السلطة الدينية أو تلك، أو من ضمن مناخٍ "روحانيّ" رائع الضبابية!

المفرِح حقّاً والباعث على القهقهة بسعادة عند تصفّح كتيّبات فولتير وديدرو وهيوم، المكرّسة مع ذلك لموضوعٍ صارم، هو تناول هذا السؤال الجوهري - أن نؤمن أو لا نؤمن - باستقامةٍ فكريّة بعيدة كلّ البعد عن أيّة خرافة والتركيز في النقاش على السعي إلى حقيقةٍ منطقيّة. إذ نشعر من جديد بالسعادة النقيّة التي تنبض بها السجالات المسائلة للميتافيزيقيا، عندما يتمّ التخلّي عن البخور الروحانيّ. حيث يتمتّع كل من هؤلاء الكتّاب بجذريةٍ في مقاربته تكتسب أهميّتها في زمنٍ كان الفكر الحرّ مصدر خطرٍ حقيقيّ على أصحابه. فعندما كتب فولتير كتاب "الفيلسوف الجاهل"، لم يكن قد نسي بأنّه قد تمّ الحكم، قبل أعوام، على الفارس دو لابار الذي انبرى للدفاع عنه، بالموت بتهمة التجديف، وأنّه قد تمّ إحراق "القاموس الفلسفي" من تأليف فولتير نفسه، فوق جثّة الفارس بعد تعذيبه. كذلك تمّ تمزيق وإحراق كتاب ديدرو لأنّه اعتبر مناهضاً للدين والأخلاق الحميدة. أمّا الانجليزي هيوم، فإنّه كان حذراً أكثر عندما لم يَصدر مؤلّفه "حوارات حول الدين الطبيعي" إلاّ بعد وفاته.

لكنّ الأجمل ربما، هو أنّ هذا التحقيق الثلاثيّ في معنى الإيمان بالله، والذي لا يقدّم أجوبةً متراكبة، يدعو القارئ من خلال المنهج المشترك إلى ممارسة الشكّ (وهو أساس العقلانية الديكارتية) الذي يحرّر من الأفكار المسبقة ومن التعصّب في آنٍ معاً. ذلك أن الفلاسفة لا يهتمّون بالايمان الذي هو من باب المعتقدات؛ بل ينصرفون فقط إلى ما يقع في مجال المعرفة. فماذا يمكننا أن نعرف عن الله؟ لا شيء... تحديداً؛ طالما أنّ العقل البشري المحدود عاجزٌ عن معرفة الله اللامتناهي تعريفاً. إنّه لأمر رائع. فانطلاقاً من هذا العجز المنطقي، تتبخّر تلك الأفكار التي "تبدو لك عميقةً لأنّها فارغة"، كما يقول فولتير. لتفسح المجال، إذن، للتأمّل في أسس الأخلاق وطبيعة الفكر. والجميع أحرار في أن يؤمِنوا بما يمكن أن يكون لهم بمثابة عزاء؛ ويبقى أمام الانسان في عزلته مهمّة العيش باحترام لما يجعله إنساناً. يا لها من نزهةٍ جميلة بصحبة ديدرو الملحد وفولتير المؤمِن بالله بدون الوحي وهيوم القائل بفلسفة الشكّ، أولئك الروّاد الثلاثة المقدامون الذين عملوا كي يتاح لنا ابتداع قيمنا بعقلانيّتنا.

* كاتبة، من مؤلّفاتها Dick, le zappeur des mondes, La Quinzaine litteraire, Paris, 2005 و L’Almanach des contraries,Gallimard, coll. « L’Arpenteur », Paris, 2002

[1] Voltaire, Le Philosophe ignorant, présentation et notes par Véronique Le Ru, Flammarion, Paris, 2009, 152 pages, 3,90 euros.

[2] Denis Diderot, Entretien d’un philosophe avec Madame la Maréchale de ***, présentation et notes par Jean-Claude Bourdin et Colas Duflo, Flammarion, Paris, 2009, 106 pages, 3,50 euros.

[3] David Hume, Dialogues sur la religion naturelle, traduction de l’anglais, dossier et notes par Magali Rigaill, Gallimard, coll. «Folioplus Philosophie », Paris, 2009, 240 pages, 5,60 euros.

[4] حول استباق الفكر العربي الإسلامي لعصر الأنوار في هذه الطروحات، راجع: باتريك مكربنة وهوا هوي قونغ: "هل فضح سرّ المعرّي؟"، لوموند ديبلوماتيك النشرة العربية، كانون الأوّل/ديسمبر 2009، [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[5] José Saramago, Caim, Editorial Caminho, Alfragide, 2009, 182 pages, 16,91 euros.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
فلسفة الأنوار في نجدة القرن الواحد والعشرين
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البيت الآرامي العراقي :: الثقافية , الادبية , التاريخية , الحضارية , والتراثية Cultural, literary, historical, cultural, & heritage :: منتدى اعلام الطب والفكر والأدب والفلسفة والعلم والتاريخ والسياسة والعسكرية وأخرى Forum notify thought, literature & other-
انتقل الى: