البيت الآرامي العراقي




البيت الآرامي العراقي

سياسي ِ ثقافي ِ أجتماعي


 
الرئيسيةالرئيسيةبحـثالتسجيلarakeyboardsyrkeyboardدخول

شاطر | 
 

 مقتل بنو / بقلم : بهنام سليمان متي ( أبو ذكرى)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
جون شمعون أل سوسو
مشرف مميز
مشرف مميز



الدولة : بلجيكا
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 1024
مزاجي : أكتب
تاريخ التسجيل : 26/12/2009
الابراج : الحمل
التوقيت :

مُساهمةموضوع: مقتل بنو / بقلم : بهنام سليمان متي ( أبو ذكرى)   الأحد 31 يوليو 2011, 1:35 pm


الفلاح القتيل
أو " مقتل بنو "

بقلم : بهنام سليمان متي ( أبو ذكرى)

كان القمر قد أفل منذ حين في تلك الليلة الصيفية، فخيم على كرمليس شيء من العتمة والرهبة والسكينة، بحيث لم تكن تسمع وأنت مستلق على سطح دارك، سوى صياح ديك هنا، ونباح كلب هناك، ومواء قطة شاردة منـزوية في ركن بعيد، وكان نيام تلك السطوح البيضاء ينعمون بلدغات عذبة من برد الخريف الواقف على الابواب التي طالما اشتاقوا اليها بعد ذلك الهجير الطويل... كانوا بين غفوة وصحوة، عندما انشق ذلك السكون العميق عن صرخات إستغاثة بعيدة، أعقبتها عيارات نارية صدرت عن الجهة الشرقية من القرية، حيث تتوزع المزارع والكروم على تلك الرقعة المستوية من الارض، وتوالت الصرخات والنداءات تعكر سكون ذلك الليل الساجي، فهب الرجال مذعورين، وألقوا بأغطية نومهم على عجل جانباً، وأسرعوا يشدون أحزمتهم على بطونهم، ويلفون اشمغتهم على رقابهم، استعداداً لنجدة تلك الاستغاثات، وجلست النساء فوق افرشتهن يتساءلن بهمس: ماذا يا ترى جرى في الحقول، واي نكبة يمكن ان تكون قد حلت بالقرية؟ واستيقظ الصغار من رقادهم على تلك الضجة، يريدون ان يعرفوا سر ما يدور حولهم، تناولت القرية كلها سلاحها، وصبت نيرانها باتجاه المزارع مؤكدة للمستغيثين حضورها، وجرت مسرعة بشيبها وشبانها، نسائها وصغارها ممن استطاع السعي والجري في تلك الدروب المتربة الشائكة المعتمة، وخلت الاّ من العجائز والمرضى والمتعبين، وانتقلت بجماهيرها الى تلك السهول الخضراء الواسعة لترى ماذا حدث، ويالهول ماحدث..! كان رجل من رجال القرية، ممن سهروا في حلقة ذلك المساء لحراسة مزارعهم وسقاية خضارهم، جثة هامدة مضرجة بالدماء، ملقاة قرب ساقية الماء، ملوثة بالطين والتراب، مثخنة الجراح بالخناجر والمدي، حتى لم يبق فيها طعنة لطاعن، ورفاقها من حولها مذهولين مصدومين لفداحة ماجرى، وللكمين الدنيء الذي سقطوا
فيه، وهم ذوو بأس وشكيمة... كانت حلقة الرجال تلك الليلة تتسامر فيما بينها، وتلقي بين الحين والآخر، نظرة على ما حولها، حين كان القمر متألقاً يسفح ضياءه الفضي على تلك الحقول فيزيد من فتنتها وروعتها، وكان المتربصون بهم يرونهم بوضوح ما دام القمر منيراً، وحين توارى وراء الافق البعيد، وغلفت العتمة ذلك الفضاء، كان بصيص سكائرهم يكشفهم عن بعد ويفضح تحركاتهم للكائدين لهم، وهم عنهم غافلون، ولما حان أوان استلام أحدهم لحصته الاسبوعية من ماء ينبوع القرية، توجه ذلك الرجل المنكود الى بداية مزرعته، حاملا مسحاته على كتفه، ليحول الماء من حقل جاره الى حقله، وكان الجميع مطمئنين الى ان ليلتهم تلك، كانت هادئة آمنة، لم يسمعوا خلالها حركة لغريب ولا رأوا طيفاً او شبحاً، ولا ظلالاً مشكوكاً فيها، فلم يرافق الرجل زميل يحميه ويسانده إنما انطلق الى هدفه منفرداً، وما ان وصل مبتغاه وألقى مسحاته عن كتفه، وشد ملابسه على أطرافه، وانحنى على كتل من الطين كان قد أعدها عند العصر ليحجز بها الماء عن جاره هاما بكسر ثغرة حقله لينساب اليه الماء... ما ان هم بالانحناء حتى سمع حفيف حركة من حوله، وأيدي ظالمة قاسية تنهال طعناً بالخناجر والسكاكين على ظهره وكتفه وخاصرته ورقبته، طعنات قاتلة موجعة تلقيه أرضاً، وتدفعه نحو الماء والطين، حاول المسكين بما ملك من ساعدين مفتولين ان يتفادى تلك الضربات بيديه، لكنه كان أعجز عن مقاومة شلة من القتلة البغاة، فدمت يداه، وخارت قواه، وهمد مع توالي الطعنات جثة لاحراك فيها، وحين تأكد خصومه- بل خصوم القرية – من القضاء عليه، قفلوا راجعين الى خيامهم الجاثمة على ساقية القرية غير بعيد عن المزارع والكروم، وكأنهم أنجزوا أمراً كان عليهم واجب إنجازه... طال انتظار جماعته لعودته، وتصوروا انه منهمك بتوجيه المياه نحو أجزاء حقله، ولما تباطأ اكثر مما يقتضي الوقت، ولم
سمعوا صوت وصول المياه قريباً منهم، ولا وشوشة انسيابها بين حقول البصل، نادوه باسمه عدة مرات، فلما لم يسمعوا منه جواباً استبد بهم الخوف والقلق عليه، فتناولوا اسلحتهم وركضوا نحو مكانه ليجدوه على تلك الحالة البائسة، قتيلاً شر قتلة، ميتاً على أبشع صورة، فانتابتهم حالة من القنوط والخيبة والإحباط، ووجدوا أنفسهم مدفوعين للاستغاثة بالقرية لا لتنجدهم بعد فوات الاوان، بل لتشاركهم فجيعتهم، وتقاسمهم بلاءهم، لان شر البلاء اذا حل، وعجز بعض القوم عن احتماله، لاذوا بالجماعة لتعينهم على تحمل أوصابه، وحين وصلت جماهير القرية الى الحقول، بات المشهد اكثر إيلاماً، وأقسى مرارة، وأشد فجيعة،... النسوة يلطمن خدودهن، ويمزقن اثوابهن، باكيات آسيات على ذلك الرجل المسكين الذي ذهب ضحية تقاليد رثة بالية للأخذ بالثأر دون تحديد الهدف، والصغار مشدوهون لا يفقهون شيئاً من ذلك المشهد الاليم الباكي، والكبار وقد لجمت المصيبة ألسنتهم، فلم تكن ترى الا الدمع منهمراً من اعينهم، والوجوم مرتسماً على وجوههم، فهم لايتذكرون ان شراً مثل هذا قد أصاب القرية، فالناس فيها مستورو الحال... الماء موفور لطالبه، والأرض ثرّةٌ معطاء، والكروم مثقلة بعناقيد العنب، والبصل والخضار والطماطة في كل مكان، والضيف إن حل عليهم وجد عندهم المحبة والاكرام وقضاء الحاجة، فما ردوا لمستطرق طلباً، ولامنعوا عن جار رغبة، فلمَ يا ترى يجازون بمثل هذا الجزاء المر؟ أدركوا للتو ان الشر أتاهم من هؤلاء القوم الرحّل الذين يحلون كل صيف على ترعتهم، تسرح مواشيهم وأغنامهم بين حقولهم بعد حصاد غلتها، وترتوي من مياه نبعهم، وهُم مع كل هذا وذاك لايراعون حرمة الجوار، ولا يلتزمون بحقوق الضيافة، بل يسطون في أغلب الليالي على المزارع والكروم، فيسرقون ماتصل اليه أياديهم، فان دافعت القرية عن نفسها وردتهم على أعقابهم، ابتلت بجريرتهم، وكانت العلاقات على مر الاعوام بين القرية وهؤلاء البدو الرحّل، تقاس بمدى التزامهم بقواعد الضيافة وحسن الجوار، لكن بعض رعاعهم كانوا ينفلتون من هذه الالتزامات، ويسطون على المزارع والكروم ليلا، فيسرقون الأبصال والأعناب، ويعبثون في الارض، وكانت القرية تحاول صد هذه التسللات باللطف تارة، واطلاق العيارات النارية في الفضاء تارة اخرى، تخويفاً لهم لردعهم عن القيام بمثل تلك المحاولات، لكنهم كانوا يعرفون ان أهالي القرية أناس مسالمون لايريدون لهم أذى، وكان شيوخ القرية وكبار القوم فيها يبذلون مع رؤسائهم محاولات طيبة لثنيهم عن تلك الاعتداءات التي تتنافى ومبادىء الخلق والرجولة، ولا تتفق مع قيم الاكرام لكن تلك المحاولات لم تثمر شيئاً، بل توالت غزواتهم وما توقفت، وفي إحدى الليالي لأعوام خلت، والسيل قد بلغ الزبى، وصبر حراس المزارع قد نفد، انفلتت إطلاقة طائشة عمياء من إحدى بنادق الحراس، واصابت مقتلا من واحد من اولئك اللصوص، ولم يدرك أحد ما جرى، الاّ عند الفجر حين أبصر المزارعون آثار دماء نازفة تنتقل من أحد الكروم وتتجه صوب الخيام، وحين حل النهار تبين للقرية ان واحداً من اولئك السراق قد قتل، وان رفاقه انشغلوا به وسحبوه ليلاً الى مرابضهم، فتوتر الجو نتيجة لذلك بين الطرفين، غير ان رؤساء القرية تداركوا الأمر بالطيب والحسنى، وتوجهوا الى خيامهم معزين مواسين، ودفعوا لأهل القتيل ما طلبوه من ديّة، رغم ان القتيل كان المعتدي، ذهب ضحية طيشه وطمعه في مال ليس له، وأرض ليست حلاله، وتصورت القرية بما جبلت عليه من طيبة وتسامح، ان الأمر انتهى بذلك الصلح الذي حسمته العشيرة، لكن اولئك القوم ظلوا يضمرون في قلوبهم شراً لأهل القرية، وانتظروا بضعة أعوام حتى يدخلوا الطمأنينة في نفوس الاهلين. وما ان حل ذات صيف بعيد، حتى تربصوا بذلك الرجل البريء الذي لم يكن له ناقة او جمل بما
حدث لهم، فاقترفوا معه تلك الجريمة الشنعاء، وذبحوه على تلك الحالة القاسية. لقد وجمت القرية تلك الليلة، وانقلب سكونها بكاء ونواحاً، وفي اليوم التالي شيعت شهيدها البريء بدموع مرة، وظلت تلك المأساة حية في أذهان الكبار والصغار رغم مرور حقبة طويلة عليها، يتحدث عنها السلف للخلف، ويؤرخ لها الناس في أحداثهم كعلامة أليمة في تاريخهم، ازهقت نفس بشرية، وترمّلت زوجة، وتيتّم أطفال صغار، لا ذنب اقترفوه بل بسبب تقاليد بالية وعادات ذميمة جاءت نتيجة الجهل والتعصب...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
مقتل بنو / بقلم : بهنام سليمان متي ( أبو ذكرى)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البيت الآرامي العراقي :: كرملش , ܟܪܡܠܫ(كل ما يتعلق بالقديم والجديد ) وبلدات وقرى شعبنا في العراق Forum News (krmelsh) & our towns & villages :: منتدى تاريخ وتراث كرمليس (كرملش ) وقرى وبلدات شعبنا في العراق heritage karamles Forum & our towns & villages-
انتقل الى: