البيت الآرامي العراقي




البيت الآرامي العراقي

سياسي ِ ثقافي ِ أجتماعي


 
الرئيسيةالرئيسيةبحـثالتسجيلarakeyboardsyrkeyboardدخول

شاطر | 
 

 علامة العراق الاكبر والمؤرخ الكبير مصطفى جواد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Hanna Yonan
عضو فعال جداً
عضو فعال جداً



الدولة : العراق
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 1827
تاريخ التسجيل : 07/02/2010
الابراج : السرطان
التوقيت :

مُساهمةموضوع: علامة العراق الاكبر والمؤرخ الكبير مصطفى جواد   الأربعاء 17 أغسطس 2011, 6:08 pm





مصطفى جواد

أستاذ اللغة العربية في العراق وأحد أهم اللغويين العرب في القرن العشرين. ولد الدكتور مصطفى جوادمصطفى البياتي من عشيرة صارايلوالبياتية في محلة (عقد القشل) ببغداد عام 1904م، ووالده جواد الخياط ابن مصطفى بن إبراهيم البياتي، وأصل أسرته من تيلتاوة الخالص حاليا. وله ولد اسمه جواد مصطفى جواد وهو دكتور في هندسة البترول وهو الآن استذ في الجامعات الكندية والله اعلم درس العلوم الابتدائية في مدارس دلتاوه (الخالص بمحافظة ديالى) في عهد الدولة العثمانية. وبعد وفاة والده بدلتاوه في أوائل الحرب العالمية الاولى، عاد إلى مسقط رأسه بغداد. بعد الاحتلال البريطاني للعراق فكفلهُ أخوه (كاظم بن جواد) وكان يعد من أدباء بغداد في التراث الشعبي وهو الذي أسهم ببناء قاعدة العشق اللغوي في شقيقهِ الأصغر، فدرس النحو ومعاني الكلمات وأعطاهُ قاموساً في شرح مفردات اللغة العربية وأوصاه بأن يحفظ عشرين مفردة في اليوم الواحد، وحفظ أكثر من عشرين حتى نشأت عندهُ حافظة قوية.
دخل دار المعلمين الابتدائية عام 1921م، وفي هذه الدار وجد أثنين من أساتذته يعتنيان بموهبتهِ وهما طه الراوي (1890- 1946)م، حيث أهداهُ كتابالمتنبي لما وجده يحفظ له قصيدة طويلة بساعة واحدة بصوت شعري سليم بأوزانه، وأستاذه الآخر ساطع الحصري، حيث أهداه قلماً فضياً بعد ان وجد قابليات تلميذه تتجاوز عمرهُ الفتي بمراحل، وكانوا يقولون له: (أنت أفضل من أستاذ، فهو يكمل عجز البيت الشعري اذا توقف الأستاذ عن ذكرهِ، ويحلل القصيدة ويتصيد الأخطاء ويشخص المنحول بقدرة استقرائية غير مستعارة من أحد. و تخرج من دار المعلمين بعد ثلاث سنوات فعين مدرساً للمدارس الإبتدائية عام 1924م، ومارس التعليم في المدارس تسع سنوات (1924 - 1933)م، متنقلاً بين محافظة الناصريةوالبصرةوالكاظمية ودلتاوه.
ولما اكتشف فيه المفتشون انه أكثر قابلية منهم في طرق التدريس (وبلغة عربية فصحى لا مثيل لها) رحل إلى تدريس المتوسطة، وخلال تسع سنوات في التعليم قرأ المطولات في الشعر والتاريخ والتراث، وكانت مكتبتهُ ترافقهُ حيثما حل، وفي هذه الحقبة ذاتها نشر ابحاثهُ اللغوية في الدوريات المحلية والعربية ولاسيما تلك الصادرة في مصرولبنان، وطبع كتابين في التحقيق التراثي، وفي أثناء إجازتهِ أخذ يتردد على مجالس بغداد ويدخل معارك أدبية حول فنه الذي مافارقه (التصحيح اللغوي) الذي ألزمه بان يحفظ كثيراً ويعلل الحفظ ويقرنه بمزيد من الأسانيد والشواهد مما أتاح لهُ ذاكرة وحافظة قوية.
وسافر إلى فرنسا، وأكمل دراسة الماجستير والدكتوراه في جامعة السوربون ونشبت بعدها الحرب العالمية الثانية فعاد إلى بغداد، قبل أن يناقش الرسالة وعاد معه الدكتور ناجي معروف، والدكتور سليم النعيمي، وهما مثله كانوا بإنتظار مناقشة الرسالة ورجعوا معه.
ثم عين كاتباً للتحرير في وزارة المعارف ونقل بعد ذلك معلماً في المدرسة المأمونيةببغداد، و منها نقل إلى المدرسة المتوسطة الشرقية ببغداد. و تعرف خلال هذه المدة على الأب أنستاس الكرملي فلازمهُ وكتب في مجلته (لغة العرب). وكتب الكثير من الأبحاث والكتب عن اللغة العربية وتحديثها وتبسيطها. وكان له برنامج مهم في التلفزيونالعراقي بعنوان "قل ولا تقل".ومن المشهور انه كان من اصدقاء رشيدعالي الكيلاني رئيس الوزراء السابق وكلاهما من اهل ديالى وتربطه به علاقة وطيدة جدا
شغل منصب المشرف على الأساتذة الخصوصيين الذين أشرفوا على تدريس وتثقيف الملك فيصل الثاني ملك العراق.
ومن اللطائف التي تروى عنه ركوبه إحدى سيارت الأجرة في بغداد وفي الطريق شغل السائق المذياع فأذيع برنامجه من الإذاعة ( قل ولا تقل)، فضجر السائق وأغلق المذياع وقال باللهجة العراقية العامية: ( أسكت كواد). فطلب مصطفى جواد التوقف ونزل من السيارة وهمس في أذن السائق قل قواد ولا تقل كواد). فسارع السائق للأعتذار منه وقبل مصطفى جواد إعتذاره وضحك. لقد كانت له روح فكاهة، مع طيبة قلب ويروي عنه البغداديون الكثير من النكات.

من مؤلفاته
•الحوادث الجامعة - من أول كتبه التي طبعت - 1932م.
•دليل خارطة بغداد المفصل - (بالمشاركة مع الدكتور أحمد سوسة)- مطبعة المجمع العلمي العراقي - 1958م.
•جاوان القبيلة الكردية المنسية- مطبعة المجمع العلمي العراقي.
•الضائع من معجم الادباء.
•الشعور المنسجم.
•المستدرك على المعجمات العربية.
•رسائل في النحو واللغة - آخر كتاب طبع لهُ.
وفاته

توفي في عام 1969م.

طرائف من حياته
كان دائرة معارف متنقلة تمشي على أرجل بما حفظ ووعى من دقائق الأشياء، وله القدرة على الإجابة عن أي سؤال يوجه له في أي وقت، وكانت له مواقف في هذه الأمور سنتطرق لها عند الحديث عن مواقفه الطريفة، وقد بز أساتذته وأقرانه وأستظهر عليهم في مناقشاتهم لعويص المسائل، فقد كان بمثابة تلميذ للمرحوم الكرملي لمواظبته على حضور مجلسه والاستفادة من مكتبته ألا أنه تفوق عليه في الكثير من مسائل اللغة ومنعطفات التاريخ، وهو القائل على قبره: يا سائراً، ووجيب القلب صاحبه لنا ببغداد من بين القسوس أب أب عزيز وذو علم ومعرفة قضى السنين بشوق العلم يكتسب وكان ملازما للعلامة الميرزا محمد القزويني عند دراسته في باريس،ومرجعا للمستشرقين والدارسين،ولكن الجواد بزه في هذا المضمار وأخذ يصحح لأستاذه ويتفوق عليه في الحفظ والاستذكار، وقد كتب لويس ما سنيون المستشرق المعروف إلى وزارة المعارف العراقية خطاب شكر على إرسالهم مصطفى جواد الذي تعلموا منه ولم يتعلم منهم وهذه شهادة لم يحظ بها عالم عربي على كثرة الأفذاذ والمشاهير، وكان أعلام اللغة والأدب يتحاشون الدخول معه في جدل أو مساجلة لما عرف به من إحاطة واسعة وعلم غزير، وقد دخل مرة في نقاش مع العلامة محمد رضا المظفر حول دخول(أل)التعريف على كلمة (فوضى) فكان المظفر حذرا خشية أن يكون الجواد مطلعا على مصادر تبيح هذا الاستعمال فطالبه بإظهار الدليل على صحة دعواه فرد عليه بأنه اجتهاد منه فقال المظفر لماذا لم تقلها منذ البداية لأتجنب الدخول في المناقشة. وخاض معارك وصراعات نقدية كثيرة مع أعلام الأدب وأساتذة الجيل فكان المجلي في هذا المضمار وشغل الناس بمساجلاته تلك،وقد اختلفت ردوده بين الشدة واللين، وقيل أنه جمعه مجلس في بدايات حياته مع شاعر العراق الرصافي فلفت انتباه الرصافي إلى خطأ لغوي وقع فيه فهال الصافي أن يرد عليه من يعتبره بمثابة طالب من طلابه، فنهره بشدة قائلا(أنجب) وهي كلمة نابية اشد وقعا من كلمة صه أو اسكت فتحامل الجواد على نفسه غافرا خطأ أستاذه احتراما لمكانته ومراعاة لما يمر به من وضع نفسي خطير وهذا من الأدب الذي عليه أبناء ذلك الجيل. وكان جادا في عمله التربوي، ومعروفا بصرامته العلمية منذ بدايات عمله في التعليم، وقد أشرف على أعداد الملك فيصل وتعليمه، وقد ذكر عنه أنه كان يأخذ طلابه المشاغبين بالشدة التي عليها أساتذة تلك الأيام وقام ذات يوم بضرب خلدون ساطع ألحصري الذي كان مديرا للتعليم العام ويأتي بعد وزير المعارف في الدرجة الوظيفية وطرده قائلا(اذهب إلى والدك المربي ليعلمك التربية قبل أن تأتي إلى المدرسة). وبعد عودته من دراسته العالية أنصرف لعمله التربوي بما عرف عنه من علمية،وانشغل بالتدريس في الجامعة العراقية وإلقاء المحاضرات في معاهد العلم ونوادي الأدب، واشتهر بحضوره التلفزيوني من خلال الندوة الثقافية التي يقدمها الدكتور حسين أمين وبعده الأستاذ سالم الألوسي وبرنامجه الشهير ((قل ولا تقل)) الذي طبع مادته بجزأين في حياته، ما أكسبه شهرة شعبية لم تتأت للكثيرين من أقرانه، ولم يحظ بها عالم عراقي بعده،إضافة لزياراته إلى المواقع الأثرية وتقديمه الشروح عن خططها وطراز بنائها مما أنتفع به الكثيرون، وكان يكتب الشعر وهو في دار المعلمين طالبا وقد نصحه ساطع ألحصري بالابتعاد عن نظم الشعر: " يا ابني.. الشعر بيزرّك وما ينفعك"! و لم يحفل مصطفي جواد بقول ألحصري ؛ بل ازداد تمسكاً في النظم، ونشر شعراً سياسياً واجتماعياً في شتى الأغراض،وله الكثير من القصائد والمقاطع وترجم رباعيات الخيام ورباعيات قدس نخعي شعرا. وكتب القصة والرواية وشارك في الكثير من المؤتمرات الأدبية واللغوية والتاريخية وحاضر في الجامعات العربية والأجنبية،وكان مكثرا في نتاجه حتى لا تخلو مجلة أو جريدة من بحث أو مقال، ولو هيئ لنتاجه أن يجمع ويطبع لأربا على عشرات المجلدات إضافة لكتبه المطبوعة والمخطوطة التي تجاوزت الأربعين،وهي كتابات متنوعة تناولت التاريخ واللغة والخطط والأدب والتراث العربي والشعبي، وكان من رواد الكتابة الفولكلورية في العراق وأسهم بالكثير من المقالات في مجلة التراث الشعبي منذ صدورها عام 1963. ومن الطرائف والمواقف الطريفة التي رويت عنه: أنه كان ذات يوم راكبا في إحدى سيارات الأجرة،وقام السائق بفتح المذياع وكانت الإذاعة تقدم برنامجه الشهير قل ولا تقل، فقام السائق بإقفال الراديو وهو يقول غاضبا:أما عجزت يا كواد من قولك قل ولا تقل، وعندما وصل الدكتور إلى المكان ونزل من السيارة همس في أذن السائق قائلا: قل يا قواد ولا تقل يا كواد، فعرفه السائق واعتذر منه. وأخطرته وزارة المعارف بكتاب رسمي بضرورة عدم نشر المقالات في الصحف استنادا للقوانين التي لا تجيز للموظف المشاركة في الأمور العامة أو النشر في وسائل الأعلام، فقام بتصحيح الأخطاء الواردة في الكتاب بالقلم الأحمر وأعاد الكتاب إلى الوزارة داعيا أن تقوم بتقويم كتابها قبل أن تقّوّم الآخرين. وذات يوم كان مسافرا خارج العراق وعند وصوله مطار البلدة التي يروم السفر إليها طلب منه الموظف المسؤول أبراز وثيقة التطعيم ضد الجدري فأخطأ في نطق الكلمة بكسر الجيم ورفع التشديد فرد عليه الجواد قل الجدري برفع الجيم وتشديد الدال فهز الموظف رأسه مستغربا وسمح له بالمرور. وكان بعيدا عن السياسة ومشاكلها لا يعنى بمتابعة مجرياتها حتى قيل أنه لو سئل عن مدير شرطة بغداد لصعب عليه معرفته ولكن لو سئل عن رئيس الشرطة في زمن هارون الرشيد لقال أنه فلان أبن فلان عين لرئاسة الشرطة سنة كذا وعزل من عمله عام كذا وتوفي عام كذا واستخلفه فلان الذي... الخ ولأورد تاريخ الشرطة في ذلك الزمن دون أن يعنى بالحاضر لاشتهاره باهتماماته التاريخية وانصرافه للعلم وحده. ونظم مقطوعة بعنوان ولما كنت في لندن وفيها يقول: وفي لندن أقسام ترى البطيخ نعناعا خراف حولهم تمشي وتثغوا قولا ماعا على الثلج يسيرون إذا ما كان لماعا فقلدنا تزحلقهم ولكن بعضنا ضاعا ومن الغريب انه كان يقلد المتزحلقين على الثلج بعد هذا التاريخ بسنوات فسقط على الثلج وانكسرت رجله. وكان يعشق الغناء العراقي ويستمع إلى المقامات البغدادية ويزور الملاهي والسينمات للتمتع بمباهج الحياة وذات يوم كان في أحد الملاهي وعندما علمت الراقصة بوجود هذا الرجل الشهير رقصت له رقصة خاصة أبدعت فيها أيما أبداع أكراما له وكان أسمها (تسواهن) فخاطبها قائلا(أنت فعلا تسواهن) بتشديد الكلمة بإعادتها إلى اللغة الفصحى،وفي لقاء مع الفنانة عفيفة اسكندر قالت: كان الدكتور مصطفى جواد يقرأ القصيدة التي سأغنيها قبل أن اطلع أمام الجمهور، ولا اغني قصيدة قبل أن يعطي موافقته عليها، وكان مصطفى جواد وجعفر الخليلي مستشاريّ في كل شيء ". والقديرة مائدة نزهت فاقت الجميع بصوتها العذب المنتظم "بتجلياته" العراقية الأصيلة، وأخذت أغانيها شهرة عراقية وعربية ومن أهم أغانيها (اصيحن آه، يا أم الفستان الأحمر، البصرة.. هذه الأغنية الجميلة التي تعلق بها مصطفى جواد و يذكرها في اغلب لقاءاته التلفزيونية ويثني عليها. وقال مرة للزعيم عبد الكريم قاسم: (أرجو أيها الزعيم أن لا تقول: (الجمهورية) بفتح الجيم، بل قل الجمهورية بضم الجيم) وتقبل الزعيم النصيحة لكنه تساءل عن السبب، فقال له مصطفي جواد: (لان المأثور في كتب اللغة هو (الجمهور) بضم الجيم ولان الاسم إذا كان علي هذه الصيغة وجب أن يكون الحرف الأول مضموماً لان وزنه الصرفي هو فعلول كعصفور).. ومن الطرائف التي ذكرها الدكتور حسين أمين وحصلت خلال فترة تقديم برنامج الندوة الثقافية :مازلت أتذكر إن من بين الأحداث الطريفة والمحرجة التي لا تنسى، إن أحد المشاهدين اتصل بنا وكان البث على الهواء مباشـرة طالباً من الدكتور مصطفى جواد أن يعلمه عن الاسم الحقيقي(لأبي بريص) فسكت الدكتور مستغـرباً من هذا الســؤال واعتذر عن الإجابة عليه! و"اتفقت معه على الذهاب لزيارة موقعي بابل والكفل، واصطحبنا معنا الأستاذين حسين أمين وسالم الألوسي. كنا نحاول قراءة ما كتب على منارة جامع الكفل التاريخية عندما أسرع ألينا من ادعى بأنه الدليل السياحي للمنطقة وقال بان الأستاذ بهجت الأثري قد زار الموقع في الجمعة الماضية وقرأ ما هو مكتوب على المنارة وهو كذا وكذا، فرد عليه الدكتور بأن بهجت الأثري له عينان ونحن لنا ثمانية، فخجل الرجل وانسحب. وصلنا إلى موقع بابل الأثري وكنا على وشك دخول المتحف الصغير هناك عندما سمعنا صوت آذان الظهر وأسرع أحد الموظفين ليرشد الدكتور إلى مكان يصلى فيه، فرد عليه الدكتور بانزعاج انه سيصليها قضاء إذا لم يكن عنده مانع. وفى سفرة إلى سامراء دخلنا إلى المطعم السياحي لتناول طعام الغداء، فأسرع المدير لاستقبالنا وأبدى امتعاضه لعدم إشعاره مبكرا بالزيارة، فقال له الدكتور: المفروض بالمطاعم أن تكون جاهزة لاستقبال الزبائن خاصة في أيام العطل. فأجاب الرجل محاولا أن يبرهن على إجادته العربية: هذا صحيح يا دكتور ولكن الطباخ متغيب هذا اليوم ولا يوجد لدينا الآن إلا (الكامخ والمكموخ وما بينهما) وكان يقصد (ألهامبرغر). وذات مرة كان يقدم برنامجه الشهير قل ولا تقل وكان البث مباشرا تلك الأيام فجاءه الساعي بسؤال لأحد المستمعين كتبه في ورقة ودسه إليه وكان السؤال أن يذكر الدكتور أسماء الخلفاء العباسيين، ولما قرأه ضحك وقال لا ادري هل يريد السائل أن يمتحنني بسؤاله ولكن سأذكر ما تجود به الذاكرة وأخذ يعدهم واحدا بعد الآخر مشيرا إلى سنة الولادة ومدة الاستخلاف وسنة الوفاة ولم ينس أياً منهم. وقد التقى ذات يوم الشاعر الراحل عبد القادر رشيد الناصري في شارع أبي نؤاس عقب صدور كتابه دليل الجمهورية العراقية وكان الناصري وقتها في أوج سكره فقال له لماذا لم تذكر اسمي ضمن شعراء العراق فقال له الدكتور لم اكتب أنا الجزء الخاص بالشعراء وقد كتبه غيري فقال له الناصري هذا لا يكون ولن اقبل إلا إذا كتبت لي شهادة تبين فيها قيمة شعري فجلس الدكتور على الأرض واخرج ورقة وقلماً وأملى عليه الناصري ما يريد فكتبه بخطه الجميل وأعطاه له. واتصلت به امرأة كبيرة السن بالتلفون فقال لها يا بنتي فقال له احدهم كيف تقول لها يا بنتي وهي أكبر سنا منك، قال وهل خسرت شيئا إذا أفرحتها بهذه الكلمة. ولله در الشاعر الكبير مصطفى جمال الدين عندما قال راثيا له: يا حارس اللغة التي كادت على صدأ اللهى أن لا يرن لها صدا هبت عليها الحادثات، فلم تدع غصناً بعاصف حقدها متأودا عربي طبع لا يتعتع نطقه حصر على النبت الغريب تعودا المدى
عندما رحل اللغوي النبيل مصطفي جواد الي دنياه الاخري قال يرثيه الشاعر الكبير مصطفي جمال الدين: ياحارس اللغة التي كادت علي
صدأ اللهي ان لايرن لها صدي
هبت عليها الحادثات، فلم تدع
غصناً بعاصف حقدها متأودا
عربي طبع لايتعتع نطقه
حصر علي النبت الغريب تعودا
وكأن الشاعر الكبير أراد ان يلخص في قصيدته إجماع الكبار علي اهمية مصطفي جواد في حياة العرب.. في انه حرس الفصحي بأمانة القديس من الراطنين بها، والذين يعلمونها في المعاهد والجامعات ودور العبادة، فقد بذل اربعة عقود وهو يمسك بقلم التصحيح، يصحح كتب اللغات وأساليب الكتاب الكبار بلياقة الكبار، ويصحح ويصوب ويشذب ويهذب مافسد في وسائل التعبير عند اساتذة التاريخ والجغرافية والاقتصاد، وما رافقها من عجمة وتغريب، وتحمل كل ماصدر عن الاساتذة الكبار من ردود افعال انفعالية بحوصلته الجميلة التي رزقها الله طول النفس واعاجيب الصبر، وكان يقول لهم: (أحبائي انتم كبار وتبقون كباراً لكن السهو يجب ان يزال) ولم يقل الخطأ أو الغلط بل قال لهم السهو تجملاً وتحبباً ، فكم كان لطيف الطوية!
وبعض الكبار شاغب عليه واتهمه بـ (الماسونية) لانهم يخشون من لسانه اذا جلسوا بقربه في المجمع العلمي العراقي، حتي طه حسين وهو المنبر الذي لايضاهي كان يتبرم من وجوده في ايام الاجتماعات السنوية في مجمع اللغة بالقاهرة، وكتب العقاد مقالة يذم بها مصطفي جواد لان راعي اللغة العراقي نبش ابحاثه فكشف عن اخطاء لغوية ونحوية واملائية ما كان ينبغي ان يقع فيها أديب عملاق كالعقاد! كان لايبالي بتهم تقذف عليه جزافاً ، وكأنه كان منذوراً للغة الضاد أو منتدباً لحراستها من عبث الصغار أو الكبار أو من اولئك الذين يدعون العصمة في ادمغتهم، ومرة خاطب الزعيم عبد الكريم قاسم: (أرجو يا ايها الزعيم لاتقل: (الجمهورية) بفتح الجيم، بل قل الجمهورية بضم الجيم) وتقبل الزعيم النصيحة لكنه تساءل عن السبب، فقال له مصطفي جواد: (وذلك لان المأثور في كتب اللغة هو (الجمهور) بضم الجيم ولان الاسم اذا كان علي هذه الصيغة وجب ان تكون الفاء اي الحرف الاول مضمومة لان وزنه الصرفي هو فعلول كعصفور). وليس كل الناس متواضعين علي سياق تواضع الزعيم قاسم في تقبل نصائح العلماء، فيوم صنع له تمثالا في ديالي صعد اليه من يهشم يده التي فيها القلم، فهو لم يسلم من الاذي حتي وهو ميت، لان الاقدار دائماً تترصد عباقرة العصور احياء أو موتي ، وكان يعرف رصيده من ذلك قائلا:
رشحتني الاقدار للموت لكن
اخرتني لكي يطول عذابي
ومحت لي الالام كل ذنوبي،
ثم اضحت مدينة لحسابي

عقله اللغوي
4- تخرج في دار المعلمين وعين معلماً في البصرة والناصرية وديالي والكاظمية، ولما اكتشف فيه المفتشون انه أكثر قابلية منهم في طرق التدريس (وبفصحي لامثيل لها) رحل الي تدريس المتوسطة، وخلال تسع سنوات في التعليم قرأ المطولات في الشعر والتاريخ والتراث، وكانت مكتبته ترافقه حيثما حل، وفي هذه الحقبة ذاتها نشر ابحاثه اللغوية في الدوريات المحلية والعربية ولاسيما تلك الصادرة في مصر ولبنان، وطبع كتابين في التحقيق التراثي، وفي أثناء عطلاته اخذ يتردد علي مجالس بغداد ويدخل معارك ادبية حول فنه الذي مافارقه (التصحيح اللغوي) الذي ألزمه بان يدرخ كثيرا ويعلل الدرخ ويقرنه بمزيد من الاسانيد والشواهد مما اتاح لذاكرته بان تتوسع بخزن المتراكم طبقة فوق طبقة..! 5- وفي هذه المدة (1925) تعرف بالعلامة اللغوي الاب انستاس الكرملي (1866-1947) وكان للكرملي مجلس ادب ولغة في الكنيسة اللاتينية يؤمه ادباء الدرجة الاولي في بغداد، وفي جلسته الاولي اثار مصطفي جواد معركة حامية حول العامية والفصحي، وكان يبزهم في الادلة والبراهين، ومال اليه الكرملي منذ لحظته الاولي: (اريدك يا اخ اللغة ان تحضر مجلسي كل اسبوع) وعند حضوره في الاسبوع الثاني كلفه الكرملي بان يهندم مكتبته علي التنظيم العصري وكانت من خيرة مكتبات بغداد، فنظمها وجعل لها فهارس واخرج منها العابث والمكرر، ثم اقترح عليه الكرملي الكتابة في مجلته (لغة العرب) الشهيرة، فكتب ابحاثا لغوية ونقداً في التراث اللغوي وزاوية خاصة بـ (التصويبات اللغوية) وهذه جعلته علي الالسنة بين اخذ ورد وجدل وانتقاد وكانت معاركه تسمع في القاهرة وبلاد الشام، وهذه وحدها جعلته يمتد في الذاكرة اللغوية وجعلته أيضا ان يكون سيداً في ارجاع ما يشاع بانه فصحي الي العامية وبالعكس وكان الكرملي مثله سيدا في اللغة ومثله تعرض لخصومات جيرانه التي ارادت ان تبطش به لولا دفاع مصطفي جواد عن جواهره وانجازاته في لغة العرب، وكتب مقالة بحق الكرملي في مجلة (السياسة) المصرية في الثلاثينات كان بها ينهي خصومة الكرملي، وهو القائل على قبره:
ياسائراً، ووجيب القلب صاحبه
لنا ببغداد من بين القسوس أب
أب عزيز وذو علم ومعرفة
قضي السنين بشوق العلم يكتسب
6- وفي 1934- 1939 حصل علي بعثة لتطوير دراساته في باريس، فقضي سنة كاملة في القاهرة لتعلم الفرنسية وهناك التقي رواد الثقافة طه حسين والعقاد والزيات وباحثهم وجادلهم في اخطائهم ولم يذعنوا لانهم كما يقول مصطفي جواد (مدارس وقدرات) ولايجوز انتقادهم ، ثم رحل الي السوربون بجامعة باريس يدرس دكتوراه الادب العربي فنالها عن اطروحته (الناصر لدين الله الخليفة العباسي) وفي باريس افاد ذاكرته التراثية من ملازمته لمجلس (الميرزا محمد القزويني) ومكتبته التراثية فنسخ منها عشرات المحفوظات العربية النادرة، وعشرات مثلها من المكتبة الوطنية الفرنسية، ومهمة النسخ هذه ساعدته علي اتساع خياله التراثي وارجاع الفرع الذي قرأه في الكتب الحديثة الي الاصل الذي هو في الكتب الاولي وهذه المراجعة والمذاكرة مع الذات تمهد له الطريق لاكتشاف المزيد من حقائق اللغة التراثية وتجعل ذهنه ذهنا مقارنا حيوي التخريج..!
7- وعاد الي بغداد وهو مزود بقراءتين: القديمة التي في المراجع والمصادر الرئيسة والحديثة وهي الاكاديمية التي تنفتح علي العصر، وجاء بهاتين القراءتين الي دار المعلمين العالية التي عين فيها استاذا للادب العربي، وكان في الدار اساتذة كبار امثال محمد مهدي البصير (1896- 1974) وصفاء خلوصي (1917- 1995) ومحمد الهاشمي (1910- 1996) وحينما اضيف اليهم مصطفي جواد صار في الدار مجلس تراث لغوي تثار فيه كل شاردة وواردة في اللغة وتحسم فيه مواقف الادب الا ان الشهرة كانت لمصطفي جواد لانه اكثرهم تذكرا ومذاكرة واكثرهم قدرة علي تخيل الصحيح في القواميس وهو أيضا افاد منهم في جعل حافظته تتمرن علي الاعادة، واتمام النقص في مسائل التحقيق التراثي. 8- وفي سنة 1942 انتقل ملاحظا فنيا في مديرية الاثار العامة، وفي مدة اخري، رفع في هذه المديرية الي درجة اختصاصي في التراث حتي سنة 1948.. وبعدها عاد الي دار المعلمين العالية وكان في مديرية الاثار يجرد ذاكرته اللغوية في مكتبة المتحف العراقي، ثم يطبق ويقارن بين قراءاته في الكتب وماعايشه علي ارض الاثار، وتلك المشاهدة والمقارنة اعطته خبرة جديدة في الكشف عن الغامض في تراثنا، وهذا البحث عن الغامض هو الذي دفعه الي الاجتهاد، اذ كان يذهب بنفسه الي مواقع الاثر القديم ويجتهد في التوصل الي الحقيقة اولا والي اليقين التراثي ثانيا ، لذلك رأيناه يكثر من كلمة (أقرر) وكلمة (أجزم) في مقالاته وابحاثه في التراث لغة وتاريخا ومعرفة ومن تلك الوثوقية التي استبدت به ألف ووضع مع أحمد سوسة (خريطة بغداد قديماً وحديثاً) و(دليل خريطة بغداد) ومثل ذلك التأليف يحتاج الي قوة استذكارية عميقة الابعاد، ذكية الارصاد مثلما هي بحاجة الي عقل مقارن تراثي النكهة..! 9- وقضي شطراً طويلاً من حياته في متابعة ومشاهدة الافلام السينمائية، وسئل عن اسباب دوافعه لرؤية الشاشة، قال : (ليس للتسلية بل حب لمعاينة الهارب في الافلام البوليسية) اين ذهب واين اختبأ ومتي يقبض عليه، والمطاردة في الافلام البوليسية تشبه المطاردة في تحقيق الكتب التراثية: من المؤلف ومتي حبر الكتاب وأي نقص يختفي بين الاسطر والصفحات، وهذه المطاردة حتماً ستقوده في يوم أو في زمن الي الكشف عن الغنيمة اي الحقيقة..!
هذه المحطات التسع التي مر عليها كان لكل منها تأثير نفسي أو وجداني بشكل أو باخر في صياغة عقله اللغوي سواء تلك التي اكتشفها نقاد ام هو اكتشفها بنفسه وصرح بها، أو سواء تلك التي بقيت كامنة في عقله الباطني، ام التي سيتم الكشف عنها في مستقبل ما..!
وبمجموع هذه المحطات انجز لنا:
1- قواعد جديدة في النحو العربي كبدائل لقواعد نحوية قديمة. 2- قواعد وقوانين جديدة في تحقيق المخطوطات التراثية. 3- انزل الفصحي الي العامة باسلوبه السلس ذي الجرس الانيس. 4- نبه اساتذة الجامعات الي اعتماد لغة سليمة في ابحاثهم لان اللغة كما قال لهم عنصر مهم من عناصر الشخصية. 5- علم الباحثين طريقة الاستناد الي الشواهد شعراً ونثراً وسواء كانت الشواهد من القرن الاول الهجري ام التي من العصر الحديث، وبذلك حررهم من الجمود الفكري. لكنه بلغ الشهرة أكثر فأكثر في موضوع (قل ولاتقل) اي قل الصحيح وانبذ الخطأ الشائع، وطبع له من هذا الموضوع جزآن (1970- 1988) وربما استعار عنوان كتابه من الدراسات اللغوية الفرنسية التي شاعت في أثناء دراسته في جامعة باريس.
وابتدأ بنشر موضوعه منذ عام 1943 في مجلة (عالم الغد) فكان يذكر اولا الصحيح أو الفصيح ويشفعه بالغلط أو الضعيف، وكان يرتب ذلك علي حروف المعجم. اما الاسباب التي دعته إلى تأليف موضوعة (قل ولاتقل) فهي:
1-استهانة طبقة من المترجمين باللغة العربية، وقد امتاز منهم بهذا الاثم اللغوي مترجمو البحوث العسكرية. 2- ان كثيراً من الكتاب والشعراء يكتبون كلما غير مشكول، واللحن في غير المشكول لايظهر، وبعضهم يكسر المفتوح ويفتح المضموم وينون الممنوع من الصرف ويكسر المضموم. 3- وهناك طبقة من الممثلين يفسدون اللغة. 4- وفي (تحريرات) الدوائر ودواوين الحكومة تكثر الاغلاط ولاسيما في الاعلانات والتعليمات. 5- وكذلك تكثر الاغلاط عند مترجمي الافلام السينمائية . والهدف الرئيس وراء صيحاته ليس طعن من يخطيء انما يريد ان ينبه علي الغلط ويذكر الصواب، وانما يعيب علي المصريين علي الخطأ خطأهم، ويقول في ذلك: (ليست اللغة ميراثا لهم وحدهم فيعملوا بها مايشاؤون من عبث وعيث)..! كتبه وابحاثه:
اول كتاب صدر له سنة 1932 تحت عنوان (الحوادث الجامعة) واخر كتاب طبعه وهو تحت عنوان (رسائل في النحو واللغة) سنة 1969، وبلغت كتبه المطبوعة عشرين كتابا بين تأليف وتحقيق ونقد، وبلغت كتبه الخطية أكثر من عشرة كتب واهمها : (مستدرك علي المعجمات العربية)، وله ديوان شعر اسماه (الشعور المنسجم) وله أيضا كتب مترجمة عن الفرنسية ، ونقد شعره مرارا لانه شعر علماء يغلب فيه المنطق علي الوجدان، اما مقالاته في المجلات فتقدر بألف مقالة تتركز في علم التحقيق وفي علم المخطوطات وفي التاريخ والاثار العباسية وفي النقد اللغوي.
وبهذا الجهاد الطويل، وبهذا العناد الصوفي المتلاحق الانفاس رسم لنا خريطة الفخر القومي وصحح مئات الشواهد التي كتبت خطأ علي واجهات المساجد والقصور، ثم دل الاثاريين والمؤرخين علي اغلاطهم واخيراً قامت بين يديه حقائق عبقرية اللغة.
التركمان شريحة مثقفة واعية من الشعب العراقي الأصيل صاحب أقدم الحضارات الإنسانية على الأرض، حضارة وادي النهرين . قدموا خدمة جليلة للعراق وفي كافة المجالات الحياتية وخصوصا علوم اللغة والفقه والفلسفة والثقافة والفنون منها. فكما كان للتركمان علماء وفلاسفة وعباقرة من أمثال الفارابي والبيروني وغيرهما من القادة العظام الذين دافعوا عن حياض الوطن العراقي الغالي، من أمثال البطل عمر علي ومصطفى راغب باشا وغازي الداغستاني وعبدالله عبدالرحمن ويالجين عمر عادل وعصمت صابر. كذلك كان للتركمان أدباء وكتاب ولغويين كثيرين خدموا اللغة العربية بنتاجاتهم الثقافية الإبداعية ومؤلفاتهم الكتابية واللغوية. فكان للتركمان شعراء وكتاب كثيرين ألفوا قصائدهم وكتبوا قصصهم وكتاباتهم بالعربية أيضا إضافة إلى لغتهم الأم التركمانية، وفنانين كبار إحترفوا فن الخط العربي وأبدعوا فيها أكثر من الخطاطين العرب أنفسهم، وقراء المقامات العراقية المشهورين والموسيقيين. فهناك المئات من أمثال عماد الدين نسيمي البغدادي وفضولي وهجري ده ده وخضر لطفي ومحمد صادق وشاكر صابر ضابط والملا طه كركوكلي ورشيد كوله رضا وعزالدين نعمت ومحمد عزة الخطاط وعبد المجيد لطفي ينكجي الخلوصي الادواقاتي.
انه من عمالقة اللغة العربية البارزين في العراق خدموا اللغة العربية وأسسوا قواعدها. فالمرحوم مصطفى جواد كان ولازال رمزا تركمانياً خالداً خدم العراق وشعبه طيلة حياته فكان معلما ومربيا ورائدا وأديبا وفنانا وفيلسوفا وعبقري، وكان رجلا بكل معنى الكلمة وللتركمان حق بالافتخار به. فبالرغم من كونه تركمانيا علم العرب لغتهم وقال كلمته المشهورة " جئت لأعلم العرب لغتهم" فرحمه الله كان موضع فخرنا واعتزازنا. وسيبقى كذلك للأجيال التركمانية القادمة.
عرف العراقيون الذين عاصروا الفقيد مصطفى جواد من خلال برنامجه الإذاعي المشهور (قل ولا تقل). ذلك البرنامج اللغوي الشيق والذي كان يتابعه الصغار والكبار. ذلك البرنامج الذي كان فيه المرحوم يبسط اللغة العربية للمستمع العام وللمختص اللغوي وبحرفة الكتابة في آن واحد. فكان من أبرز أعلام اللغة العربية في القرن العشرين. وكان عضوا نشيطا في المجاميع اللغوية والمجالس الثقافية ومحققا لغويا ومؤرخا ثقة في نتاجاته ودراساته في شتى اختصاصات اللغة العربية وتاريخها. وكما كان من رافعي مشاعل النهضة الأدبية وموسوعة معارف في اللغة والبلاغة.
ولد المرحوم مصطفى جواد عام 1904 من أبوين تركمانيين في محلة شعبية في الجانب الشرقي من بغداد. وتنقل طفولته بين بغداد وقضاء الخالص التابعة لمحافظة ديالى. وتعلم في الكتاتيب ومن بعد في المدارس قارئا القرآن الكريم وحافظا له. ودرس في المدرسة الجعفرية ومدرسة باب الشيخ بعد دخول الإنكليز العراق محتلين. وبعد تخرجه من دار المعلمين عام 1924 تعين معلما في مدرسة الناصرية ثم البصرة وبعدها في مدرسة الكاظمية ببغداد. وبعدها سافر إلى فرنسا لإكمال دراساته العليا هناك والعودة عام 1939 بعد نيل شهادة الدكتوراه مدرسا في معهده الذي تخرج منه وساهم في التدريس فيه وأيضا في كلية التربية التي ورثت المعهد بعد تأسيس جامعة بغداد. وفي عام 1962 أنتدب للتدريس في معهد الدراسات الإسلامية العليا وعين عميداً للمعهد المذكور بعد عام.
وواصل النشر والكتابة والبحث في تلك السنوات رغم اشتداد آلام مرض القلب عنده والذي طال به. وتوفي في بغداد التي ولد فيها تاركا خلفه كنزا ثمينا من آثاره ومؤلفاته المختلفة في شتى ميادين المعرفة. وبلغت مجموعها 46 أثراً، نصفها مطبوع ونصفها الآخر مازال مخطوطا. وفضلا على ذلك فكان للمرحوم العديد من المؤلفات المشتركة ومقالات ودراسات منشورة لم تجمع بعد. وبالإضافة لكونه من عباقرة اللغة العربية وموسوعة معارف في البلاغة والسير والأخبار والآثار، كان مؤرخا معروفا وله مصادر تاريخية موثوقة يرجع إليها الباحثين والمهتمين في شؤون التاريخ. فكانت حياته الثقافية حافلة بالإبداعات في البحث والتنقيب والتخصص في اللغة وتاريخها فألف وحقق ما يثريها ويعمق من معرفتها والتمعن بها، باذلاً جهوده في الإحاطة بها وتدريسها لأكثر من خمس وأربعين سنة.
من كتب الأستاذ العلامة المرحوم مصطفى جواد والتي أعادت دار المدى بدمشق نشرها كتاب (الضائع في معجم الأدباء). وبتقديم تلميذه الوفي له الدكتور عناد غزوان. حيث كتب الدكتور بحق المرحوم مصطفى جواد قائلا " يقف مصطفى جواد علماً بارزاً من أعلام النهضة العربية في ثقافتنا وحضارتنا وفكرنا وتاريخنا الإنساني. فقد كان - - عاشقا طبيعيا للحقيقة، مخلصا لها، مترصدا إخلاصه فيها، عائما بها ولذاتها. تلك الحقيقة هي حبه العميق للغة العربية لغة الحضارة والفكر الإنسانيين. كان موسوعة معارف، في النحو والخطط والبلدان والآثار، (أعانه على ذلك حافظة قوية وذاكرة حادة، ومتابعة دائمة، حتى غدا في ذلك مرجعا للسائلين والمستفتين، فنهض بما لا ينهض به العصبة أولو القوة. فكان أمة كاملة في رجل. وعالما في عالم، ومدرسة متكاملة قائمة بنفسها). وخدم اللغة العربية أكثر من لغة أمه التركمانية وقضى عمره في كتابة قواعدها الصحيحة وكتابة التاريخ العراقي والعربي. حيث ألف كتب ومصادر مهمة وموثوقة يستند الباحثون والكتاب وذوي الفكر عليها. فكان عالماً، عبقرياً، لغوياً، كاتباً، شاعراً ومؤرخاً عظيماً رفع رؤوسنا عالياً بين أشقائنا العرب واستحق فخرنا واعتزازنا الكبير به فرحمه الله وأسكنه فسيح جناته.
العلامة العراقي الفقيد مصطفى جواد أشهر من أن يعرف بعد ان كان على لسان كل من سمع برنامجه الاذاعي الناجح (قل ولا تقل) والذي بسط فيه اللغة العربية للمستمع العام وللمختص بحرفة الكتابة واللغة. ولا يختلف عليه اليوم أحد من انه أحد ابرز اعلام اللغة العربية في القرن الماضي.
ومن كتبه التي اعادت دار المدى بدمشق نشرها كتاب: الضائع من معجم الادباء. بتقديم الدكتور عناد غزوان. تلميذه الوفي له ولدراسة الادب واللغة والنقد الادبي، بحثا وتدريسا واهتماما وسهرا على ما غرسه العلامة الراحل بنفوس محبي لغتهم وتراثها الإنساني من خصال يتحسر المرء عليها اليوم.
كتب الدكتور غزوان: يقف مصطفى جواد علما بارزا من اعلام النهضة العربية في ثقافتنا وحضارتنا وفكرنا وتاريخنا الإنساني. فقد كان - - عاشقا طبيعيا للحقيقة، مخلصا لها، مترصدا اخلاصه فيها، عائما بها ولذاتها. تلك الحقيقة هي حبه العميق للغة العربية لغة الحضارة والفكر الإنسانيين. كان موسوعة معارف، في النحو والخطط والبلدان والاثار، (اعانه على ذلك حافظة قوية وذاكرة حادة، ومتابعة دائمة، حتى غدا في ذلك مرجعا للسائلين والمستفتين، فنهض بما لا ينهض به العصبة اولو القوة. فكان رجالا في رجل. وعالما في عالم، ومدرسة قائمة بنفسها). واشار الدكتور غزوان (إلى ان استاذه جواد كان قد استمد قدرته الفائقة في الدرس والبحث والاجتهاد الفردي من بيئته واساتذته ومجالس العلماء الذين التقاهم واطلع على مكتباتهم العامرة بمصادر اللغة والادب العربي والتاريخ الإسلامي فضلا عن موهبته النادرة في الاستقراء واستنباط الاحكام واستقراء الرأي، تلك الموهبة التي صيرها اجتهاده الذاتي وجده المتواصل موسوعة علمية ليس من السهل مضاهاتها، موسوعة يفخر بها البحث العلمي اصالة وابتكارا وابداعا).
ترك الاستاذ الدكتور مصطفى جواد اثارا ثقافية مختلفة في ميادين المعرفة التي احبها وافنى عمره فيها تقدر باكثر من 46 اثرا نصفها مطبوع ونصفها الاخر مازال مخطوطا، فضلا عن المؤلفات المشتركة ومقالات ودراسات منشورة لم تجمع بعد، تشير كلها إلى طول باعه وجليل علمه وحجة لغته وثبت تاريخه ومرجعية ما نشره وابدع أو اجتهد فيه.
وقيم الدكتور غزوان هذا الجهد العلمي لأستاذه الفقيد بانه جهد علمي رصين يوضح بجلاء الدقة في استقراء الخبر وتثبيت الحقائق وايراد الرواية واثبات الوفيات وذكر التصانيف والتأكد من صحة الاخبار والانساب، توضيحا يظهر مصطفى جواد عالما ثبتا ومؤرخا اديبا امينا ومحققا صادقا في ضوء ما عثر عليه من ترجمات جديدة اهتدى اليها من خلال مطالعاته وتصفحاته البارعة والذكية فتكون لديه هذا البحث الذي نلحظ فيه اهتمام مصطفى جواد بالادباء وحب العلم والطلب مشغوفا باخبارهم متطلعا إلى انبائهم واحوالهم ومصنفاتهم واقوالهم واشعارهم، كل ذلك بروح العالم المدقق والمحقق المنصف الامين..
وفي تقديمه للكتاب المخطوط قبل أن يتولى الاستاذ غزوان تقديمه كتب الاستاذ مصطفى جواد صورة عن عمله ومصدرها، تعريفا وتقديرا وتوضيحا لعمله ودوره فيما قام فيه، مبيناً ان ارشاد الاريب إلى معرفة الاديب المعروف أيضا بمعجم الادباء كان قد شرع في طبع ماوجده المستشرق المشهور (د.س مرغليوث) سنة 1907 وهو يومئذ استاذ الادب العربي في جامعة اوكسفورد بانجلترا. وكان الطبع في مطبعة هندية بشارع المهدي بالازبكية من القاهرة. وقد اخرج الجزء الاول سنة 1907 أيضا، ثم اخرج الجزء الثاني سنة 1910 وكان ناقصا. وفي بحثه فيه اكتشف نقصه وما لم يكمله المحقق أو الناشر واضاف له ما هو اصح واقرب إلى الحقيقة منه. ويؤكدالباحث جمال الدين فالح الكيلاني ان الاستاذ القدير الدكتور سالم الالوسي حدثه قبل سنين في اتحاد المؤرخين العرب ان العلامة جواد كان من المعجبين بشخصية الشيخ عبدالقادر الجيلاني وهو من الموثقين لنسبه الحسني وهذامعروف ومشهور ومن يراجع تحقيقاته مثل تكملة اكمال الاكمال في الهامش يقرا هامش طويل لجواد يؤكد به النسب الحسني للشيخ عبدالقادرالجيلاني وكتاب المختصر المحتاج اليه من تاريخ بغداد وغيره العديد وان دل على شى فيدل على رسوخ علمية الرجل ويراجع جريدة الصباح البغدادية موضوع جواد والكيلاني
وبيّن انه عثر عليه في مطالعاته وقراءاته الكثيرة والمتفحصة لكتب التراث واللغة واضاف له ما يكمله واحرى به حسب منهجه الذي ثبته في تقديمه: وقد فات ياقوتا ذكر فريق من الادباء، فمنهم من لم يطلع على تراجمهم، كما يدل عليه كتاب (بغية الوعاة) للسيوطي، ومنهم من لم يجدهم حريين بان يذكروا في معجمه مع انه نبه على ادبهم في معجم البلدان بحسب مواضع بلدانهم، فالمهملون استخمالا منه أو غفلة منه عنهم ليسوا في عداد الذين عقدت هذا البحث في ذكرهم، وانما عقدته فيما ضاع من التراجم من معجم الادباء حسب، وعثرت عليه في مطالعاتي وتصفحاتي، واضفت اليه اشياء أخرى للافادة، وهو تراجم لـ (ست واربعين) علماً جديداً فاتت على ياقوت الحموي، الذي كان من اعظم الجغرافيين العرب المسلمين في عصره بين القرنين السادس والسابع للهجرة، في ذلك العصر الذي كادت فيه المادة العربية والإسلامية توشك ان تضيع في طوفان الفتن المتلاحقة والمصائب المتتابعة، وهو اديب موسوعي في ترجماته واسفاره آثر الاختصار والاعجاز في نهاية الاجاز على حد تعبيره في تأليفاته الموسوعية، والتي اضاف لها مصطفى جواد ما اعتبره ضائعا من معجم الادباء ارشاداً للأجيال الجديدة وحفاظاً على موروث ثمين لابد من التواصل معه واستمرار ما يغني الأمة ويتابع المهمة.



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
علامة العراق الاكبر والمؤرخ الكبير مصطفى جواد
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البيت الآرامي العراقي :: الثقافية , الادبية , التاريخية , الحضارية , والتراثية Cultural, literary, historical, cultural, & heritage :: منتدى اعلام الطب والفكر والأدب والفلسفة والعلم والتاريخ والسياسة والعسكرية وأخرى Forum notify thought, literature & other-
انتقل الى: