البيت الآرامي العراقي




البيت الآرامي العراقي

سياسي ِ ثقافي ِ أجتماعي


 
الرئيسيةالرئيسيةبحـثالتسجيلarakeyboardsyrkeyboardدخول

شاطر | 
 

 ماذا تعرف عن مسيحي العراق؟

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Hanna Yonan
عضو فعال جداً
عضو فعال جداً



الدولة : العراق
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 1827
تاريخ التسجيل : 07/02/2010
الابراج : السرطان
التوقيت :

مُساهمةموضوع: ماذا تعرف عن مسيحي العراق؟   الثلاثاء 18 أكتوبر 2011, 10:29 pm

ماذا تعرف عن مسيحيي العراق؟!..

أفكار تحمي مسيحيي العراق من التضليل

القس لوسيان جميل - الموصل - تلكيف

نبذة تاريخية عن مسيحيي العراق:

إذا راجعنا تاريخ المسيحيين العراقيين منذ نشأتهم في العراق والى يومنا هذا سنجد الحقائق المهمة التالية التي نقدمها لكل طالب للحقيقة.

1 - إن الكلام عن أصالة المسيحيين في العراق وعن جذورهم التي تمتد إلى عمق التاريخ كلام صحيح بالتأكيد، لكنه ليس كلاما دقيقا من كل جوانبه. ففي هذا الكلام في الحقيقة كثير من الالتباس، ويحتاج إلى كثير من التمييز، لكي يكون كلاما صحيحا وعلميا ولا يستخدم للتضليل. فالوجود المسيحي في العراق يرقى فعلا إلى عهد البشارة المسيحية الأولى، لكن من يقول أن مسيحيي العراق الحاليين يرقون جميعهم إلى هذا العهد، أو أنهم جميعا من بقايا الشعوب الكلدانية والآشورية، لكي يقدر أحدهم أن يقول بالتالي أن المسيحيين يشكلون مكونات قومية عنصرية ترقى إلى العهد البابلي والأشوري؟ ومن قال أصلا أن البابليين والآشوريين كانوا قوميات عنصرية، كما يتكلم عنها البعض اليوم؟ لا أحد يقدر أن يقول ذلك إلا من باب الكذب والتضليل. ففي الواقع لم تكن المسيحية في العراق في يوم من الأيام مسيحية قومية، كما هو الحال مع المسيحية الأرمنية مثلا، علماً بأن أصل القومية الأرمنية نفسها ليس في العراق بل في أرمينيا جنوب شرق تركيا.

ففي الحقيقة يقول لنا التاريخ أن المسيحية في العراق ولدت من رحم البشارة المسيحية الأولى التي استقطبت وجمعت كل مهمشي المنطقة، بغض النظر عن انتماءاتهم القومية والاتنية وحتى الثقافية، فوحدتهم من خلال الإيمان الجديد الذي كانت قد أتت به، وأعطتهم شيئا فشيئا هوية جديدة، هي الهوية المسيحية، بطابعها الآرامي السرياني الذي أتى به المبشرون الأوائل، والذي صار هو نفسه، وليس غيره، الطابع الحضاري الأساسي لجميع مسيحيي المنطقة. علما بأن هذه الظاهرة ذاتها، أو ما يماثلها، قد حدثت في المملكة الرومانية بأسرها، فدخلت الطبقات المسحوقة إلى المسيحية، مع بعض النفوس الشفافة من الطبقات الأخرى المتوسطة والغنية، بغض النظر عن دينها القديم وانتماءاتها الاجتماعية.

أما دخول المسيحية على شكل جماعات قومية في الغرب فلم يتم إلا في أزمنة متأخرة بعد تنصر الملك قسطنطين وصدور مرسوم ميلانو بجعل المسيحية دينا رسميا للدولة. وقد ازداد دخول قوميات بأكملها إلى المسيحية بعد نزوح الشعوب القادمة مـن شرق أوربا وغرب آسيا وتنصرهـا الكثيف، مع أن هذه الشعوب، وعلى الرغم من احتفاظها بأصالتها القومية قد تأثرت بالثقافة الهيلينية الرومانية، وكونت لنفسها هوية نتجت عن تزاوج ثقافـة هذه الشعوب الخاصة مع الثقافة اللاتينية الرومانية التي كانت متأثرة بدورها بالثقافة اليونانية بشكل كثيف، في حين أن مسيحيي ما بين النهرين، فقدوا تماما هوياتهم الأصلية ليدخلوا هوية جديدة هي الهوية المسيحية على الثقافة السريانية التي كانت بدورها ثقافة متأثرة بالثقافة اليونانية بشكل كبير، حتى أن كتب المسيحيين الأساسية: العهد الجديد بأكمله كان قد كتب باللغة اليونانية التي كانت تمثل الثقافة العالمية فـي تلك الأزمنة الأولى من البشارة المسيحية. والجدير بالذكر هو واقع انتصار الآرامية السريانية فـي مناطقنا، كلغـة للثقافة وللحضارة، هذا الواقع الذي ألزم جماعاتنا المسيحية الأولى أن تترجم كتبهـا المقدسة إلى السريانية، قبل أن تتم ترجمة بعضها إلى الأرمنية والحبشية واللاتينية والعربية أيضا.

وهكذا نفهم ان المسيحية في بلاد ما بين النهرين لم تكن مسيحية قومية ولم تدخلها مجموعات قومية، اللهم إلا ما ندر، لكنها كانت مسيحية شكلت لنفسها هوية جديدة أساسها الإيمان المسيحي الجديد كحركة تغيير عالمية بدأت في مناطقنا انطلاقا من فلسطين، وبقيت المسيحية الرافدينية هوية جامعة لثقافات متعددة، كانت الثقافة السريانية، ثقافة المبشرين الأولين، وربما ثقافة بعض الجماعات الأخرى في المنطقة، هي السائدة فيها والموحدة للثقافات الأخرى، إلى جانب المسيحية الناشئة.

وبما أن المسيحية كانت حضارة وثقافة يقودها إيمان جديد في أعلى مستويات بُناها العليا، فأن هذه الهوية، وعلى قاعدة الهويات، بقيت هوية حرة متحركة خاضعة لعملية الصعود والنزول، بحسب الظروف. لذلك لا نستغرب أن تأخذ هذه الهوية لونا خاصا عندما كان مسيحيو مناطقنا يعيشون كمواطنين في الإمبراطورية الفارسية. كما بدأت هوية المسيحيين تأخذ طابعا جديدا مضافا إلى طابعها القديم بعد دخول المسيحيين في رحاب الدولة العربية الإسلامية، مع كل التغييرات التي حصلت في هذه الهوية بحسب كل حقبة حضارية مرت بها الدولة العربية الإسلامية.

وهنا ربما يكون من المفيد جدا أن نؤشر على حقيقة هوية المسيحيين إبان فترة العثمانيين المتأخرة ونقول أنها كانت هوية أيضا تحمل كثيرا مـن الصفات السلبية ومنهـا صفات الطائفية المتقوقعة والمتذمرة والخائفة، سواء كان ذلك لعلة فيها ام لعلة في دولة الرجل المريض، في أدوارها المتأخرة، أو بسبب العلتين معا، وهو أمر أقرب إلى الصواب، إضافة إلى عوامل أخرى تاريخية تحتاج إلى علماء مختصين لكي يتكلموا عنها بدقة، ولكن من دون سياسة ومن دون تحيز.

أما في حقبة ما بعد استقلال العراق فأن تغييرات كثيرة وجوهرية وايجابية طرأت على هوية المسيحيين العراقيين، بعد أن دخل العراق نفسه مرحلة غير طائفية، وبعد أن تعلم المسيحيون على الاندماج في هوية العراق الجديدة، وبعد أن أخذ العراق نفسه يسير باتجاه هوية عالمية، محتفظا بخصوصياته وعراقته وأصالته، دون شك.

2 - في هذه الفقرة لابد أن نلاحظ كيف عاش المسيحيون العراقيون القدماء في المملكة الفارسية، ومن بعدها في المملكة العربية الإسلامية على شكل طائفة دينية بشكـل طبيعي. فنحن لم نرهم يوما يطالبون بمنطقة حكم لهم، أو بحقوق قومية، كما تفعل اليوم بعض الأحزاب القومية الشوفينية التي تعتمد في مطالبها علـى الذراع الأمريكـي التعسفي الجائر، بل كانوا قابلين بأن يعيشوا على شكل طائفة دينية تعيش مسيحيتها بحرية وأمان، غير مبالية بانتسابها القديم الذي سبق تنصرها، كما كانت مكتفية بتسميتها المسيحية، في حين نعلم أن أية تسمية أخرى لم تكن غير تسمية كنسية طقسية، او كانت تسمية جاءت من باب انتحال بعض الجماعات المسيحية لتسميات الشعوب العظيمة التي كانت تسود يوما منطقتنا: كالآشورية والكلدانية.

وهنا ربما يكون من المفيد أن أذكر الأخوة الذين يتمسكون من دون وجه حق بتسميتهم الآشورية بأن تسمية (مشيحايا) (مسيحي) الشعبية والطقسية، هي التسمية العامة المستخدمة عند هؤلاء الناس الذي يسمون أنفسهم آشوريين، أن تسمية كريستيانا التي تعني المسيحي أيضا باليونانية واللاتينية واللغات الغربية الحديثة كلها، هي تسمية يستخدمها الأخوة الذين يسمون أنفسهم آشوريين بشكل طبيعي. علما بأن هذه التسمية قد جاءتهم من اللغة السريانية التي كانت في زمن ما متأثرة جدا بالحضارة اليونانية. أما تسمية (رَشاما)، وجمعها (رشامي)، فهي تسمية رمزية تعني المسيحي أيضا، لأن لفظة (رشامي) تعني الذين يرسمون علامة الصليب على وجوههم، كما يفعل جميع المسيحيين في كل مكان، قديماً وحديثاً، في حين لا نجد ضمن الطقوس الدينية لجماعات مسيحيي العراق أي ذكر لقومية: لا القومية الآشورية ولا القومية الكلدانية المزعومتين، الأمر الذي يجعلنا نؤكد على أن تسمية الآشورية والكلداني تسمية حديثة نسبياً، ولاسيما التسمية الكلدانية، اللهم إلا إذا كان ذلك من باب الانتحال الذي نعرفه في عهود متأخرة.

أما تسمية (سورايا) (سرياني) ككنية للمسيحي فليست هي الأخرى تسمية قديمة جدا. فهذه التسمية جاءت من الأوساط المسيحية السريانية التي بقيت على الدين المسيحي وعلى الحضارة واللغة السريانيتين واستقرت عليها كصفة مميزة لها عن الأديان الأخرى، ولاسيما عن الإسلام. إنها تسمية شعبية جاءت بعد الفتوحات العربية بزمن طويل، تماماً مثلما حصل مع تسمية (فليحي) (فلاحي) التي كانت تعني دائما السرياني الدارج، كما كانت تعني كلام المسيحيين في القرى والأرياف، في حين كان أهل المدن من المسيحيين يتكلمون اللغة العربية على لهجاتها المختلفة. أما في قرى شمال العراق المسيحية فلنا نموذج آخر من هذه التسميات التي تأتي من باب تسمية الكل باسم الجزء. فالمسيحيون في شمال العراق الذين يعيشون جنبا إلى جنب مع الشعب الكردي دون أن يمتزجوا معه يطلقون كلمة قورذايا (كردي) على كل مسلم، حتى لو كان عربيا يلبس العقال، لان هؤلاء المسيحيين لم يجدوا كرديا واحدا غير مسلم. أما عندما يريدون أن يقولوا كردي فيقولون كردي ولا يقولون قورذايا، الأمر الذي يعني أن تسمية قورذايا السريانية تأتي زمنيا قبل تسمية كردي العربية، في تلك المناطق النائية عن المراكز العربية.

3 - أما بعد سقوط الدولة العثمانية وقيام الحكم الوطني في العراق فقد صار المسيحيون العراقيون مواطنين عراقيين، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم من حقوق وواجبات، دون تمييز دستوري بين مواطن وآخر. غير أننا نعلم أن الطائفية لا تزول بليلة وضحاها، لا عند الأكثرية ولا عند الأغلبية. لذلك عاش المسيحيون العراقيون، بعد استقلال العراق، ولاسيما أهل الريف منهم البعيدون عن مراكز الحضارة، بعقلية خاصة هي عقلية الأقليات الدينية الطائفية التي جعلت من اندماجهم مع الأكثرية من الصعوبة بمكان. ولهذا لم يشترك هؤلاء المسيحيون في الحياة العامة، ومنها الحياة السياسية إلا في ثلاث مراحل هي: مرحلة ثورة 14 تموز ومرحلة الحركة الكردية بالنسبة لمسيحيي شمال العراق، ومرحلة حكم البعث الذي رأى فيه المسيحيون الحكم الأنسب لهم وللعراق، فشاركوا فيه بكثافة وإخلاص، حتى يمكننا أن نرى في تلك المشاركة بداية قوية لخروج المسيحيين من عقدة الطائفية التي كانت قد تشكلت عندهم إبان الحكم العثماني، حيث كاد المسيحيون يتحولون إلى حياة جديدة لولا الانتكاسات التي حدثت في العراق جراء الحروب التي زج فيها.

أما الذي حصل في هذه المرحلة من الحكم الوطني فقد بدأ اندماج مسيحي العراق في الثقافة السائدة. وقد حصل ذلك الاندماج ابتداء من المدن العراقية الكبرى بحسب قاعدة اجتماعية معروفة. ففي هذه المدن نرى المسيحيين يتكلمون العربية بشكل تلقائي، ليس فقط العربية الفصحى، لغة البلد الثقافية، بل العربية الدارجة أيضا، حتـى لو عرفنـا أن جيل الآباء كان يتكلم اللغتين معـا، في حين كان الجميع تقريبا يجهلون السريانيـة الفصحى، حتى أن الكنيسة كانت قراءاتها وبعض صلواتها الأخرى باللغة العربية.

أما في البلدات المسيحية القريبة من المدن الكبرى، ولاسيما في محافظة نينوى وفي بعض مناطق شمال العراق فأن الجماعات المسيحية صارت جماعات ناطقة بلغتين، مع احتفاظ هذه المناطق باللغة العربية الفصحى كلغة وحيدة للثقافة وللمراسلات وللمعاملات الرسمية وللقيام بإعمال الوظائف العامة في البلد. وهكذا تحولت هذه اللهجات السريانية إلى لهجات منطوقة، لكن أحداً ما كان يكتب بها بعد. فهل يقدر بعض الحالمين بأن يعيدوا السريانية إلى ما كانت عليه قبل أن تموت وتشبع موتا، ويتخلصوا من العربية التي يبدو أنهم ما عادوا يطيقونها بسبب أحقادهم القديمة، لمجرد أنهم يشعرون بحماية السيد الأمريكي ؟ نحن نقول: بئس ما يحلمون به وما يطلبونه.

غير أن الحال لم تكن كذلك في القرى النائية، كما هو معروف. حيث بقي أهالي تلك القرى متشبثين بلهجاتهم المحلية حتى عندما كانوا يتقنون العربية الفصحى. علما بأن الظاهرة نفسها نراها عند النازحين الجدد من القرى النائية إلى المدن الكبرى. فالقضية وما فيهـا هـي أننا في هذه المسألة ضمن قانون اجتماعي يقول بان التغيير الحضاري يتم ببطيء شديد كلما ابتعدنا عن مراكز الحضارة. لذلك يقول التاريخ بأن آخر شرائح دخلت المسيحية في الغرب هي الشرائح الريفية الزراعية. ولذلك صار مصطلح باكانوس Paganus يعني الفلاح ويعني الوثني أيضا. وهكذا نرى أهل الموصل يقولون عمن يتكلم احدى اللهجات السريانية الدارجة بأنه يحكي "فليحي" أي فلاحي، أو لغة الفلاحين. أما اليوم فأن الريف المسيحي الغربي، هو آخر من يقبل التغييرات الحضارية التي تحصل في العالم المعاصر، على الرغم من المواصلات والاتصالات الحديثة التي تجعل العالم شبه قرية صغيرة، كما يقال.

من هنا أخالني لا أتجنى على أحد إذا ما قلت بأن المسيحيين في العراق يعانون من هجمة الريف المسيحي عليهم، بعقده ومشاكله الطائفية، بعد أن تم تدريبه على هجمته هذه من جهات عديدة. كما لا أتجنى على أحد إذا ما قلت أن مسيحيي المدن قد وقعوا ضحيـة الأطراف، ربما ليس من الناحية الثقافية، ولكن خاصة من الناحية السياسية. فالأطراف، ومنها تأتي كلمة متطرف، تكون أكثر استعداداً من المراكز للقبول بالخيارات السياسية الانفصالية لكونها لم تتحضر بحضارة المركز، لذلك كان سكان الأطراف في العراق مهيئين نفسيا أكثر من غيرهم للوقوع في فخ الإعلام المعادي الذي كان يشجعهم ويحرضهم على الانفصال عن المركز عن طريق قبول وعود انفصالية مختلفة مثل وعد اللامركزية ووعد الحكم الذاتي ووعد الفدراليات ووعد المحاصصة وما يسمى بالحقوق القومية ووعد مناطق حماية صدقها البعض بغباء، وبعد أن أعطيت لهذه الآمال الخادعة تسمية سياسية أكثر خداعا هي تسمية الديمقراطية، مع العلم أن مثل هذه الديمقراطية المزعومة لا تعني شيئا للأقليات المسيحية ولسائر الأقليات الدينية والقومية في العراق، وان مثل هذه الحقوق كانت كذبة كبيرة روجت لها المخابرات الأمريكية وغيرها بشكل تآمري، كما بوقت لها أحزاب هذه الجماعات التي هي أحزاب عميلة ووهمية ولا يمكنها أن تحمل أي هدف حقيقي لا لوطنها ولا للجماعات التي تتكلم باسمها، لاسيما بعد أن أجبرها من رعى تكوينها وتدريبها السياسي ومن مولها بالدعم المالي والسياسي على أن تعد نفسها قوميات ومكونات سياسية عراقية، مع أن الحقيقة تقول أن هوية الجماعات المسيحية تحديدا ليست هوية قومية بل هوية اجتماعية حضارية كالتي تكلمنا عنها في بداية هذا المقال.

أما سبب إصرار المخابرات الأمريكية على جعل المسيحيين هوية قومية فيعود إلى سهولة فصل المسيحيين عن بلدهم المركز من خلال فكرة القومية، طالما نحن نعرف بأن الهوية القومية لا تختلط مع أية هوية قومية أخرى، في حين يمكن أن تتوحد هويات حضارية اجتماعية متجانسة في هوية واحدة متعددة البنى والأبعاد، أي متعددة الخصوصيات، وهذا ما لم تقبل به المخابرات الأمريكية خوفا من توحد، إذا لم نقل من اندماج المسيحيين مع المركز.

وبما أننا نتكلم كلاما عاما وفق قانون اجتماعي معروف فان ما نقوله عن الجهات المسيحية ينطبق على جهات كثيرة قبلت بالمحتل ودخلت عمليته السياسية الجائرة. فهذه الجهات قد لا تكون أقلية عددية ولكنها بالحق والحقيقة كلها تقع في "أطراف الحضارة العراقية وليس في مركزها"، وهـي بهذا المعنى أقلية ولا يمكـن أن تتحول يوما من الأيام غالى أكثرية حاكمة، لأن حكمها سيضحي بالهوية الحقيقية الواحدة المتعددة الخصوصيات والأوجه والأبعاد ويؤسس في البلد ما يمكن أن أسميه حكم الأقليات المستقوية بالعدو المحتل.

حالة المسيحيين اليوم:

أن ما قلته أعلاه يصح على المسيحيين منذ بداية نشوئهم في بلاد ما بين النهرين وإلى صبيحة يوم 9-4- 2003، يوم نكبـة العراق.

أما اليوم، بعد الاحتلال فقد تغير وضع المسيحيين من جميع أوجهه. فقد فقدَ المسيحيون العراقيون انتماءهم الاجتماعي الطبيعي مع انتمائهم الوطني، بعد أن صار العراق غريبـا عليهم بعد الاحتلال ووحشيـا وغير آمن. كما صار المسيحيون مثل ملاح في أعالي البحار من دون بوصلة. وفي الحقيقة ربمـا استطاع البعض مـن غير المسيحيين، أن يحتمـي، بعد الاحتلال، بحزب أو بعشيرة، أو يتقوى بميليشيا الخ...، لكن المسيحي بقي بلا حماية تذكر على وجه الإطلاق. فالمحتل الأمريكي لم يقم بواجب الحماية لأحد، والأحزاب القومية وغير القومية التافهة التي نطقت زورا باسم المسيحيين خدعت من كان معها ومن كان ضدها على السواء.

أما الكنيسة فصارت هي الأخرى لا تعرف ماذا تعمل بعد أن وقع الفأس بالرأس جراء صمتها على جريمة الاحتلال وتأييدها المعلن وغير الأخلاقي وغير المسيحي للعملية السياسية الأمريكية، ولما سمي بالعراق الجديد، الأمر الذي جعلها عاجزة عن توجيه جماعتها التوجيه الأخلاقي الصحيح والذي كان ممكنا أن يحمي هذه الجماعات، لاسيما وان المسيحيين لم يكن لهم في عملية الاحتلال لا ناقة ولا جمل، على الرغم من تضليل المضللين، ومنهم الأحزاب العميلة الناطقة باسم المسيحيين والتي قرعت الطبول لجماعتها وجعلتها ترقص كالقرود على إيقاع طبولها المشؤومة، فساقت هذه الجماعات إلى مستنقع الخيانة الوطنية المجانية، حيث لم تربح الجماعات المسيحية شيئا يذكر من تصفيقها للمحتل سوى بعض الفتات وحفنة من الدولارات أعطيت للقيمين على قرع الطبول من المقامرين بحياة جماعاتهم المزعومة وبحياة أوطانهم خاصة.

وهنا أقول معذرة لبعض الأصدقاء فـي هذه الأحزاب، لأني لم أستطع أن أقول شيئا أحسن مما قلته بحق أحزابهم المزعومة، مع الأسف، على الرغم من أن بعض الأحزاب أخذ يقف في هذه الأيام مواقف سياسية أكثر اتزانا ووطنية، دون أن يصلوا إلى المستوى المطلوب، والذي لن يصلوا إليه، كما أظن، بسبب التركيبـة العوجاء لهذه الأحزاب، طالما أننا نعرف أن هذه الأحزاب أحزاب عليلة من ولادتها.

أما تورط الكنيسة المالي مع جهات تعود مباشرة إلى المحتل فقد أسهم إسهاما مباشرا، ليس فقط بربط كثير من رجال الكنيسة بوجهات نظر واهبي المال، ولكنه أدى أيضا إلى تضليل جماعات كثيرة من المسيحيين وجعلهم مهيئين، عاطفيا وذهنيا على الأقل، لقبول مخططات الأمريكان في تقسيم العراق، الأمر الذي جعل منهم هدفا مفهوما لنقمة الجهات الواقعة تحت نير الاحتلال. حقا لقد عمل المال الأمريكي عمله الناجح ولسان حال واهبي المال يقول: نحن يا مسيحيين نعطيكم المال ونساعدكم بينما الآخرون يقتلونكـم. فلا ترفضوا لنا طلبا.

غير أن المحتل رأى أن الرشوة وحدها لا تكفي لتحريك المسيحيين نحو الأهداف التآمرية المرسومة لهم، فعمد إلى الأسلوب الميكيافلـي العنيف الذي يبيـح قتل الأبرياء وترهيبهم لكي يقال بأن العرب المسلمين هم ضد الوجود المسيحي في العراق وأنه لم يبق أمام المسيحيين غير باب واحد للنجاة وهو باب اللجوء إلى التدابير الأمريكية، ومنها تفعيل مؤامرة سهل نينوى.

وهكذا صح في الكنيسة العراقيـة المثل الذي يقول: "جبنانو عون طلع فرعون". أتينا به عونا فصار فرعونا. لقد جاء يسوع بالكنيسة لتكون خادمة لمؤمنيها وإذا بها سيدة عليهم تقودهم الى التهلكة، على الرغم من إرادتهم الحقيقية. ومع ذلك، فنحن لا يمكننا أن نتجاهل حقيقة أن الجماعات المسيحية لم تتعافى بعد بشكل كامل من مخلفات حقبة الثيوقراطية العثمانية ومن عقدها، كما أن الظروف القائمة في العراق لم تخدم شفاء هذه الجماعات من هذه العقد التي عمل المحتل على تعميقها واستغلالها بكفاءة ونجاح.

لذلك لا يمكننا تبرئة هذه الجماعات من مسؤولية توجهاتها بعد الاحتلال وإلقاء تبعة تلك التبعات على كاهل العوامل الأخرى المذكورة، على الرغم من أننا نعد المسؤولية التي يتحملها الشعب البسيط المضلل من ابسط المسؤوليات، إذا قورنت بمسؤولية المحتل نفسه وبمسؤولية الأحزاب التي جاءت على ظهر دبابات المحتل، أو جاءت من جراء احتلاله، أو قورنت بالمسؤولية التي تتحملها القيادات الكنسية الروحية التي لم تقدر ان ترشد مؤمنيها إلى الطريق القويم.

وهنا يهمني أن أشير إلى ملاحظة أظنها في غاية الأهمية للحكم على حالة المسيحيين بعد الاحتلال.

فما حدث بعد الاحتلال هو نوع من حكـم الأقليات، أو فلنقل هو نوع من حكم المركز بواسطة الأطراف الذين يحملون عقلية خاصة تختلف عن عقلية المركز، والذين يكونون أكثر استعدادا بالتضحية بالمركز مـن اجل تحقيـق مكاسب خاصة بهذه الأقليات، حتى لو كانت مكاسب وهمية وغير وطنية. لذلك كان تعاون هذه الأقليات مع المحتل واضحا وجليا على الرغم من تفاهة هذا التعاون وضآلته. ومن هنا لا نتعجب عندما يظهر لنا أن سكان ريف شمال العراق، من الساكنين في الشمال أو في أمكنة أخرى كانوا البادئين فـي التعاون مع المحتل وفي إشاعة عقلية التباعد بين المركز وبين الأطراف، بعد أن استغلت الأحزاب العميلة عقلية هذه الأطراف الانفصالية المتذمرة. فضلا عن ذلك كله نلاحظ أيضا دور الأحزاب الانتهازية المميز في توريط المسيحيين في هذا التعاون، لكي يعم هذا التعاون وبأشكال مختلفة ولأسباب متعددة على غالبية المسيحيين، حتى أصبح الوطنيون المسيحيون، اقلية صامتة مع أخوتهم العراقيين الآخرين.

الأصيل والدخيل في حياة المسيحيين العراقيين:

زيادة في معرفة حالة المسيحيين العراقيين نرى من المفيد أن نميز بين ما هو أصيل في هذه الحياة وما هو دخيل وطارئ عليها بفعل فاعل. فلقد كانت للمسيحيين في العراق أخلاق مميزة، معروفة للقاصي والداني. طبعا لم تكن هذه الأخلاق كلها ايجابية وقيمة مطلقة تبقى إلى الأبد، ولكن مهما يكن من الأمر، فأن تلك الأخلاق المسالمة الوديعة كانت حصيلة مئات السنوات من حياة المسيحيين في هذا البلد. ويقينا أن حياة المسيحيين العراقيين كانت حصيلة تزاوج بين الروحية المسيحية العامة لهؤلاء المسيحيين وبين طبيعة هؤلاء الناس ال لا قومية، باعتبارهم طائفة دينية مجنسة homogénéisée ، جنسها الإيمان المسيحي الجديد، فعاشت بسلام مع بيئتها الحضارية والثقافية، متعددة الأبعاد، متورعة عن المطالبة بأية حقوق خاصة، باستثناء حقوق الأمان.

هذا هو باختصار شديد ما كان أصيلا في حياة الإنسان المسيحي.

أما ما عدا ذلك، منذ أيام الطموحات القومية الآشورية في الثلاثينيات من القرن الماضي والى يومنا هذا، مرورا بالحركة الشيوعية العابرة عندنا وكذلك الحركات الكردية المتعددة التي لم تكن تشمل الا مسيحيي الشمال، فأن كل هذا هو بالحق والحقيقة دخيل على الحياة المسيحية الحقيقية.

أما ما حدث ما قبل وما بعد الاحتلال فنعده كارثة حقيقية، كان المحتل مسببها الأكبر، ليس فقط من حيث الضحايا الكثيرة والخسائر الجسيمة التي مني بها المسيحيون، ولكن خصوصا من حيث التخريب الأخلاقي وتخريب الضمير الذي تعرضوا له، حتى صدقوا بأن الاحتلال تحرير لهم. وهكذا دخلت البراغماتية حياة المسيحيين بعد ان تفشت هذه البراغماتية (الحقيقة هي في المصلحة) في العالم كله تقريبا ولاسيما في عالم السياسة. ومع البراغماتية دخلت الميكيافلية أيضا بأشكالها ودرجاتها المختلفة. وهكذا لم يعد المسيحي ذلك الذي لم يكن يحلف بل يقول لمخاطبه صدق فيصدقه في الحال. كما لم يعد المسيحي ذلك البريء الذي لا يقدر أن يؤذي أحدا.

أما ما هو أنكى من ذلك كله فهو أن البراغماتية والميكيافلية والكذب والتزوير ونقص العدل والكلام بأنصاف الحقائق وغير ذلك من الرذائل التي ترفضها البشرية السليمة أصبحت شيئا عاديا عند العراقيين، ومنهم المسيحيين، ينبري البعض في الدفاع عنه باسم الواقعية، وبأسماء أخرى ما انزل الله بها من سلطان.

القس لوسيان جميل

تلكيف- محافظة نينوى- العراق


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

6-8-2009


--------------------------------------------------------------------------------

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
ماذا تعرف عن مسيحي العراق؟
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البيت الآرامي العراقي :: الاخبار العامة والسياسية General and political news :: منتدى المنبر السياسي والحوار الهادئ والنقاش الجاد الحر Political platform & forum for dialogue & discussion-
انتقل الى: