البيت الآرامي العراقي




البيت الآرامي العراقي

سياسي ِ ثقافي ِ أجتماعي


 
الرئيسيةالرئيسيةبحـثالتسجيلarakeyboardsyrkeyboardدخول

شاطر | 
 

  العلاقات المسيحية الأسلامية - دراسة في تاريخ وأدب وثقافة مالطا - جوفيلا كاوتشي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
البيت الارامي العراقي
الادارة
الادارة



الدولة : المانيا
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 9446
تاريخ التسجيل : 07/10/2009
التوقيت :

مُساهمةموضوع: العلاقات المسيحية الأسلامية - دراسة في تاريخ وأدب وثقافة مالطا - جوفيلا كاوتشي   الخميس 26 يناير 2012, 8:53 pm

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

العلاقات المسيحية الإسلامية - دراسة في تاريخ مالطا

تقديم: مختار إحسان عزيز

-
الكتاب: العلاقات المسيحية الإسلامية - دراسة في تاريخ وأدب وثقافة مالطا
المؤلف: جوفيلا كاوتشي
الناشر: مركز دراسات العالم الإسلامي


الحصار الكبير

يفرد الكاتب عدة صفحات لسرد وقائع "الحصار الكبير" الذي وصف بأنه أحد أهم الأحداث التي غيرت مجرى التاريخ لأنه أوقف التسلل العثماني إلى أوروبا المسيحية. ويقول إنه كما أوقف شارل ماتل تقدم المسلمين في أوروبا عن طريق البر كذلك أوقفت مالطا تقدمهم عن طريق البحر وأصبح ينظر إلى الفرسان على أنهم المنقذون للعقيدة المسيحية.

ويخصص الكطاتب بقية الفصل لاستعراض الآراء المختلفة حول حقيقة أصل المالطيين جغرافيا وعرقيا ولغويا. فالتركيب الجيولوجي للجزر المالطية لا يزال موضوع جدال. إذ أن وقوع مالطا بين قارتي أفريقيا وأوروبا كما يقول "ه. لوك" خلق الشكوك في أذهان العلماء إزاء إلى أي من القارتين تنتمي مالطا كتلك الشكوك التي تحوم حول انتماء قبرص إلى آسيا أم إلى أوروبا.

ويؤكد اللغوي المالطي "دي سولدانيس" أن الجزر المالطية تشكل جزءا لا يتجزأ من أفريقيا وايس أوروبا. بينما يقول "فرانسيسكو أبيلا" إنه بحكم أن مالطا أقرب إلى أوروبا فهي لا بدأن تنتمي لتلك القارة جغرافيا.

واكتسب الجدل القائم بين المؤرخين والجغرافيين مزيدا من التعقيد عندما أضيف إليه بعد سياسي لما ألحقت مالطا ببريطانيا وصدر مرسوم ملكي ينص صراحة على اعتبار مالطا جزءا من أوروبا وأن تعامل جزيرة مالطا ورعاياها في جميع الأحوال على ذلك الأساس.

ويأتي بعد ذلك التساؤل: هل المالطيون أفريقيون أم أوروبيون؟ هل هم إيطاليون أم عرب؟ أم هل هم كما يحبون أن يصفوا أنفسهم رومانتيكيا فينيقيون؟

وتتضارب النظريات في هذا الخصوص فانحاز البعض إلى الإيطاليين بما اسموه الأصل الصقلي للجنس المالطي، وآخرون في سعيهم الجاد لإنكار أي أصل عربي اختاروا الأصل الفينيقي.

ويقول الكاتب إن الجدل حول أصل المالطيين قديم يعود إلى أيام الرومانيين حيث صنفهم المؤرخ الروماني ديودوس بأنهم "برابرة" وكذلك فعل القديس لوقا. أما الفرسان فيصفون المالطيين بأنهم صقليون مع أصول أفريقية.

وفي كتابه "مالطا والجنس المتوسطي" يقول "ن. ر. برادلي" إن ولع المالطيين بالانتساب إلى الفنيقيين مرده إلى رغبتهم في رفع رؤوسهم عاليا أمام الإنجليز والإيطاليين وذلك بالانتساب إلى أجداد نبلاء ومشهورين على قدم المساواة مع اي جنس آخر في العالم.

وينتقد "نايجل دينيس" الكثير من النظريات الخاصة بأصل سكان الجزيرة ويقول: "ليس هناك حاجة لإبراز الروابط الطويلة الوثيقة التي تربط مالطا بأوروبا في أغلب تاريخها ولكن الرابطة مع أفريقيا هي كذلك قوية جدا" إذ بينما نجد أسماء الأماكن في صقلية من أصل صقلي نجدها في مالطا سامية الأصل مع أن الحكم العربي شمل صقلية ومالطا في نفس الوقت".

ويقول الأستاذ "ج. أكويلينا": "نحن المالطيين ورثة لمسيحية عمرها يقارب الألفي سنة. وهي حضارة أقدم بكثير من الإسلام. ونحن من الناحية العقلية والاجتماعية أوروبيون كاصدقائنا في الغرب الحر الذين نشترك معهم في ميراث واحد".

ومع أن أكويلينا هو أستاذ لغة ويعرف جيدا معنى كون اللغة المالطية سامية إلا أنه ينحاز إلى الهوية الأوروبية لمالطا ويرفض "الظل الإسلامي" لصالح الهوية الغربية التي لا يستطيع تحديدها على وجه الدقة.

ويؤكد برادلي المذكور سالفا أن الكتاب المالطيين والأجانب قد ناقشوا المسألة العرقية للجزيرة بدون تجرد اي متأثرين بالعاطفة والميول العامة بدلا من الحرص على إظهار الحقيقة".

ويقول الأستاذ جيفري هيل: "كون المالطيين ينتمون إلى جنس البحر المتوسط حقيقة لا ينكرها أحد. غير أنه هناك حاجة إلى توضيح أصلهم العرقي وماهية علاقتهم على وجه الدقة بجيرانهم المتحدثين بالإيطالية والعربية".

اللغة المالطية

أما من الناحية اللغوية فقد سادت "النظرية البونية" بين العلماء والهواة على حد سواء. وأصبحت المسألة اللغوية فيما بعد مهمة لأسباب إمبريالية سياسية بأمل إعطاء المالطيين نوعا من الهيبة المستقاة من الاصل الفينيقي البونيقي وليس العربي وذلك كان مناورة لا غنى عنها لتشجيع تعلم اللغة الانجليزية، ولكن هذه الفرضية البونيقية "لحسن الحظ" كما يقول الكاتب قد أهملت الآن وأصبح هناك شبه إجماع على أن الأصل العربي – المغاربي هو المصدر الذي لا جدال فيه للغة المالطية. غير أن مسألة اللغة كانت تنم عن مواجهة ايديولوجية ثقافية – سياسية، وربما دينية ولا يزال الأمر كذلك إلى اليوم وإنْ بشكل طفيف.

وواقع الأمر هو أن اللغة المالطية هي فرع من اللغة العربية الدارجة المتحدث بها في المغرب العربي وقد ترسخت في الجزيرة بعد غزو سنة 870. ولكن منذ بداية منتصف القرن الماضي احتدم الجدل حول الطبيعة السامية لهذه اللغة مشحونا بالتردد من جانب الطبقات ذات النفوذ باعتبارها عربية الاصل. وكانت الطبقة المتعلمة قد تربت على الثقافة الإيطالية وسادت الرغبة الجامحة في القرن التاسع عشر في الوحدة مع إيطاليا بل واعتبار مالطا جزيرة إيطالية مسيحية أوروبية مئة بالمئة راسخة الجذور منذ ايام الرسل في ثقافة دينية تكره الانتماء إلى أي عنصر غير أوروبي أو غير مسيحي.

ويؤكد "أوليفر فريجيري" على الروابط الحميمة السياسية والثقافية والدينية بين مالطا وإيطاليا عموما وصقلية بشكل خاص. في العصور الوسطى حلت اللغة الإيطالية محل اللاتينية وازدادت هيمنة اللغة الإيطالية أثناء حكم الفرسان ونفذت غلى جميع جوانب الحياة المالطية.

وبعد أحداث شغب 7 يونيو منحت مالطا دستورا جديدا ينص على اعتبار اللغتين الانجليزية والإيطالية هما اللغتان الرسميات لمالطا وكان ذلك سنة 1921.

وتحت عنوان "الهجرة إلى شمال أفريقيا" يقول الكاتب إن تنامي عدد السكان في القرن التاسع عشر أصبحت المشكلة التي ترهق المجتمع المالطي نظرا لصغر الجزيرة وضآلة مواردها.

وكانت الهجرات المالطية تتجه بشكل كبير إلى البلدان الإسلامية في شمال أفريقيا للانضمام إلى المهاجرين الأوروبيين إليها أيام الاستعمار لاستغلال الفرص المتاحة في الجزائر وتونس وليبيا ومصر. وفي سنة 1841 كان نصيب الجزائر من المهاجرين المالطيين 45% تليها تونس 17% فمصر 15% فطرابلس 205% وفي أواخر هذا القرن، اي في سنة 1868 حلت مصر محل الجزائر كوجهة مفضلة للهجرة وأصبحت الإسكندرية وبورسعيد موطنا للآلاف من المهاجرين المالطيين.

وقبيل الاحتلال الإيطالي لليبيا كانت أعداد كبيرة من المالطيين قد هاجرت إلى طرابلس ولكنها عادت إلى مالطا بسبب الغزو الإيطالي.

وفي تونس كان هناك أكثر من 13000 من المالطيين سنة 1921 وأعطي هؤلاء الجنسية الفرنسية إبان الغدارة الاستعمارية. وكان هناك اتصل طبيعي بين المالطيين والسكان الأصليين التونسيين وسهل ذلك كون اللغة المالطية من اصل عربي. ولكن مع أن المالطيين كانوا يتحدثون بلهجة ومفردات مستقاة من اللهجة التونسية العربية. وبالرغم من تأقلمهم مع الأكل، وطرق الحياة والفنون الشعبية التونسية، إلا أنهم لم يعتبروا انفسهم عربا. ويعزى هذا إلى الأيديولوجية الدينية التي حرص رهبان الابرشيات على تأصيلها بين الجالية المالطية.

العلاقات المالطية العربية

ومن الممكن الاستنتاج مما سبق أن بلدان شمال أفريقيا كانت لها روابط مع مالطا متينة ومثمرة منحت مالطا فرصا جديدة للعمل وازدهار التجارة لم تكن لتتوفر للمالطيين داخل الجزيرة، ويمكن للمهاجرين العائدين من هذه البلدان الاستفادة من خبراتهم هناك في توسيع مداركهم وآفاق تفكيرهم من أجل إعادة النظر في انحيازهم الأوروبي ضد "الآخر الإسلامي".

يستعرض الكاتب تاريخ مالطا المعاصر، اي منذ استقلالها في 21 سبتمبر 1964، ويتناول بشيء من التفصيل مدى نفوذ الكنيسة السياسي، وبروز ظاهرة منتوف وما رافق ذلك من صدام وانقسام في المجتمع المالطي. ثم يفصل في العلاقات الليبية – المالطية تحت إدارة منتوف، فيقول إن الغدارة العمالية وجدت نفسها في أزمة اقتصادية سنة 1971 واتجهت إلى ليبليا للمساعدة. وكانت استراتيجية منتوف تتلخص في رؤيته بأن الصداقة مع العرب هي الضامن الأكيد للازدهار الاقتصادي على الأقل في السمتقبل المنظور.

ففقد كان يرى أن الشرق الأوسط كله مفتوح لما يمكن أن تقدمه مالطا، وكان يؤكد على موقع مالطا المثالي كقاعدة للملاحة المباشرة إلى شمال أفريقيا والشرق الأوسط. وفي هذا السياق كان منتوف حريصا على الإشارة إلى أن علاقاته مع الزعماء العرب كانت جيدة حتى قبل أن يعطيهم النفط المكانة المرموقة التي اكتسبوها في ما بعد.

ومن المشاكل التي رافقت التقارب المالطي الغسلامي برزت مشكلة الزيجات المختلطة بين الكاثوليك والمسلمين. فمع نجاح منتوف في ربط العلاقات مع العرب ازدهرت العلاقات الاجتماعية والعاطفية بين الجانبين وقامت إدارة منتوف بإصدار تشريعات جديدة تتعلق بالزيجات تسمح بالزيجات المدنية في مالطا.

وفي سنة 1989 قامت حكومة فينيك آدامي بإصدار المزيد من التشريعات التي تسهل الزيجات المختلطة.

وتكمن المشكلة في هذا المضمار في الفوارق في طبيعة أسس الزواج الكاثوليكية والإسلامية وأهمها مسألة تعدد الزوجات المسموح به في الدين الإسلامي والممنوع تماما في العقيدة الكاثوليكية. ويشير الكاتب في هذا الخصوص إلى عدد من المشاكل من واقع ملفات المحاكم المالطية.

ويشير الكاتب إلى أن أحد نتائج التقارب مع العالم الإسلامي كان إنشاء فرع لجمعية الدعوة الإسلامية العالمية بمالطا الذي قام في سنة 1978 ببناء مسجد للجالية الإسلامية بمالطا. ومما ساعد على خلق المناخ المناسب بمثل هذا الإنجاز إعلام مالطا جمهورية مستقلة في 13 ديسمبر 1974، ومع النص بوضوح في أحدى مواد الإعلان بأن العقيدة الكاثوليكية الرومانية هي الدين الوطني للبلاد إلا أنه نُصّ كذلك على حرية الضمير والسماح بممارسة الأديان الأخرى.

وفي سنة 1975 تقدمت جمعية الدعوة الإسلامية العالمية بطلب للحصول على قطعة أرض بغرض بناء مركز إسلامي ووافقت الحكومة المالطية مباشرة على ذلك لحرصها على تحسين العلاقات مع العالم العربي، وتم بناء المركز خلال ثلاث سنوات.

وبالرغم من التحفظ العدائي الذي أظهره البعض وافقت الكنيسة الكاثوليكية على بناء المركز الإسلامي بروح مجلس الفاتيكان الثاني، وبهذا نشأت أولى بوادر التقارب الإسلامي المسيحي، حيث قام كبار مسؤولي الكنيسة بزيارة المركز، وأصبحت اللقاءات بين ممثلي الكنيسة والمسلمين كثيرة الحدوث على أساس من الصداقة والاحترام المتبادل.

وقد سعيت جمعية الدعوة الإسلامية العلمية بكل جدية إلى التغلب على روح الشك والتعصب الذي ساد في مالطا طويلا نحو الإسلام والمسلمين. وعن طريق مطبوعة "الحوار" حرص المركز الإسلامي على بناء جسور الفاهم بدلا من العنصرية والكراهية التي كانت سائدة.

وفي لقاء مع المونسينيور انتوني جاوتشي لم ينكر أن المالطيين كانوا يكنون الكثير من التعصب ضد الإسلام، وقال إن هذا يمكن عزوه إلى الأحداث التاريخية وليس فقطك إلى الفوارق الدينية، وأضاف إن الأمر تغير جذريا اليوم.

ثم يشير الكاتب إلى إنشاء مركز دراسات العالم الإسلامي مقتبسا من كلمات مدير المركز إن المركزي يرمي إلى الاستجابة إلى حاجات الباحثين وصناع القرار والمفكرين والأشخاص المهتمين بشؤون العالم الإسلامي.

ويضيف أن المركز يهدف إلى أن يكون أداة البحث والمعرفة العلمية فيما يتعلق بمكانة الإسلام في العالم المعاصر، وفي هذا المضمار يصدر المركز مجلة فصلية تختص بالدراسات الاستراتيجية حول العالم الإسلامي، ويستضيف مختلف الندوات والمؤتمرات وحلقات الدراسة مع الحرص بشتى الوسائل على التنسيق مع المراكز الأخرى المشابهة تجنبا لتكرار الجهود.

يتناول الفصل الثاني من الدراسة موضوع التأريخ لمالطا وبخاصة ما اعتراه من تحريف وتحيز وتعصب، ويقول في بداية الفصل إن كتابة التاريخ المالطي منذ المؤرخ "ج ف أبيلا" في القرن السابع عشر وحتى عهد متقدم في القرن العشرين تميزت بالعداء ضد العرب والأتراك ولم يتخل حتى المؤرخون العلميون عن نزعة "الأنا" ضد الآخر حتى في السبعينات من هذا القرن.

والمؤرخون المالطيون أنفسهم لم يستطيعوا التخلص من عقدة العداء والانحياز العنصري متأثرين في ذلك بوجهة نظر العامة التي ترى في الأسياد الأوروبيين المثل الأعلى وترفض أي إيحاء بأن الثقافة المالطية تنتمي إلى أية جذور غير أوروبية، فالفترة العربية ينظر إليها في الغالب على أنها فترة قهر ودمار لم تسلم منها إلا على يد الكونت روجر النورماندي الذي "أرسلته العناية الإلهية للإنقاذ" حسب قول المؤرخ وعالم الآثار تيمي زميت.

وهناك مؤرخون آخرون مثل تشانتر "1772" وجوزيبي فيلا في أواخر القرن الثامن عشر ودومنيك ميج'أعطونا معلومات حول الفترة العربية لا نستطيع من الناحية العلمية القبول بها".

وعندما يستثني المؤلف المؤرخ "أ. مامير "1896" ويعتبره أول من أعطى صورة تاريخية حقيقية للفترة العربية في التاريخ المالطيين يردف ذلك بقوله "إن الكثير من آرائه تم تجاهلها من جانب المؤرخين المالطيين الآخرين".

ويذكر المؤلف من بين أهم المؤرخين الرسميين لفترة الفرسان كلا من بوزيو وبالبي، ويقول عن بوزيو إن عرضه الموجز لحصار جوزو سنة 1551 يعبر بصدق عن آرائه الازدواجية: الغرب ضد الشرق، والمسيحية ضد الإسلام، والتحضر ضد البربرية. وبوزيو وبالبي هما اللذان أسسا المقاييس التي استعملها المؤرخون من بعدهم وخاصة فيما يتعلق بما كتب عن الحصار الكبير وما تميز به من تغليب الجانب الديني والعنصري للنزاع وانحياز كامل ضد الأتراك المسلمين.

ولم يكن المؤرخ بالبي يحمل غير الازدراء للإسلام الذي يعتبره "دينا تافها" متجاهلا عمدا أوجه الشبه بين المسيحية والإسلام، ويبالغ في وصف الأتراك بأقذع الألفاظ، ويبالغ كذلك في الخسائر التي تكبدها الأتراك وفي التقليل من شأن خسائر الفرسان، وبقي نموذج بوزيو وبالبي هو المثال المحتذى في كتابة التاريخ المالطي لأجيال طويلة.

ويفرد المؤلف عدة صفحات للحديث عن جيان فرانسيسكو أبيلا الذي أسماه عميد المؤرخين المالطيين ويشير إلى أنه اشتهر بلقب "أبو التاريخ المالطي".

وكان هدف أبيلا الثابت هو تقديم مالطا بوصفها "مسيحية أوروبية بالضرورة" ولا يخفي أبيلا في كتاباته تعصبه الواضح ضد الإسلام والمسلمين ولا يتورع عن السب المقذع للنبي محمد "صلى الله عليه وسلم" ووصف العرب بالقسوة والبربرية في كل مناسبة. وجاء سرده لتاريخ الحقبة العربية منسجما مع نزعته هذه بشكل واضح.

ويعلق المؤرخ على كل هذا بالقول إن أفضل ما يوصف به تاريخ ابيلا هو أنه في أفضل الأحوال تقليدي، وهو في أسوأ الأحوال أسطوري متحيز، ولا شك أن ابيلا قد عمل داخل المحيط الاجتماعي والثقافي السائد في زمانه تحت نفوذ رجال الدين والنزعات العنصرية الأوروبية.

ثم يذكر المؤلف خمسة من المؤرخين المالطيين تحت الحكم البريطاني ويستعرض جملة من كتاباتهم وينتقدها بأنها لم تستطع التخلص من التقاليد السابقة على أية حال.

وفي استعراض مطول لكتاب التاريخ الانجليز والإيطاليين وعرض نقدي لجملة من كتبهم يبين فيه تخلي هؤلاء عن الانحياز والتعصب مقارنة بما لمسناه عند المؤرخين المالطيين، يأتي المؤلف إلى المؤرخين المالطيين في القرن العشرين فيذكر منهم باولو دي بونو الذي وصفه بقمة الاعتدال مقارنة بمن سبقوه. ومع ذلك فهذا المؤرخ دعا إلى ضم مالطا لإيطاليا ولم يستطع إخفاء ميوله الفاشستية، وهاجم بعنف أولئك الذين أرادوا "تعريب اللهجة المالطية ورفعها إلى مصاف اللغات المحترمة" ل،ه كان يحبذ تبني اللغة الإيطالية.

ويذكر المؤرخ كاروانا ويقول عنه إنه كان لا يخفي اعترافه بمنجزات العرب في الماضي ولا يمانع في الإشارة إلى ترحيب المالطيين بالعرب في بادئ الأمر ولكن عندما يتعلق الأمر بالدين لا يقتصد كاروانا في "ذم الدين الإسلامي ونزعة العرب إلى نشر معتقداتهم في كل مكان وقع تحت أيديهم".

ويقتبس من مؤرخ آخر وهو جيوفاني فاوري قوله إن المالطيين قد ملوا العرب لسبب أساسي وهو أنهم لم يسمحوا بممارسة دينهم، وقوله عن العرب "بالنسبة للدين لا يقبل العرب بأية أديان أخرى، لأن دينهم دين غير شرعي وهم لذلك يريدون الإبقاء عليه بقوة السلاح والقسوة".

أما المؤرخ أغسطس بارتولو فعلى النقيض من ذلك، إذ يقول إن المالطيين رحبوا بالفعل بالعرب لأنهم قد أرهقوا من قبل حكامهم البيزنطيين. ولأن العرب عاملوا المالطيين بشكل إنساني وسمحوا لهم بحركة كبيرة وإنْ لم تكن كاملة بممارسة معتقداتهم. ويرى بارتولو أن الصورة المرسومة للعرب كحكام قساة أخذت عن الكتابات المضللة التي سطرها الكتاب المسيحيون المتعصبون ضد العرب ودينهم – والتي تعرض المسيحية على أنها المجسّدة للخير – والإسلام على أنه المجسّد للشر. ويقول بارتولو "إن العقيدة القديمة حول اضطهاد المسيحيين المالطيين من قبل حكامهم المسلمين لا أساس لها من الموثوقية مطلقا".

أما المؤرخ ثيموستكلس زاميت فهو في نظر المؤلف أكثر المؤرخين المالطيين تحريا للموضوعية وإنْ لم يكن دائما دقيقا. ومما اقتبسه هذا المؤرخ من أقوال قوله "إن الحكم الإسلامي في مالطا لم يكن قاسيا، ونحن نعلم أنه في مقابل دفع مبلغ تافه، كان المسلمون مستعدين لضمان حرية العبادة للمالطيين".

وفي رأي المؤرخ زاميت أن الهدف الرئيسي لفتح العرب لمالطا كان لأسباب عسكرية وليس لأغراض دينية. ويؤكد على الانسجام الذي كان سائدا بين العرب والمالطيين".

ومن السرد التاريخي والآراء المعتدلة لبارتولو وزاميت نعود على يد الكاتب والمعلم لاسبينا إلى التعصب التقليدي ضد العرب والمسلمين عموما ويكفي قراءة الجملة الأولى في الفصل عقده عن الحكم العربي بمالطا للتدليل على ذلك حيث يقول: "حلت الأيام التعسة الآن بمالطا، فالأسياد الجدد الذين يحترقون بنار الكراهية للمسيحيين عاملوا المالطيين بدون أدنى كرم وربما عرضوهم لصنوف الإذلال". ومع ذلك يعترف هذا الكاتب في الحالات القليلة التي امتدح فيها العرب بأن العرب رجال أعمال وحرفيون شطار، وعلماء رياضة مبرزون، وبأنهم هم الذين أعطوا الجزيرتين الصغيرتين هودج وكمونة اسميهما.

ولا يختلف لاسبينا عن غيره من المتعصبين في وصف المسلمين بـ"الكفار" و"أعداء الله" وإضفاء صفة القداسة على شخص الكونت روجر ونعته بـ"محرر مالطا المسيحية من الكفار".

ويخصص الباحث الفصل الثالث للنظرة إلى الإسلام والمسلمين في الأدب المالطي، ويقول إنه في شتى فروع هذا الأدب من الشعر إلى الرواية إلى المسرحية أطلق العنان للتعصب وترسيخ الصورة النمطية عن الآخر الأوروبي، غير المالطي، غير المسيحي والبربري المتخلف. ونسجت أساطير البطولة والأمجاد حول شخصية الكونت روجر وأحداث الحصار الكبير من جهة مع رسم صور كاريكاتورية ساخرة مقذعة عن العرب وأخلاقهم وتصرفاتهم. ويذكر المؤلف في هذا الخصوص المجلد المسيحي "كتب لأوقات الفراغ" وهو عبارة عن 150 كتيبا باللغة المالطية كأحد أهم المصادر الشعبية التي نبالغ في وصف العرب والأتراك والمسلمين الأشرار".

وتحت عنوان "المسلمون في الأساطير المالطية" يشير المؤلف إلى الأساطير المتعلقة بالنورمانديين، والأساطير المنسوجة حول "القراصنة الأتراك في مالطا وهودج" والأساطير الهودجية، والأساطير الدينية، وأسطورة "القديس جورج والأتراك" التي أعاد صياغتها الكاتب أنطونيو عطارد وأسطورة "مدينة" وأسطورة "برج غريب" وأسطورة "العبيد الهودجيين في ترهونة" وغيرها كثير وكلها تنسج على منوال واحد وهو تهويل البطولات المسيحية والإقذاع في وصف المسلمين الأعداء.

وفي الشعر تناول المؤلف بالتحليل الملحمة الطويلة التي كتبها جيان أنتون فاساللو سنة 1850 وهي تدور حول أهداف الحصار الكبير بشيء من الاعتدال فيما يتعلق بوصف الأتراك المسلمين وإنْ لم تخل من المشاعر العدائية نحوهم، وهذه الملحمة المسماة "عروس موستا" تحكي قصة عروس من موستا خطفها القراصنة الأتراك "الأوغاد" وحاولوا ضمها إلى حريم الباشا التركي إلا أن هذه العروس رفضت التحول عن دينها وأصرت في شجاعة على المحافظة على هويتها المالطية المسيحية، وعلى شاكلة هذه الملحمة كتبن ملحمة "كاترين المدنية". وتشتهر من الأشعار المالطية قصيدة "الكونت روجر" التي كتبها فينيسونزو لورينزا، أستاذ اللغة الإيطالية بجامعة مالطا في أوائل هذا القرن وتدور حول قدوم "الفاتح النورماندي الذي خلص مالطا من العرب".

ونجد صدى هذه القصيدة في قصيدتين كتبهما الشاعر فينرينزو ماريا بلليجريني إحداهما بالإيطالية والأخرى بالمالطية وكان عنوان الأولى "انتصار العقيدة" والثانية "الانتصار الملحمي لأمتنا".

ويبالغ بلليجريني في قصيدته في الشتائم المقذعة للمسلمين والإسلام، ويدّعي أن المسيحيين اضطروا للقتل دفاعا عن العقيدة أما المسلمون فكانوا يقتلون لمجرد استمتاعهم بسفك الدماء.

ثم يشير المؤلف إلى قصيدة "إلى الأتراك" للشاعر "ج.ج. كاميلليري" ويصفها بأنها من أكثر القصائد تمسكا بالعاطفة الإنسانية نحو "العدو الأبدي" ففيها يلوم الشاعر ويؤنب أبناء شعبه بأنهم يفتقرون إلى المشاعر الإنسانية التي كان ينبغي عليهم التحلي بها نحو هذا العدو الأبدي. بل يصنف الأجداد المالطيين بالمنافقين الذين استمرأوا عادة الكراهية والتعصب. ويختتم القصيدة بقوله "ونحن في تعصبنا الأعمى نسينا أنكم "الأتراك" بشر".

ويؤكد المؤلف في خاتمة الرسالة أن التفكير التقليدي المنحاز ضد أي شيء له علاقة بالإسلام والمسلمين هو الذي غلب على مر القرون الفكر المالطي في السياسة والدين والتاريخ والأدب، ويعزو باختصار هذه الحالة إلى الحكمة القائلة غن الإنسان عدو لما يجهله.

ثم يضيف إنه منذ أوائل السبعينات من هذا القرن بدأت بشائر حقبة أسعد وأكثر إيجابية تطل علينا، ولكنه يعود فيقول إن العداوة التقليدية في الماضي كانت نابعة بشكل أساسي من الخوف على العقيدة والأمن من الغزو الخارجي الآتي من وراء البحار. أما اليوم فبقايا هذه العداوة تستند على وتتولد من نظرة المالطيين إلى التميز والتفوق الأوروبي في مقابل العرب "وليس الأتراك" مقرونا بشيء من الحسد تجاه الجيران العرب الساميين الذين هبطت عليهم ثروة هائلة من النفط الخام.

ولا تزال وجهات النظر المالطية في الدوائر الثقافية حول الإسلام تتفاوت وتتضارب إلى يومنا هذا ومن التمسك الأعمى بالموروث التقليدي المتعصب إلى المحاولات الفاترة لإظهار بعض الموضوعية والإنصاف، إلى الإدراك الكامل لأهمية ترسيخ مبادئ الحوار والتفاهم والتقارب الذي لا مفر منه في عالم اليوم الذي تقاربت فيه المسافات وصغر فيه حجم العالم الذي نعيش فيه بفضل ثورة المعلومات والاتصالات.

يقول المؤلف إنه في هذه الرسالة أرّخ لسوء الفهم، ونزعات التعصب التي سادت في الماضي ولا تزال بقاياها تتناثر هنا وهناك في الطريق اليوم. وأكد على أن المالطيين الكاثوليك والعرب المسلمين جميعا يؤمنون بإله واحد. وقد حارب بعضهم بعضا في الماضي من دون طائل دفاعا عما يراه كل منهم أنه "هو الدين الصحيح الوحيد".

أما اليوم، وكما أكد على ذلك مؤتمر الفاتيكان الثاني فإنه من الضروري والحتمي علينا أن نسعى إلى شفاء جراحات الماضي لنصل إلى التفاهم المتبادل لمصلحة الإنسانية جمعاء. وهذه المساعي ستمكّننا نحن المالطيين بكل تأكيد من كسر الحواجز التي بولغ في بنائها ودعمها في الماضي وبناء جسور التفاهم مع العالم العربي والعالم الإسلامي وصولا ليس فقط إلى ترميم ما خلفه الماضي من الأضرار ولكن إلى التطلع إلى التعاون الذي يقودنا جميعا إلى مستقبل أفضل.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
العلاقات المسيحية الأسلامية - دراسة في تاريخ وأدب وثقافة مالطا - جوفيلا كاوتشي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البيت الآرامي العراقي :: الثقافية , الادبية , التاريخية , الحضارية , والتراثية Cultural, literary, historical, cultural, & heritage :: منتدى النقد والدراسات والاصدارات Monetary Studies Forum& versions-
انتقل الى: