البيت الآرامي العراقي




البيت الآرامي العراقي

سياسي ِ ثقافي ِ أجتماعي


 
الرئيسيةالرئيسيةبحـثالتسجيلarakeyboardsyrkeyboardدخول

شاطر | 
 

 دموع مسكوبه ... على ضفاف شط العرب : ميثم مهدي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
البيت الارامي العراقي
الادارة
الادارة



الدولة : المانيا
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 9451
تاريخ التسجيل : 07/10/2009
التوقيت :

مُساهمةموضوع: دموع مسكوبه ... على ضفاف شط العرب : ميثم مهدي   الأحد 29 يناير 2012, 12:57 am

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
دموع مسكوبه... على ضفاف شط العرب
شبكة البصرة
ميثم مهدي
من عاش على ضفاف شط العرب أجمل سنين حياته وتظلل بغابات نخيله وأنعشت مياهه الرقراقه جسده الطفولي في هجير الصيف يشعر بهول الفاجعة وعظم الكارثه.

عشت طفولتي وشبابي ومعظم سنين كهولتي على تلك الضفاف اتغنى بجمالها وارتوي من مياه شطها واقضي الساعات اصطاد مياهه اراقب المد والجزر وطيور النورس والبواخر تشق عبابه جيئة وذهابا... الابلام العشاريه تحمل المتنزهين والقوارب البخاريه تنقل المواطنين الى الصالحيه والفياضي ونهر جاسم.. ومئات المتنزهين يقطعون كورنيشه بنشاط يتابعون اطفالهم يتقافزون بمرح على ارصفته وحدائقه.. ويرتاد الناس مقاهيه المنتشرة على ضفته الغربيه.. كان شط العرب قرة اعين البصريين فهو يحمل الخير والامل والرفاه.. يتأمل البصري باخرة قادمة يدل غاطسها على انها تحمل الاف الاطنان من البضائع متجهة الى ميناء المعقل وتغادر اخرى متجهة الى الفاو فتنطلق صفارت الباخرتين بالتحيه.. تعود البصري على هذه المناظر منذ نعومة اظفاره..



بألأمس هزتني الاشواق لأشد الرحال الى البصره بعد فترة قصيره من الفراق كانت دهورا

شعور لايدركه الا المحب المفارق.. القيت بحقيبتي في بيتي وانطلقت مثقل الخطى الى شط العرب وشعور ثقيل يجثم فوق قلبي.. فالذي سمعته عن شط العرب اثار همومي وخوفي اذ عند دخولي البيت شعرت بالقلق يساورني.. حديقتي الصغيرة التي كنت اعتني بها سنين طويله بنخلتيها البرحيه والقنطاره وشجرتي برتقال مثمرتين وشجرة ملكة الليل تعطر غرفتي القريبة فتشيع البهجة.. حشيش الحديقة الاخضر.. علته صفرة الموت وكأن شعلة نار احرقته.. شجرتي البرتقال لم تعد سوى اغصان جافه ملكة الليل لم بقى منها سوى وريقات تحتضر.. سألت الحارس المقيم في بيتي عما جرى فأطرق برأسه في صمت من لايريد ان يفجعني بخبر.. وفي صوت متحشرج قال : الماي... عمي.. الماي.. مصيبه وطاحت علينا

لذا انطلقت لأرى شطنا العظيم الذي اطلق عليه المجوس ارفاند رود.. السكون مخيم عل ضفته.. شط العرب الهادر الامواج يتمطى في خمول عجيب ليس من نومة هانئة بل من كارثة حلت به..وقفت على ضفته وهالني مارأيت فضفافه التي كانت تعانق مياهه لأقل موجة تسببها باخرة عابره اصبحت طين آسن ولمسافات كبيره امتلئ بالمخلفات والقاذورات وماءه المتدفق اصبح مثل بصقة صدر مسلول يعاني من مرض السل في مستشفى البصرة الجمهوري.. جلست على ضفته بعد ان عجزت سيقاني من حمل جسدي لما رأيت...!!!

هذا ليس بشط العرب.. لاشك اني في كابوس رهيب اشد وطأة من كل كوابيس حكومات العار بعد الاحتلال... الماء ليس ماء بل خليط منفر من الوان القذاره.. من المستحيل ان يكون هذا النهر الذي سقى العطاشى الاف السنين قتيلا على ضفافه.. انحدرت من عيني دمعتين احسست بملوحتها.. تساءلت في نفسي هل مياه شط العرب اشد ملوحة من دموعي؟

لست ادري.. وانا غارق في بحر تساؤلاتي جلس بقربي صياد سمك بعد القى التحيه واخرج معداته ليلقي بخيوطه بتثاقل واضح.. سألني هل انت من هواة صيد السمك فأخبرته بأني كنت ولكن في زمن صيد الشانك والحمري والشبوط.. استغرب من حديثي وكأنني اتحدث عن زمن الطنطل وحمارة الكايله.. اطلق أهة حبيسه وتأسى على زمن الخير.. يبدو لي انه لم يأت للصيد بل ليستعيد ذكرياته.. سألته من باب الفضول اذا كان يصطاد شيئا فاجاب بأن شط العرب اصبح عقيما لاينجب.. ليس هناك سمكا بل سموما تقتل كل شيئ.. سألته عن طيور النورس التي ترفرف بأجنحتها البيضاء فوق المياه والت يبدو انها ضاقت ذرعا بشط العرب ومياهه فأجاب بأنها لم تعد تجد الماء ولا الطعام وأقسم بأنه رأى بعض العصافير تشرب من نهر قريب ثم لاتلبث ان تسقط ميته فكل شيئ ملوث.. وجلسنا نتحدث ساعتين دون ان تعلق سمكة بسنارته.. الى هذا الحد اصبح شط العرب بخيلا بخيره على ابناءه.. اسدل الليل استاره فافترقنا وصاحبنا يردد من خلال فم لم يبقى منه من الاسنان شيئا : عمي الخير راح ويا ناسه... من هم ناسه ياترى؟



اويت الى بيتي في ظلام دامس لأن كهرباء الوطنيه لم تصل لمنطقتنا بعد واشعلنا مصباحا غازيا صغيرا استعمله برحلات الصيد وعلى ضوء المصباح تهاوت انواع الحشرات والبعوض مما اضطرني الى اغلاقه كي اتناول طعام العشاء ون مشاركة هولاء الضيف المزعجين.. تناولت الصمونة التي رافقتنا منذ ان عرفنا الدنيا حيث كانت تختفي في حقائبنا المدرسيه وقد امتلأت بالجبن الابيض والطماطه والنعناع او القيمر ومربى الفراوله نتناولها بشهية عجيبه وسرعة تفوق سرعة غينيز للسرعات خوفا من رنين جرس الحصه.. قلبت الصمونه التي تضاءل حجمها وجفت معالمها وفقدت رائحتها المميزه.. حتى الصمون لم يسلم من ديمقراطية التغيير.. الروبة التي تناولتها والتي كانت موضوعة في صندوق الثلج الذي احضرته معي.. هل هذا عشائنا في الايام الخوالي حينما يجتمع الاحباب على مائدة تضم خيرات العراق أم عشاء ديمقراطية الاحتلال..



جاءت الكهرباء بعد طول انتظار في استحياء عجيب وكأنها تقول : ياجماعه استروا على ماواجهتوا.. ترى من ها المال حلم جمال.. فتحت التلفزيون لأتابع الاخبار والبرامج حتى يسلب المسئولين روحها بعد ساعتين لنعود في ظلام عهد بوش واعوانه.

فراشي فوق السطح كعادة البصريين بشرط توفرالناموسيه والافالويل لك فميليشيات الناموس لاتقل اذى من ميليشيات الحكيم ومقتدى الصدر وزعيم عصابة ثار الله المجوسي يوسف سناوى.. فالحشرات على دين ملوكها... ليل البصرة ليس كلياليها الخوالي.. صمت رهيب

اشبة بصمت مقبرة دارسه.. اللهم من اصوات ابواق سيارات اودوي طلقة من هنا وهناك.

ايام الخير كان هدوء ليل البصره محببا ومألوفا رغم رطوبة الجو.. اصوات السينمات الصيفيه ودقات ساعة سورين التي تنتصب عند جسر العشار لايقطعه الا اصوات نفث مكائن الطحين.. ودقات دنابك بحارة خليجيين من اخواننا العمانيين الذين يحملون شحنات اللومي الجاف للتجار وينتظرون شحن التمور الى الموانئ الخليجيه.. هدوئها آنذاك طبيعة بصريه



استسلمت للنوم تحت تأثير نسمات شماليه يتمناها البصري كلما كتم انفاسه الهواء الجنوبي المسمى بالشرقي.. وان كان قادما من الشرق فتعسا لهذا الجار الذي لايحمل في جواره سوى الاذى.. استيقظت على سماع اذان الفجر والبصره تغط في نومها فقد كانت الساعة تشير الى مابعد الرابعه صباحا.. اعددت فطوري كي انطلق جنوبا لتفقد كارثة البصرة وشط العرب.. الى ابو الخصيب.. واحة النخيل بأنهارها ونخيلها الباسقات.. والتي كانت كخلية نحل في مواسم التمور تتمطى بكسل واضح فلم تعد هناك مكابس التمور ولاجراديغ جمعه..

المقاهي التي كانت تعج بروادها والضجيج في اسواقها والمياه المتدفقه في انهارها اصبحت من تراث الماضي.. توجهت الى نهر ابو الفلوس حيث كانت رحلات صيد سمك الشانك الموسمي على اشده وهو نوع يأتي من الخليج في موسم الصيد ويشكل نوعا مفضلا للبصريين رغم صغر حجمه.. لم يكن هناك اثر لصيادي سمك.. سألت احد الماره وهو يحمل ارغفة خبر فوق راحتيه : الايوجد شانك في الشط؟ قال وهو ينوء من ثقل همومه : هوظل ماي حلو حتى يجي الشانك.. عمي راح الشانك ويا اهله.. هسه ماعدنا الاالفقر.!!!



مياه الشط ذات لون غريب.. ليس ماء شط العرب الذي شربناه كئوسا مترعه من شاطئيه.

مررت بصديق من اصدقاء الطفوله فوجدته في بيته يتناول فطوره فدعاني لمشاركته ولأول مره اتمتع بطعم خبز شهي مع حليب طازج من بقرته... بدأ يشكو ويتململ من صعوبة الحياة وأن الماء اصبح يباع باللتر فكل 20 لترا ب 500 دينار.. سألته عن مياه شط العرب فضحك بمراره وقال : تقصد سموم شط العرب؟ ليس هناك مياه بل سموم قاتله.. كنت قد ذقت طعم الماء في بيتي من الحنفيه وكان مالحا رفض توسلات الصابونه ليرغو.. حينما تمضمضت احسست بحرقة في فمي اشبه بمن تمضمض بتيزاب.. دعاني صاحبي للغداء فاعتذرت لأني اود التجول على ضفاف شط العرب حتى الفاو.. نصحني بألأ اذهب فالصدمة اكبر مما يحتملها محب للبصره واهلها لكني اصررت حتى ارى كيف كنا وكيف اصبحنا.. في الطريق الى الفاو على جهة اليسار أثار اعجاز نخل خاويه كانت مزارع آل البراهيم.. انها الدوره والكطعه.. حيث كان هناك اجود انواع البرحي.. كان معي صاحبي فأقترحت ان نستطلعها وفعلا توجهت نحوها لكني لم ارى بساتينا كانت عامره بل اراض بور تغمرها مساحات شاسعه من الحشائش المسماة بالحلفه وهي ضارة بالمزارع.. ليس هناك اثر يدل على حياة اللهم نهر صغير انتشرت على جانبيه نباتات مائيه وطحالب.. هل من المعقول ان تكون هذه الجنان اثرا بعدعين وتموت نخيلها واقفه؟



توجهنا الى الفاو.. تلك المدينة التي تدنست يوما ما بأقدام الفرس المجوس حتى تحريرها بعد ان دفع ابناء العراق المهج والارواح لتحريرها.. لم ارى مدينة كانت عامرة بأهلها بل مدينة اشباح واستطيع ان اصرخ بأعلى صوتي الى نوري المالكي : ان الفاو منطقة منكوبه.. الكثير من اهلها هجروها فقد اضر بهم الظمأ.. لقد اغلق الفرس المجوس نهر الكارون الذي كان يساهم في ارواء الظمأى اضافة الى تدفق مياه النهرين العظيمين التي شحت مياهها منذرة بكارثه بيئيه لامثيل لها.. الفاو ياحكومة العار منطقة منكوبه ان كنتم تعلمون فبالاضافة الى قطع مياه الكارون جرى تلويث شط العرب بمخلفات معامل تكرير البترول مما قضى على الاف الاسماك.. الى هذا الحد وصل الحق بآل ساسان ليمنعوا المسلمين من جرعة ماء.

شاهدت اعدادا من الاسر تشد الرحال تركة تلك المدينة.. انها الفاو وليست هيروشيما يانوري المالكي... يشهد الله انني لم اتمالك من ان اذرف دموعا على بلد يموت شعبه ظمآنا وهو في احضان نهرين عظيمين.. وحكامه الاراذل مشغولين بتأمين مستقبلهم وانتخاباتهم وفساد ذممهم.. شعرت بالحقد يغلي في دمي وانا ارى اهلنا يغادرون مساكنهم بحثا عن مأوى يهيئ لهم اقل متطلبات الحياة في بلد مستباح بعلوج الروم والفرس.. جنوب البصره ياحكام المضبعة الخضراء يموت عطشا وانتم في غيكم تعمهون.. مؤلم ان تشاهد وبعد كل هذه السنين وطنك مستباحا مدمرا وشعبك يئن تحت غائلة الجوع والظمأ.. عدت الى بيتي وفي قلبي مرارة وأسى لايشعر بها الا من عاناها.. هذه البصره الفيحاء التي كانت سلة الغذاء للدول المجاوره تصبح اليوم تموت ظمأى تعوى الثعالب في بساتينها التي كانت عامرة بالنخيل والرمان والتين والعنب.. ماكنت سأصدق لو سمعت هذا الحديث من آخرين لكني عشته وعايشته وذقت طعم دموعي التي ذرفتها على وطن الحضارات والخير.. ألا لعنة الله على الظالمين ومن والاهم.

شبكة البصرة
الاربعاء 2 ربيع الاول 1433 / 25 كانون الثاني 2012
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
دموع مسكوبه ... على ضفاف شط العرب : ميثم مهدي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البيت الآرامي العراقي :: الاخبار العامة والسياسية General and political news :: منتدى المنبر السياسي والحوار الهادئ والنقاش الجاد الحر Political platform & forum for dialogue & discussion-
انتقل الى: