البيت الآرامي العراقي




البيت الآرامي العراقي

سياسي ِ ثقافي ِ أجتماعي


 
الرئيسيةالرئيسيةبحـثالتسجيلarakeyboardsyrkeyboardدخول

شاطر | 
 

 بلدة كرمليس : بقلم يهنام سليمان متي : ساندييغو - كاليفورنيــا - أمريكا

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Dr.Hannani Maya
المشرف العام
المشرف العام



الدولة : العراق
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 37598
مزاجي : أحب المنتدى
تاريخ التسجيل : 21/09/2009
الابراج : الجوزاء
التوقيت :

مُساهمةموضوع: بلدة كرمليس : بقلم يهنام سليمان متي : ساندييغو - كاليفورنيــا - أمريكا   الخميس 01 أبريل 2010, 6:19 pm

بلدة كرمليس


بهنام سليمان متي/ سان دييكو – كاليفورنيا






1. جغرافية البلدة:

كرمليس الحالية، بلدة كلدانية من بلدات محافظة نينوى، ترتبط اداريا بناحية برطلة، ضمن قضاء الحمدانية ومركزه (قره قوش-بغديدا). تقع جنوب شرق مدينة الموصل على بعد 28 كيلومترا، يمكن الوصول اليها عن طريق الموصل – أربيل مرورا ببرطلة، ثم بعد بضعة أميال تنحرف نحو اليمين لتصلها بعد بضعة دقائق، وهي على رأس ضلعي مثلث، طرفه الأيسر بلدة برطلة، والأيمن بلدة بغديدا (قره قوش). وتجثم كرمليس (كرملش) على هضبة تاريخية مساحتها حوالي (3 كم مربع) تحيط بها تلال أثرية كانت فيما مضى مدينة واحدة يحيط بها سهل فسيح يمتد من نهري الخازر والزاب من الشرق وحتى نهر دجلة غربا، يخترق هذا السهل جدول واحد يجري فيه منذ الأزل، مصدره نبعان كريمان، أحدهما عذب الماء والثاني كبريتي، يجريان من مرتفعات قرية (ترجلة) شمال شرقي القرية على مبعدة 6 كم، وهذا الجدول المائي يروي أراضي البلدة السيحية المحاطة بها ربيعا وصيفا، وينحدر شتاء نحو الغرب ليصب في نهر دجلة. ولعل الطبيعة حبت كرمليس وحدها بهذه النعمة الأزلية، نعمة الماء والخضراء وسط قرى كثيرة متعددة، تفتقر الى المياه الطبيعية، لذلك فأنت ترى أشجارها الباسقة وبساتينها ومزارعها الخضراء قبل الوصول اليها، وكانت الزراعة هي الحرفة الرئيسية الأولى التي زاولها أهلها أباً عن جد لسنين طويلة، وأعتزوا بها ولا زالوا أيم اعتزاز.

يبلغ تعداد سكان كرمليس خمسة آلاف نسمة، يسكنون قرابة (500) دار أغلبها مشيدة بالحجر والجص، ثم البلوك والأسمنت، ويعتز الكرمليسيون ببيوتهم القديمة، فتراهم يعملون في اصلاحها وترميمها عاما بعد عام حفاظا عليها من التصدع والانهيار، وقد تأثرت البلدة بالبناء الحديث، فنمت أحياء جديدة سارت على النهج الغربي المغلق، وسطت على مساحات البيادر الواسعة التي كانت تحيط بالبلدة جوار الكنيسة الكبيرة، كما نشأت أحياء أخرى أكثر تطورا على الجهة الجنوبية الغربية في اتجاه قره قوش وبنيت في الأيام الأخيرة حوالي أربعين شقة سكنية على النمط الحضاري الحديث، وزعت على العوائل المهاجرة التي تركت دورها مرغمة من مدن الموصل وبغداد وكركوك، وهكذا أصبحت البلدة القديمة التاريخية داخل هذه الحلقة الجديدة العصرية وفي النية بناء عشرين دارا سكنية للأخوة الأرمن الوافدين من المناطق الساخنة، وفي كرمليس ملعبان صغيران فنيان لكرات القدم والسلة والطائرة شيدت جميعها بهمة الأستاذ سركيس آغاجان وزير مالية حكومة أقليم كردستان العراق. ولا ننسى أن نعرّف القارىء الكريم ان كرمليس مدينة عريقة تمتد جذورها الى العصور الحجرية، عدها البعض من أوائل المستعمرات البشرية*.

* السير أوريل ستين – المجلة الجغرافية، العدد 100 صفحة 155-164 / لندن 1943 (هامش)

اقترن اسمها بأعظم المعارك والغزوات قبل الميلاد وبعده كحملة داريوس دارا الأول (485 ق.م) والأسكندر الكبير (331 ق.م) وحملة الأمبراطور الروماني طرايانوس (114م) وغزوات المغول (1236م) وغزوة نادر شاه (1743م).

وقد حملت كرمليس أسماء متعددة عبر التاريخ، كانت في البدء (إير-إيل-بانو) أي مدينة الإله بانو، ثم جاء أسم (كرمش) في حوليات الملك الآشوري (آشور بانيبال) و (كار ميليسي) منذ العهد الأكدي (سرجون الأكدي 2371-2316 ق.م)، ثم (كوكاميلا) أي ساحة الجمال، (كماليسك كاورقوي) في العهد العثماني، وعلى الأغلب ان الأسم الحالي كرمليس (كرملش) جاء من أسم (كرمش) الوارد في الحوليات الآشورية.

2. العادات والتقاليد:

العائلة في كرمليس متضامنة متماسكة، تشدها أواصر الدم والرحم، تنمو في اطار من الالفة والمحبة والتعاون، يكبر الأبناء ويشتد عودهم في كنف والديهم، وحين يبلغون مبلغ الشباب ويستقر الرأي على زواجهم، يبدأ الأهل في ذلك الزمان الغابر بأيجاد فتاة مناسبة لهم، قد تكون من أقربائهم. أما اليوم فغالبا ما يتولى الشاب لقاء الفتاة التي تناسبه، سواء كان ذلك من مجتمع البلدة او من وسط الدراسة في الكليات، او ضمن حلقة النوادي الاجتماعية. وحفلات الزفاف والأعياد في سالف الأيام، هي التي كانت تخرج البلدة من دهاليز الصمت والرتابة اليومية، لتدخلها في عالم الحركة والفرح والأنس والبهجة، وكانت في العادة تستمر ثلاثة أيام بلياليها، يحضر الطبل والزمار من بلدة اخرى ليكونا لولب الطرب والرقص، فنهار السبت مخصص لحلاقة العريس وتحميمه وغسله والباسه ثياب العرس الجديدة، فيجتمع أصحابه حوله فيما الدبكة معقودة في فناء البيت، حتى اذا انتهوا من تزيينه جروه معهم الى حلقة الرقص، وليلة السبت على الأحد هي ليلة الحناء، وعادة ما تدعى العروس لقضاء تلك الليلة في دار أحد أقربائها، وتدعى معها صديقاتها وزميلاتها لينمن معها ويسامرنها في ليلة العزوبية الأخيرة. وأهل العريس هم الذين يتولون عجن كمية كبيرة من مادة (الحناء) يوزعون قسما منها على شبابهم وشاباتهم ليصبغوا بها أكفهم وأصابعهم، فيما يحمل شباب العريس القسم الآخر من الحناء في موكب غنائي يتصدره الطبال والزمار الى حيث تكون العروس، ليقدموا هدية لها ولزميلاتها يصبغن به هنّ أيضا أياديهن وأحيانا أرجلهن، قبل أن يركنّ الى النوم. وفي صباح الأحد تعود العروس الى دار أهلها وتحضر وخطيبها القداس الالهي، ليعترفا أمام الكاهن ويتناولا القربان المقدس، ثم ترجع الى دارها تنتظر موكب العرس الذي يحملها الى الكنيسة لعقد قرانها، وكان العروسان يركبان يومذاك فرسين وهما في طريقهما الى كنيسة القديسة (بربارة) على مشارف القرية، أما اليوم فلا فرسان ولا خيول بل سيارات مزينة بأجمل الزهور، ولم تعد تعقد الزيجات في كنيسة (بربارة) بل أصبحت تجري في كنيسة مار أدي الرسول وسط البلدة، وبعد اتمام الزفاف الكنسي تعود العروس مع زوجها الى دارهم وتصبح تلك الفتاة العذراء زوجة شرعية لبعلها، وجزءاً لا ينفصم عن عائلتها الجديدة. وفيما كان نهار العرس يمتد الى ساعة متأخرة من مساء الأحد في بيت العريس، يقدم للمدعوين الشراب والطعام، بات اليوم يقتصر على حفلة صغيرة في قاعة جميلة باذخة في كرمليس تتسع لمئات المدعويين، وقد تكون هذه القاعة من أفضل القاعات في المنطقة، فيها يتم تقديم هدية العريس (الصبحية) التي كانت تقدم سابقا في يوم خاص هو يوم الثلاثاء بعد الزفاف، وهكذا ينفرط عقد الزفاف ويذهب كل الى بيته، وتنتهي تلك المعاناة الصعبة التي كان يعانيها أصحاب العرس جهدا ونصبا وانهاكا لقرابة أسبوع. واذا كانت الزفافات كما قلنا تخرج البلدة من صمتها، فهناك الأعياد التي كان لها هي الأخرى طعمها الخاص، وكبرى الأعياد الميلاد والدنح والفصح، فقد كانت كرمليس تتهيأ لها بشراء الملابس الجديدة من أسواق الموصل، ليتسربل بها الصغار والكبار أيام الأعياد، كما كانت كل العوائل تصنع (الكليجة) التي هي من حلويات العيد المفضلة، فلا عيد بدونها، ولا فصح أو قيامة بلا بيض مصبوغ، ولا سعانين من غير أغصان الزيتون والشموع، ولا عيد الصليب خاليا من وقدة النيران على السطوح، ومن الألعاب النارية بأيدي الصغار، وكانت جماهير الناس تخرج أيام الربيع الى ساحات البيادر المستوية لممارسة بعض الألعاب، والتسابق بكسر البيض المصبوغ. وأيام الشتاء كان الناس يتحلقون حول مواقد النار ويتوجهون للكنيسة لسماع القداديس، وتهنئة بعضهم البعض، والتلذذ بتناول أكلات الهريسة اللذيذة المطبوخة ليلاً بالتنور على نار هادئة، والأعياد كانت مناسبات حلوة للتصالح والمسامحة ونبذ البغضاء، فهي أيام محبة وصفاء، فلا عيد والقلوب كدرة، ولا فرحة، والنفوس غضبى، ولا تزال هذه التقاليد تمارس حتى اليوم لكن ربما بوسائل مختلفة، وبطرق قد تكون أكثر حداثة وتطوراً.

واذا كانت كرمليس تولي أفراحها هذا الاهتمام، فقد كانت لا تنسى أبدا من يرحل من أهلها، اذا خطفته يد المنون القاسية، فقد كان الحزن يلفها كلما ألمت بها رزيئة، فالكل بائسون مشدوهون، يقفون مع أهل المتوفي وقفة رجل واحد، يساعدونهم في محنتهم ويقدمون لهم واجب العزاء، ويشاركونهم في تكاليف المأتم بما يعضدونهم به من زاد وطعام، والبلدة كلها تخرج عن بكرة أبيها لتودع راحلها الى مثواه الأخير في مقبرة القرية بكنيسة مار كوركيس الشهيد، وكانت أيام العزاء تستمر ثلاثة أيام، فيما تقتصر في الوقت الحاضر على يوم واحد، تقبل التعازي في القاعة على الأغلب، وتظل العائلة حزينة على فقيدها، ترتدي نسوتها ثياب الحداد السود، وتبقى محافظة على ذكراه بكثير من الاحترام، تعدد مناقبه وحسناته، واذا كان شابا وذا زوجة وأولاد، تكون الحسرة عليه كاوية، وتستمر زوجته في لبس الحداد طوال عمرها اذا لم تفكر بزيجة ثانية، وفضلت تكريس حياتها لتربية أولادها.

هكذا كانت تجري الحياة في كرمليس ذلك الزمان، ثم تبدلت الأحوال وتطورت، ونمت كرمليس وكبرت، وأصبح لكل حدث صداه، وطرق العديد من أبنائها أبواب المدن الكبرى فعاشوا فيها وكونوا لهم تجمعات جديدة، كما شهدت هي الأخرى ما شهدته البلاد من حروب ومآسي وفواجع، وقدمت العشرات من الشهداء، دفعت الكثيرين الى الهجرة خارج الوطن، وهم اليوم يتوزعون على بقاع العالم، ويتواصلون مع بلدتهم الأم عن طريق وسائل التكنولوجيا الحديثة، بكثير من الشوق والحنان والمحبة.

3. كنائس البلدة:

كرمليس بلدة كلدانية كاثوليكية عريقة في القدم، ترتبط بأبرشية الموصل التي يرعاها في الوقت الحاضر سيادة المطران مار بولص فرج رحو، فيها عدة كنائس أثرية، مثل كنيسة مار كوركيس وكنيسة القديسة بربارة، وكنيسة مريم العذراء في وسط البلدة التي كانت الى بداية الخمسينات من القرن المنصرم هي الكنيسة الرئيسية التي تقام فيها الصلوات والقداديس يوميا، ولقد خدم فيها الآباء الكهنة (الخوري بطرس ججو القس، الخوري يوسف بابكا، الخوري بولص تمو، القس حنا شبوبا) رحمهم الله، ثم مع اكمال بناء كنيسة مار أدي الرسول في مدخل البلدة، انتقلت الخدمة اليها، وكانت البلدة حتى الخمسينات من القرن الماضي صغيرة، لا عمل للناس غير الزراعة في مواسمها المعينة، وفيما عدا تلك المواسم، كان الجميع يمضون أوقاتهم في دورهم او في مقهى صغير متواضع، او لدى دكاكين الحدادين والنجارين، وكانت النسوة منصرفات الى أعمال البيت من طهي وخبز ونسج وخياطة ثياب الأهل. فاذا ما قرع ناقوس الكنيسة هرعوا اليها تاركين ما لديهم، وهكذا منذ صغرنا تعلقنا بالكنيسة، وتعلمنا على أيدي الكهنة الأفاضل والشمامسة المحترمين الصلوات والمدائح، واذكر اليوم بكثير من الخير والامتنان اولئك الكهنة الذين عاصرتهم صبيا وشاباً، والذين رحلوا إلى رحاب ربهم، وهم المرحومون الآباء (الخوري يوسف بابكا و الخوري بولص تمو والقس حنا شبوبا)، ثم جاء بعدهم كوكبة من الكهنة الشباب حملوا هم الأخر بأمانة، راية الخدمة الكهنوتية، واستطاعوا بحداثة أفكارهم وثقافتهم الواسعة أن يجمعوا شمل الشباب ويواصلوا تثقيفهم ثقافة دينية مبنية على الايمان والتقوى، ويساعدوهم في الوقت نفسه على اتقان اللغة الكلدانية قراءة وكتابة، منهم الأب القس (حنا ججيكا) الذي خدم فترة وجيزة ثم انتقل الى كنائس أخرى، وهو اليوم يعمل في مدينة الموصل - كان الله في عونه – ثم تولى مهام خورنة الكنيسة بعده - ولا يزال – الأب القس ( يوسف شمعون القهوجي ) الذي خطى بالكنيسة خطوات حثيثة نحو الأمام، فيما يبذله من مساعي طيبة وجهود خيرة في خدمة المؤمنين، وفي جمع الشباب وتوجيههم للأعمال الصالحة، وفي المساعي الكبيرة التي أداها من أجل الاعتناء بالكنائس القديمة وترميمها واصلاحها واخراجها بثوب جميل يماشي تطورات العصر، لتبقى محافظة على تراثها، كماكان له اليد الطولى في بناء القاعة الكبرى في البلدة التي تعتبر وجها حضاريا متميزا تعقد فيها كبرى الندوات وأهم الاجتماعات، ويساعد الأب يوسف في خدمة الكنيسة الى جانب شمامسته الكرام الأب الضرير القس (سالم حبيب كني) الذي رغم عاهته لا يتوانى عن تقديم ما يستطيع من خدمة كهنوتية.

وكما قلنا في البلدة كنائس قديمة تمارس الصلوات في أعيادها وفي بعض المناسبات. وهذه الكنائس هي:

1. كنيسة القديسة بربارة الشهيدة: وتستند على سفح تل يسمى بأسمها هو عبارة عن زقورة اصطناعية بناها سكان كرمليس الأقدمون لتكون معبدا لهم آنذاك، وقد شيدت الكنيسة فوق آثار معبد آشوري كان مخصصا لعبادة الأله (بانو) ويقول الآثاري (برايت)*

* رحلة من انكلترا الى الهند ص 318-ص320 (هامش)

ان رفات بربارة لا زالت مودعة في الجدار الذي بنيت الكنيسة على أنقاضه، وهو قبرها الذي يزوره المئات من المؤمنين كل عام طلبا للشفاء والشفاعة لا سيما يوم عيدها في 4 كانون الأول من كل عام. وقد تعرضت الكنيسة للدمار على أيادي جلاوزة (نادر شاه) الفارسي عندما غزا كرمليس في 15 آب 1734م ثم جددت بعد ذلك عام 1797م، وجرت ترميمات واسعة عليها قبل حوالي ثلاثين عاما، بهمة المرحوم الخوري (ميخائيل كني) الذي تبرع من حسابه الخاص بكافة تكاليف العمل، ونالت حصتها من الترميمات الجديدة التي لا زالت مستمرة عليها وشملت توسيع وترميم مزارها، وتجديد الأرضيات بالحلان وتزيين الجدران بالمقرنصات واللوحات والرسوم الدينية، مع بناء جناح للزوار والمؤمنين، وكل هذا بهمة الأستاذ الغيور سركيس آغا جان.

2. كنيسة مار كوركيس الشهيد: وتقع في الجهة الشرقية وهي أثرية يعود تاريخ بنائها للقرن السادس الميلادي، رممت مرات قديمة حفاظا عليها من التهدم، وقد شملتها أيضا الترميمات الأخيرة التي تشهدها البلدة، وهي تضم المقبرة القديمة والجديدة، فأهلها الراحلون الى رحاب الرب يرقدون بأمان في فنائها الواسع، ولا تقام فيها الصلوات الاّ مرة واحدة في السنة يوم عيد مار كوركيس في الرابع والعشرين من نيسان كل عام.

3. كنيسة مريم العذراء القديمة: وكانت ببنائها الرائع وأروقتها المرمرية من أجمل الكنائس، شيدت عام 1887م في عهد مار ايليا الثاني عشر بطريرك بابل على الكلدان وبنفقات أبناء كرمليس وبهمة المرحوم الخوري (بطرس ججو القس) وكانت هي الكنيسة الرئيسية حتى بداية الخمسينات من القرن المنصرم، واذ نالت منها عوامل الزمن شملتها أيادي الاعمار، وحاليا اعيد ترميم وبناء الأجنحة القديمة والايوان الداخلي، وفي جناح بنائها العلوي توجد مكتبة الكنيسة بكتبها القديمة والحديثة، يشرف عليها بعض الشباب المتنور ويرتادها الراغبون في المطالعة والبحث، وقد أهدى كاتب هذا البحث مكتبته الخاصة لها لتحفظ في ركن من أركانها.

4. كنيسة مار أدي الرسول: وهي من أكبر وأحدث الكنائس، وضع حجرها الأساس في 2 نيسان 1937 وحضر الاحتفال سيادة المطران المرحوم (يوسف غنيمة) المعاون البطريركي آنذاك، غبطة البطريرك بعدئذ، وقد استغرق بناء الاسس العريضة والجدران السميكة بالمرمر والحلان قرابة اثني عشر عاما، ثم توقف عام 1949 بسبب العجز المادي وبقيت عارية دون سقف او قباب لغاية 1959، وعندما زارها البطريرك الجديد المغفور له (مار بولص شيخو)، تألم لحالها، فشكل لجنة لغرض العمل على اكمالها وتسقيفها بالكونكريت المسلح، وكان الراهب الفاضل المرحوم (أخونا داويذ الكرمليسي) حلقة الاتصال بين البلدة والبطريرك، حتى اكملت عام 1963 وانتقلت الصلوات اليها، وفي عام 1979 أنشئت قاعة للاحتفالات مع غرفة لأيواء المخطوطات والكتب في ساحتها بهمة الأب يوسف شمعون، وتبرع المرحوم اسماعيل كدو بأنشاء جناح في ساحة الكنيسة الجنوبية كرس لأسم مريم العذراء، كما أنشىء على نفقة السيد حبيب حنونا جناح آخر داخل الكنيسة عبارة عن طابق نصفي يستخدم لجوقة المنشدين وصممت لها في الأيام الأخيرة بوابة جميلة زاهية وغلفت جدرانها الخارجية بالحلان، وكسيت أرضيتها وجدرانها الداخلية أيضا بالمرمر الى مستوى النوافذ، ولا تزال التجديدات تنالها بهمة الغيارى والمؤمنين وفي مقدمتهم السيد سركيس آغاجان.

أنجبت البلدة العشرات من القسس والرهبان والمطارنة الأجلاء، خدموا كنيسة الرب في شتى المناطق، ومنهم من طرق أبواب المدن البعيدة والبلاد النائية، ومنذ عام 1917 بلغ عدد القسس ثلاثة وعشرين كاهنا وثلاثة مطارنة انتقلوا الى رحاب الرب، والعديد من الرهبان والراهبات.

4. الحالة الزراعية:

كانت كرمليس ولا تزال تمتهن الزراعة، وبما حبتها الطبيعة من مياه جارية، فقد تفنن أهلها بالزراعة السيحية التي هي وقفٌ عليهم وحدهم دون سائر القرى المجاورة، لا سيما وان مساحات الأراضي التي تحيط بها من جهاتها الأربع هي مستوية تخلو من الأنجاد والوهاد بحيث يسهل ارواءها من مياه (نبعي كرمليس) اللذين يجريان نحوها من هضبة صغيرة في الجهة الشرقية على مسافة ستة كيلومترات، أما الاراضي الاخرى التي تعود ملكيتها للأهالي والتي تمتد لمسافات نحو القرى المجاورة والتي تشكل تلالا وهضابا متناثرة، فتزرع ديماً بالحنطة والشعير والعدس، وتعتمد على مياه الأمطار في نموها، فكلما كان العام غزير المطر، كان الموسم جيدا والحصاد وفيرا، وكان الأهلون في سالف الأيام يعتمدون في حراثة الأرض واعداد تربتها للبذر، على الفدان البلدي القديم الذي كانت تجره الحيوانات ويقوده الفلاح بنفسه. واذا جاء موسم الحصاد، كان الفلاحون يتعاونون على حصاد غلتهم بواسطة المنجل، الحاصدون ينكبون على سيقان القمح يأتون عليها بمناجلهم ويرمون الحصيد خلفهم على الأرض لتتولى الفتيات والنسوة تجميعه على أكداس تمهيدا لنقله بواسطة الحيوانات ايضا الى البيادر ليبدأ موسم سحق الهشيم بواسطة صندوق خشبي يسمى الجرجر (كَركْرا) يحركه حيوانان اثنان ويقوده أحد الفتيان الصغار الذي يحث الحيوانين على العمل حتى تنسحق سنابل القمح من حنطة وشعير وتنفصل عن الهشيم الذي يستحيل من شدة الدق الى شكل تبن، ويكوّم الناتج داخل نصف دائرة، ليقوم الفلاح بتذريته منتظرا هبوب الرياح غربية كانت أو شرقية. وعند الانتهاء من هذه العمليات الشاقة مع انتهاء الصيف، ينقل الفلاح الحنطة الى عنابره، والتبن الى سراديبه طعاما لحيواناته ووقودا لنيرانه، هكذا كانت تجري الأحداث الزراعية يومذاك، لكن ذلك العهد انتهى وأصبح من الذكريات، ودخلت المكننة والآلة الزراعية الى البلدة، فجاء المحراث الميكانيكي، ثم جاءت الحاصدات البدائية التي كانت تجرها الحيوانات تحصد الهشيم بسرعة تعادل عشرات الحاصدين، واخيرا دخلت الدرّاسات الحديثة التي تدخل الى الحقول فتلتهم الهشيم التهاما وتسحق السنابل سحقا لترمي بعدئذ سيقان الحنطة اليابسة جانبا، وتملأ الأكياس بالغلة فتنقلها السيارات الى الدور ليبات الفلاح أمينا على جهده ولا يخاف عليه من النيران التي كانت تلتهمه أحيانا وهو في البيادر، كما حصل في كرمليس عام 1927 عندما أتت النيران على جميع بيادرها ولم تترك شيئا منها سوى أكوام من الرماد.

هذا بالنسبة الى الزراعة الديمية، ولا ننسى ان كرمليس قد خصها الله بهذا الجدول المائي الذي ينبع من سفح جبل (باعذرة) تحت أقدام قرية (ترجلة) التي يسكنها جماعة من المواطنين الشبك، ويجري نحوها لتقوم بأستغلال هذه المياه في زراعة الأراضي السيحية المستوية القريبة من القرية. وكانت كرمليس ولا تزال تشتهر بكروم العنب التي تغطي جهتها الشرقية، كما تقوم بزراعة الطماطة والبصل والقطن بكميات كبيرة تصدر الفائض منها الى الأسواق القريبة. وتسقى الكروم والمزارع بنظام ري فريد من نوعه في العراق*،

* لمزيد من المعلومات حول نظام الري في كرمليس يمكن الرجوع الى كتاب (تاريخ كرمليس) حبيب حنونا وبهنام سليمان (هامش)

بحيث يستغل كل فلاح ما لديه من حصة مائية محسوبة بالساعات والدقائق دون ان يفقد دقيقة واحدة من حصته، وكانت مياه كرمليس ملكا صرفا للأهالي توارثوها أبا عن جد، لكن قرار مجلس قيادة الثورة في العهد المنصرم صدر في حينها وأعتبر مياه الينابيع والعيون ملكا للدولة مع بقاء حق التصرف الزراعي قائما وفق الحالة السابقة، وقامت الدولة بتبليط جدران العين الكبيرة بالأسمنت مع تبليط الساقية من المنبع وحتى القرية، وبذلك حافظت على عدم تسرب المياه هنا وهناك كما كان يحدث في الغابر.

كانت كرمليس الى جانب الزراعة تربي الماشية مستعينة بما تقدمه الزراعة من علف وغذاء لهذه الحيوانات، فكانت تربية الأبقار سمة كل عائلة، اذ قل أن كانت تخلو دار من بقرة أو بقرتين، تمنح البيت حليبها ولبنها وجبنها، وتعطيه لحوم عجولها التي كان يحفظها شتاء بطريقته البدائية، وكانت هناك عوائل تربي مئات الرؤوس من الأغنام، فكانت تحلبها صباحا ومساء وتستغل هذا الحليب الوفير في صنع الدهون والأجبان، وفي توفير الألبان للبلدة يوميا، كما كان الدجاج يسرح ويمرح داخل ساحات الدور وحول البساتين، فكانت العائلة يومذاك تكفي نفسها بنفسها بما لديها من بيض طازج، ودجاج بلحم لذيذ.

لكن ما ان انتقلت القرية من البناء الشرقي المفتوح بفنائه الواسع وسراديبه العميقة، الى البناء الغربي المغلق، حتى توقفت عن ممارسة الكثير من العادات السابقة التي لم تعد تتلائم مع السكن الحديث، فلم تعد ترى سوى بقرات معدودات تعيش في الأبنية القديمة وقل أن تجد قطيعا كبيرا من الغنم، الاّ بضعة غنمات تخرج من هذا الفناء أو ذاك، وهكذا أصبح الريف العراقي مستهلكا يفتش في الأسواق عن البيض والدجاج واللبن والجبن بعد أن كان هو منتجا لها، هذه هي الحالة في كرمليس الحاضر. فتلك الأيام الخوالي أصبحت ذكريات في أذهان من عرفها وعايشها أمثالنا نحن الشيوخ الذين كنا يومذاك جزءا لا يتجزأ منها.

5. الحالة الثقافية:

كانت الثقافة متدنية في كرمليس في العهد العثماني، فلم تكن هناك مدارس البتة كسائر قرانا الأخرى، لكن الكنيسة نشطت يومذاك في تعليم اللغة الكلدانية والطقوس الدينية، وهي التي حفظت تراث القرية من الضياع. لكن مع انتهاء الحرب العالمية الأولى ظهرت نواة أول مدرسة ابتدائية صغيرة بالمفهوم الرسمي، ضمت أطفال القرية وقام بأدارتها أحد أبنائها البررة هو المرحوم الخوري (يوسف تمو) يساعده بعض الشمامسة، وقد استطاع هذا الرجل الغيور من استحصال معونة مالية من ادارة المعارف التي كان يديرها آنذاك الانتداب البريطاني، لبناء مدرسة حجرية جديدة في الجهة الشرقية وفي محل يدعى مار يونان، (بقايا دير الربان يونان)، وقد ظلت مدرسة كرمليس للبنين تستغل هذه البناية لفترة طويلة من عام 1918 لغاية عام 1965. واكبت هذه المدرسة النهضة الحديثة مع قيام المملكة العراقية عام 1921، وتوالى على ادارتها والتعليم فيها بعد المرحوم الأب الخوري (يوسف تمو) معلمون عينتهم ادارة المعارف، وخرّجت هذه المدرسة العشرات من التلاميذ الذين واصلوا دراستهم الثانوية والجامعية، وانخرطوا في سلك الخدمة العامة على شتى الحقول، وفي عام 1965 انتقلت المدرسة الى بناية صغيرة ضمن بيادر القرية شيدتها الدولة ولا زالت تستغلها الى اليوم. وكانت مدرسة كرمليس تضم البنين فقط، أما البنات فلم يتلقين أي دراسة لفترة طويلة، وفي بعض السنوات أُلحق بعض المواطنين بناتهم الى جانب البنين لكنهن لم يواصلن المسيرة وانقطعن عن الدراسة بعد الصف الثالث او الرابع الأبتدائي، فما كنت تجد في كرمليس امرأة او فتاة تتقن القراءة والكتابة حتى قيام راهبات الكلدان بفتح مدرسة أولية الى الصف الرابع وكن هن اللواتي يدرسن فيها، وقد واصلت هذه المدرسة الأهلية تقديم خدماتها الى منتصف الأربعينات من القرن الماضي الى عام 1959-1960 حين افتتحت مدرسة ابتدائية رسمية للبنات، وكانت تلميذات المدرسة الأهلية يلتحقن بمدرسة البنين في الصفين الخامس والسادس، وقد تخرجت عدة تلميذات واصلن دراستهن وانخرطن في سلك التعليم، والى مدرسة الراهبات يعود الفضل في كون أغلب فتيات القرية ضمن سن التعليم تعلمن القراءة والكتابة ونزعن عنهن لباس الأمية القاتم .. أما مدرسة البنات الرسمية الجديدة فقد داومت مع مدرسة البنين بصورة مزدوجة لعدة سنوات ثم انتقلت الى بناية خاصة شيدتها الدولة ولا تزال تداوم فيها للآن، ومن الجدير بالذكر انه لم تكن في القرية متوسطة او ثانوية، وكان التلاميذ الذين يرغبون في مواصلة دراستهم بعد الأبتدائية يلتحقون بمتوسطات الموصل، وكم عانوا من مشاق السكن وتكاليف العيش، والابتعاد عن الأهل في سن مبكرة، الى ان تم فتح مدرسة ثانوية في بلدة قرقوش القريبة، فبدأت أعداد التلاميذ والتلميذات بالالتحاق بها وكانت سيارات القرية تنقلهم صباحا وتعود بهم ظهرا، وفي عام 1972 فتح صف أول متوسط في كرمليس ألحق بالمدرسة الأبتدائية، ومع ازدياد التلاميذ الراغبين بالدراسة تشكلت مدرسة متوسطة مختلطة تضم البنين والبنات، ثم أصبحت منفصلة لذاتها وتوسعت بصفوفها فأرتقت الى ثانوية- اعدادية، شغلت بنايتها الحكومية الجديدة، كما تشكلت متوسطة خاصة للبنات أصبحت هي الأخرى ثانوية بأدارة منفصلة، والثانويتان تداومان في الوقت الحاضر في بناية واحدة بصورة مزدوجة، وهكذا أخذت كرمليس موقعها الصحيح في حركة التعليم وانخرط ابناؤها وبناتها في مختلف الجامعات ليتخرجوا مهندسين وأطباء وصيادلة ومحامين ومدرسين وكوادر فنية. وهناك في الوقت الحاضر عدد من الشباب والشابات الأدباء والشعراء والفنانين، لهم نتاجات متنوعة في حقول القصة والتاريخ والشعر والرسم والمسرح، وتمارس القرية نشاطات كثيفة في هذا المجال عبر الندوات والمهرجانات التي تقيمها.

لقد انتهى عهد السبات وبدأ عصر التواصل مع العالم كما نشاهده اليوم عبر الفضائيات والبريد الألكتروني والأنترنت، فهنيئا للجيل الحاضر بما ينعم به وسائل الراحة والرفاهية والتعلم.



6. الحالة الصناعية: الصناعات المحلية اليدوية

كانت كرمليس في القرن المنصرم صغيرة بيوتها بحدود مائتي دار، وكان الأنتقال منها الى الموصل وهي أقرب مدينة اليها شاقا فيه الكثير من الصعوبة، ففي بدايات القرن العشرين لم يكن الطريق مبلطا، ولم تكن هناك سيارات، لذلك كان عليها أن تهيىء حاجاتها ومتطلباتها بنفسها، فنشأت تبعا لذلك بعض الصناعات اليدوية التي تسد الحاجات اليومية المتعلقة بالزراعة والبناء والمأكل والملبس، كالنجارين والحدادين والبناءيين والنساجين والدقاقين، الذين كانوا يلبون حاجاتها الى تلك الضروريات، وقد تربع على عرش مهنة النجارة آل النجار الكرام وهم الأخوة المغفور لهم (الياس منصور نكارا، ابراهيم نكارا، فرنسي نكارا) الذي فتحوا لهم دكاكين صغيرة في بيوتهم، وكان هؤلاء النجارون المهرة يصنعون الأبواب الخشبية والشبابيك والخزانات للدور والكنائس، وكانوا يتفننون بها أجمل التفنن بحيث كانت تضاهي ما نراه اليوم من صناعات حديثة، رغم ان الأدوات التي كانوا يستعملونها آنذاك كانت بدائية جدا (كالقدوم) الذي كانوا يهيئون به الخشب ويشذبونه، كما كانوا يستعينون بالمنشار اليدوي الصغير لتقطيع الخشب المعد للعمل، أما قطع الأخشاب الكبيرة كجذوع الأشجار فكانوا يستعملون منشارا كبيرا يتعاون عليه شخصان كل من جهة، وكان (المثقاب) الذي يستعملونه لثقب الخشب بسيطا جدا، كما كان (الرندش) الخشبي أداة لصقل أخشابهم، الى جانب المبرد وبعض الشفرات، وكانوا يستعملون أقدامهم للأمساك بالمادة التي يريدون صنعها، لأن الكابسات الحديثة كانت قليلة، وكانت أغلب حاجيات البيوت من صنعهم مثل التخوت الخشبية ومهود الأطفال حديثي الولادة، ودواليب غزل القطن والمحاريث الزراعية وقابضات (المساحي) و (القدوم) و (المناجل) وبعض المناضد الصغيرة التي كان يستعملها التلاميذ للكتابة وهم جلوسٌ، و(المحامل) التي كانت تركب على ظهر الحيوانات وتعلق عليها جرار الماء التي تنقل الماء من الساقية الى البيوت، ويصنعون المذاري والجرجر، وكان لهؤلاء النجارين باعٌ طويل في صنع الثريات الخشبية الجميلة التي كانت تعلق في الكنائس والمباني الحكومية، فقد كان (المرحوم العم الياس نكارا) واحدا ممن أشتهروا بصنع هذه الثريات يساعده ولده المرحوم العم (شابا) وفي كنيسة دير السيدة العذراء في ألقوش واحدة منها، واخرى في احدى كنائس تلكيف (على ما أعرف)، وثالثة تعب معها كثيرا حُملت الى البلاط الملكي العراقي في عهد المغفور له الملك فيصل الأول، وكانت تحفة رائعة في الصناعة اليدوية الدقيقة. وقد نقل بعض آل نكارا هذه المهنة النظيفة الى أولادهم كما فعل المرحوم الياس عندما تولى ولده (شابا) بعده مزاولة النجارة فكان بارعا في صنع أبواب الصاج والكراسي الحديثة، مستغلا تقدم الزمن وتوفر وسائط النقل بحيث استعمل العديد من الأدوات النجارية الميكانيكية ثم الكهربائية، وقد نهض ولداه (بهنام وأديب) في الوقت الحاضر بمزاولة هذه المهنة الحلوة، وعن آل نكارا أخواله تعلم المرحوم (اسماعيل متي) هذه المهنة وزاولها زمنا، الى جانب مهارته في تجليد الكتب يدويا تجليدا متقنا، وعلى ما أسمع ان ولده السيد (متي) هو الآخر يزاولها أحيانا الى جانب مهنة التعليم، هكذا كانت أحوال النجارة في تلك الأزمنة .. أما الحدادة توأم النجارة فزاولها المرحوم الخال (متي توما شنكول وأخوه المرحوم بولص وابن خالته المرحوم سلو مامو، يساعدهم آنذاك ابن شقيقتهم المرحوم (توما زيباري) وكانوا يصنعون (سكة الفدان الحديدية) وسكاكين الجرجر الذي تدق به الغلة، وسكاكين البيوت المستعملة لتقطيع اللحم و (المسحاة – القدوم – المنجل – المجرفة) للأغراض الزراعية واشياء اخرى أصبحت بعيدة عليّ ولم أعد أتذكرها فمعذرة من القارىء الكريم. لقد كانت النجارة والحدادة هما الصناعتان الرئيسيتان المتعلقتان بالحياة اليومية للعائلة، وقد قامت صناعات أخرى كالبناء، وكان المرحوم (متي الحداد) أحد الذين أتقنوا مهنا متعددة فالى جانب مهنته الرئيسية الحدادة، كان بناءً وميكانيكيا أدار بكفاءة ماكنة الطحين التي أسسها قرب داره، كما كان مصلحا حاذقا للأسلحة النارية وكان أهالي القرى المجاورة يقصدونه في بيته او في طاحونته حاملين ما تضرر من أسلحتهم ليعيدها أفضل مما كانت، لقد كان الرجل رغم أميته يملك طاقات متعددة وكفاءات قلّ أن تجدها في ذلك الزمن.

رحم الله أولئك الرجال الأفذاذ الذين قدموا لأهلهم خدمات جلى يذكرها لهم التاريخ، ولا ننسى ان القرية كانت تزرع القطن بكثافة فنشأت تبعا لذلك صناعة النسيج، كما كانت هناك صناعات أخرى مثل (الطحينية) من السمسم الذي يعصر بواسطة حجرة كبيرة (الدنك) تديرها الحيوانات، والماكنة اليدوية التي كانت تجرش البرغل والحبية والعدس، هكذا كانت الحال في تلك الأزمنة الغابرة يوم كانت تعاني كرمليس من الوحدة والظلام، وكان عليها أن تكفي نفسها ذاتيا من حاجاتها و (الحاجة أم الأختراع) فأوجدت لها وسائل ذللت صعابها، وحلت مشاكلها اليومية فعاشت بسلام حتى أصبح التواصل مع المدن يسيرا، فباتت تعتمد عليها في استيراد حاجاتها، فأندثرت بعض تلك الصناعات اليدوية الصغيرة وأصبحت أثرا بعد عين.



**نشر بحث بلدة كرمليس في مجلة حممورابي للكاتب بهنام سليمان متي

مراجع هذا البحث:

كتاب تاريخ كرمليس: تأليف المهندس حبيب حنونا – وبهنام سليمان متي

مقالات لكاتب البحث منشورة في المجلات المهجرية




~*~*~*~*~*~~*~*~*~*~*~
صور قرية كرمليس عن قناة عشتار الفضائية


















المصدر


نقلا عن موقع كرملش . نت
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Dr.Hannani Maya
المشرف العام
المشرف العام



الدولة : العراق
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 37598
مزاجي : أحب المنتدى
تاريخ التسجيل : 21/09/2009
الابراج : الجوزاء
التوقيت :

مُساهمةموضوع: رد: بلدة كرمليس : بقلم يهنام سليمان متي : ساندييغو - كاليفورنيــا - أمريكا   الثلاثاء 01 مارس 2011, 9:24 pm


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
بلدة كرمليس : بقلم يهنام سليمان متي : ساندييغو - كاليفورنيــا - أمريكا
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البيت الآرامي العراقي :: كرملش , ܟܪܡܠܫ(كل ما يتعلق بالقديم والجديد ) وبلدات وقرى شعبنا في العراق Forum News (krmelsh) & our towns & villages :: منتدى تاريخ وتراث كرمليس (كرملش ) وقرى وبلدات شعبنا في العراق heritage karamles Forum & our towns & villages-
انتقل الى: