البيت الآرامي العراقي




البيت الآرامي العراقي

سياسي ِ ثقافي ِ أجتماعي


 
الرئيسيةالرئيسيةبحـثالتسجيلarakeyboardsyrkeyboardدخول

شاطر | 
 

  شؤون وشجون موصليّة محمود سعيد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Dr.Hannani Maya
المشرف العام
المشرف العام



الدولة : العراق
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 37595
مزاجي : أحب المنتدى
تاريخ التسجيل : 21/09/2009
الابراج : الجوزاء
التوقيت :

مُساهمةموضوع: شؤون وشجون موصليّة محمود سعيد   السبت 19 مايو 2012, 7:36 am

5:21 Freitag, 18.Mai 2012











شؤون وشجون موصليّة محمود سعيد


وانا فى طريقى الى الموصل من اربيل ..قبل أن أصل الموصل كان عندي انطباع أنّ الموصل كانت وستبقى جميلة رغم كلّ شيء، لكن ماذا رأيت؟

ما إن انتهت حدود أربيل، وبدأت أصقاع الموصل حتى انقبض قلبي. ما أراه الآن أمامي طريق يؤدي إلى قرية في الكونغو أو موزمبيق، أو طريق يقود إلى آثار قرية كانت موجودة قبل التّاريخ ثم دمرتها الحروب وتحتاج إلى تنقيب.

الأوساخ على جانبي الطريق، الصخور، الحجارة، كوم الّتراب، الأشواك، أكياس النّايلون، ركام البلاستيك المعطوب مسلوقاً بأشعة الشمس، الكونكريت المكسر مع حديده، بقايا أبنية قديمة، أنقاض دور طالها الخراب، أيّ بداية تخزق العين وتقبض القلب وتُعطِب النّفْس وتقطع النّفَس؟ لا أشجار، لا نبات، لا خضرة، لا زهور،لا شيء يجعلك تحسّ أنّك وما حولك موجود في القرن الواحد والعشرين، كلّ شيئ يرجعك مرغماً إلى ما قبل مئات السّنين. أهذه هي بداية المدينة التي أشاد بها مصور مجلّة العربي؟ أهذه هي إحدى أقدم وأهمّ مدنالعالم القديم التي مازالت مأهولة؟

كيف يحترم زائر، سائح، مستثمر مدينة تستقبله بطريق قذر، وتراب يهبّ عند كل قبضة ريح، وأنقاض مسخّمة، وزبالة وأقذار تبدأ ولا تنتهي! بينما خلّف وراءه بضعة شوارع نظيفة مرّ بها حين غادر أربيل؟ لماذا انقلبت الآية؟ لماذا أصبح الجميل قبيحاً، والمتخلّف مقبولاً؟ لماذا يتقبّل أهل الموصل القبح والقذارة والانحطاط؟ ألا يوجد من يتكلّم وينتقد؟

ثمّ ما قصّة السّيطرات المتعاقبة، فما تنتهِ من سيطرة وقحة حتى تصفعك من دون حياء أختها بوقاحة أشدّ منها؟ وما أن تخلف ملامح عبوسة متجهّمة يقطر منها الغضب والسّخط واللؤم والحقد حتى يتناولك ألأم وأعدى وأكثر تجبراً وانحطاطاً! وما قصة التّحقيقات العدوانية المتعسّفة السّاخطة التي تجريها القوات التابعة للقيادة الكردية قبل حدود الموصل، والتي تذكّرني مرغماً بتحقيقات البعث المقبور، وإن كانت تلك على قذارتها أسلس وأهون وأسلم؟ ولماذا تصرّ مفارز القيادة الكرديّة باستجواب ما أنزل الله به من سلطان، تصرّأن لا تسمع منك حين تضغط عليك أن لا تتكلّم إلا بالكرديّة أو الإنكليزيّة؟ أهناك بلد يميّز بين لغات سكانه؟ أهناك بلد يهين لغة الأكثريّة ويفضّل لغة إحتلال مقزّز بغيض؟ في أيّ مستنقع قذارة أسقطنا أنفسنا فيه؟

لماذا هذا الإذلال؟

تسير السيّارة في أربيل على حريّتها لا يوقفها أحد، تسير كما تسير في أيّ مدينة أخرى في العالم، لكنّها هنا تتلكّأ منبوذة كأنّها سيّارة مجرمين؟ ألا يوجد من يدافع عن كرامة سكان الموصل؟ عن كرامة هذه المدينة؟ أين محافظها؟ أين مجلسها البلدي؟ ماذا يفعل 34 نائباً موصليّاً؟ أين السّنتهم؟ أين ضمائرهم؟ أين إنسانيتهم؟ ما واجبهم؟ كيف أسرعوا لنجدة شيعة البحرين وأهدوها خمسة ملايين دولار، وتركوا مدينتهم بين فكي ضباع شرسة وكلاب مسعورة وحيوانات مفترسة؟ قليل من الحياء، لا بل قليل من الوطنية....

الموصل العتيقة:

طيلة عقود الغربة كنت أحلم أن أسير في دروب "عوجات" المدينة العتيقة، باب جديد، الثلمي، شيخ محمد، شارع الفاروق، الدواسة، باب الطوب، الميدان، الخ. وهكذا بكّرت في أول صباح لي في الموصل، رغم الحرّ، نزلت إلى سوق العتمي، وقيسرية السّبع أبواب، وباب الطوب، وتجوّلت في الدّواسة، وباب الجديد، وذهبت إلى زقاق "عوجة" بيتنا، ودققت الباب، وكان في نيتي أن أرى الحوش من الدّاخل، وكنت حفرت كلمة بخطّ الرّقعة على الرّخام الأبيض، وحلمت بأن أراها، لكن لم يوجد أحد في البيت. ذهبت إلى البيت الآخر الذي سكناه قبل هذا، فلميرضّ قاطنه أن أدخل وأراه. وكان هناك ضجة كبيرة في الدّاخل، أطفال ونساء وأصوات شباب. عذرتهم.

حمام باب جديد مازال في مكانه، وما تغير فيه سوى الكرخان "المشعل" فقط. لم أجد عزيز ماكر، كان مكلّفاً بإشعال النّار في الفحم. كان مجنوناً، يتكلّم مع نفسه طوال الوقت، تاركاً شعر رأسه ولحيته ينمو من دون تشذيب. قدّرت أنّه لابدّ انتقل إلى رحمة الله، فلو كان عائشاً لبلغ التّسعين أو المئة.

باب جديد أصبح باب الخراب والدّمار، لم أستطع أن أنظر إلى مقهاه الرائعة التي لم يبقِ منها سوى أنقاض، كتبت قصّة عنها، نشرتها في الخارج، وربما أعود لنشرها في العراق إن سمح لي بالنّشر في وطني، هنا كان الحاج طه ملك يبيع البقلاوة في رمضان، وتلك دكان حمو البقال الذي نشتري منه اللبن والقيمر والطّحينية للرّيوق صباحاً. أمكنة عزيزة تدهورت وفقدت أهلها، يا للبؤس! هذا هو جامع الشّيخ محمد، لم ندخله، يفتح وقت الصّلاة فقط. كانت الجوامع قبل نصف قرن مفتوحة طيلة اليوم. فما بالها تغلق الآن؟ كانت بؤر السّلام، وفقدتالمدينة السّلام فانغلقت على نفسها مع جوامعها.

ذهبت إلى عوجة بيت الرّضواني، وجامع الرّضواني ومشيت حتى قنطرة شهرسوق، كنت أود أن أعبرها، حتى هي وصلتها يد الخراب، هي الآن مليئة بالأسلاك الشائكة والنّفايات والجيفة. حذروني من الاقتراب منها: إن كلاباً ضالّة اعتادت أن تأوي إليها. قلت لهم إنّ الكلاب المسعورة تحتلّ الموصل كلّها فلا بأس بكلب ضال غير مسعور. اقتربت من القنطرة، لم أرَ أيّ كلب. حدّقت ببيت الحسو. رأيته مهدوماً يعصر القلب، رأيت ملابس منشورة في الجزء المهدوم منه، علمت أنه مازال مسكوناً.

الكهرباء:

مأساة الكهرباء في الموصل تجلّل وتغطي الرؤوس كلّها فقيرها وغنيها، مسؤولها ومواطنها، مأساة قذرة منحطّة لا أخلاقية. سمعت رئيس الوزراء في مقابلة تلفزيونية وهو يحاول أن يشعر المشاهد أنّ مشكلة الكهرباء أزليّة، لا حلّ لها في الأمد المنظور،

مدن العراق كلّها تعاني من انقطاع التّيار الكهربي، ليست الموصل وحدها، لكن المشكلة في الموصل هي الأرض الصّخرية التي تعكس أشعة الشّمس فتحيل الحرارة إلى لهيب، وتجعل سكان هذه المدينة ضحايا أبديين لمشكلة يمكن حلّها ببساطة لو كان هناك من يحبّ ويخلص ويضحّي في سبيل مدينته.

هناك مولّدات صغيرة تمدّ الطّاقة لعشرات البيوت، وهناك مولّدات أخرى تمدّها لآلاف، وهناك ثالثة تزوّد مئات آلاف البيوت. لا تحتاج الموصل سوى عشرين مولّدة كبيرة مثل الأخيرة، فلماذا سمحت الدّولة باستيراد المولّدات الصّغيرة وغضت الطّرف عن المولّدات الكبيرة؟ لست أدري لماذا لا يبادر المثقفون برفع عريضة إلى الأمم المتحدة لتشرف على إحصاء يكشف الاضطهاد والتّمييز والعسف؟ إن قدّر لمثل هذا الإحصاء أن يتمّ فسيكشف أنّ عائلات الموصل كلّها منكوبة بقتيل أو أكثر، وسجين أو أكثر، أو مضطهد أو أكثر. سيثبت للعالمأن الموصل أكبر وأتعس مدينة مضطهدة في العالم، أكثر من حماة، أكثر من غزة، أكثر من أي مدينة صومالية!

الموصل هي المدينة الوحيدة في العالم التي يحقد عليها حكّامها وجيشها وشرطتها وبعض أجهزتها الأمنية وينتقمون منها. لا يمكن أن تقطع في الموصل زقاقين إلا وبينهما حاجز يفصلهما، وهناك حواجز لا تستطيع فتحها أو الدوران حولها، وعليك أن تلتف لتصل إلى مدركك بعد مسيرة تتجاوز كيلومتر في حرّ يذيب الحديد، بينما هدفك بضعة أمتار.حواجز الموصل متنوّعة تشبه المصائب، فهناك حاجز كونكريتي، وهناك حاجز كونكريتي آخر لكن مع أسلاك شائكة، وهناك حاجز كونكريتي ثالث مع سيّارة مسلحة بأسم سيّء الصّيت شكلاً وفعلا، سيّء إلىدرجة القرف،. كنتُ في الموصل في رمضان الحالي، تحت سياط نيران جهنّم المعذبّة في حرارة نحو خمسين درجة مئويّة، والصّائم تحت هذه الحرارة لا يبقى متماسكاً، بل هيكلاً ذائباً، مشلول التّفكير والسّيطرة والحركة، وعندما استقللت سيّارة غير مبرّدة من الجسر الحديدي نحو الزّهور كاد يغمى عليّ بعد ثلاث نقاط تفتيش استغرقت نحو عشرين دقيقة، ثم توقّف السّير قرابة عشرين أخرى، فأصبح رتل السّيارات يمتدّ إلى مئات وربما وصل الألف. لا أدري. لو كان الجوّ طيباً لعددت السّيارات. لكن الحرّ جمّدني. وحينما فرجها الله وبدأت السّيارات تتحرّك واقتربنا من نقطةالتّفتيش عرفنا سبب تأخرنا. فقد اختار الجنديّ الباسل في تلك السّاعة اللعب بهاتفه النّقال لعبة إلكترونيّة..لم أرَ مثل هذه المشاكل في البصرة أو في بغداد، حلّت السّلطات المشكلة الأمنية في جميع أنحاء العراق إلا في مدن قلّة كالموصل.كلّ من قابلته من المثقّفين يجيب: نعم، إن شكّل سكان الموصل هيئة أمنيّة منهم. لكنّهم يضيفون: إنّ السّلطة في بغداد لا توافق على ذلك. لأنّها تريد تدمير المدينة واضطهاد وإبادة أهلها، ودليلهم على ذلك أنّ الاغتيالات بكاتم الصّوت الذي لا يمتلكه غير أجهزة الدولة اغتال من أبناء الموصل عشرة أضعاف ما اغتيل في كلّالعراق، والمأساة الكبرى أنّ هؤلاء الضحايا كفاءات مهمّة يحتاجها البلد أمسّ الحاجة لأنّها أطباء ومدرسون وأساتذة جامعيّون ومحامون، وضباط، ومختصّون الخ.إنّ مدينة لها 34 نائباً يجب أن تكون مركز قرار سياسيّ ونقطة جذب وتأثير فعّال، لكن السّيد المالكي وجيشه المتعسّف واقفين للموصل بالمرصاد، وما دعوة نائب من قائمة ائتلاف القانون إلى إقامة محافظة مسيحيّة إلا محاولة لتفتيت قوّة هذه المدينة وتدميرها، فقد بقيت شرائح الموصل القوميّة من عرب وآثوريّين ويزيديّة وتركمان وأكراد متآخية منذ إسقاط الدّولة الآثوريّة قبل الميلاد حتى الآن، لكنإئتلاف السيد المالكي يريد الآن تفتيت هذه القوة وتفريقها.قضيت عشرين يوماً أسير في العوجات والشّوارع وأتجوّل في مناطق الموصل وأحيائها أعاين الدّمار والخراب والبلى، وقلبي يعتصر، وسؤال وحيد ينتصب أمام ناظريّ: متى ينهض المواصلة؟ متى يفتحون أعينهم؟ متى ينتبهون إلى واقعهم؟ متى ينتفضون ضدّ من أذلهم؟ متى يدركون أن الشّكوى سلاح الضّعيف في وضع همجيّ لاإنسانيّ كوضع العراق تحت سلطة احتلال غاشم، وأحزاب طائفية شرسة، ورئيس أميّ حاقد، وأن لا سبيل سوى النّهوض والمبادرة الشّجاعة والنّضال العقلاني الدّائب لتّحقيق الذّات لسحب البساط من تحتأقدام المتطرفين الجهلاء؟

ويبدو أنّني سأنتظر طويلاً لأسمع الجواب.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
شؤون وشجون موصليّة محمود سعيد
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البيت الآرامي العراقي :: الاخبار العامة والسياسية General and political news :: منتدى المنبر السياسي والحوار الهادئ والنقاش الجاد الحر Political platform & forum for dialogue & discussion-
انتقل الى: