البيت الآرامي العراقي




البيت الآرامي العراقي

سياسي ِ ثقافي ِ أجتماعي


 
الرئيسيةالرئيسيةبحـثالتسجيلarakeyboardsyrkeyboardدخول

شاطر | 
 

 سفرة إلى العاصمة في الزمن الجميل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
جون شمعون أل سوسو
مشرف مميز
مشرف مميز



الدولة : بلجيكا
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 1024
مزاجي : أكتب
تاريخ التسجيل : 26/12/2009
الابراج : الحمل
التوقيت :

مُساهمةموضوع: سفرة إلى العاصمة في الزمن الجميل    الأربعاء 13 يونيو 2012, 9:23 am







سفرة إلى العاصمة في الزمن الجميل

توقفت عربة الخيل أمام ساحة وقوف سيارات بغداد في باب الطوب، وترجّلتُ منها صحبة العم فوزي حاملاً عكسي الشمزي فوق كتفي بحرص بالغ. وحمل عمّي حقيبة معدنية كبيرة زرقاء اللون، واتجه إلى مكتب النقليات لحجز الأماكن ودفع الثمن.

أوصلت الشمزي إلى سيارة الباص المسماة (دك النجف) بصعوبة بالغة ووضعتهما تحت المقاعد، وعدت لنقل صفيحة طرشي طه الملك وحقيبة السفر الجلدية. واستقبل المواد حمّالون كانوا ينتظرون عفش وأثقال الركاب.

كانت ساحة السيارات تقع خلف البنك الشرقي في باب الطوب (أسترن بنك ليمتد – بصره)، وأمام باب سوق الحنطة (العلوة) حيث يتصدّر الساحة مكتب النقليات، وبجانبه ماكينة طحن الحبوب للحاج عبد وعلي الداؤد صديق والدي، ومقهى لانتظار المسافرين وعدد من دكاكين بيع المواد الغذائية.

تنحدر الساحة نحو شارع باب الطوب – باب لكش، وهناك اعتادت سيارات نقل الركاب إلى العاصمة بغداد التوقف يومياً انتظاراً لوصول المسافرين، فضلاً عن موقف آخر بجانب البريد في مدخل شارعي غازي والنجفي. وهناك سيارات طويلة مريحة تسمى (النيرن) أيضاً.

اتخذت مكاني في الباص وجلس العم فوزي في المقعد المجاور لي بعد تحميل الأثقال في أعلى السيارة، وأشرف على ربط وتثبيت صفيحة الطرشي والحقائب مع عفش وحقائب الركاب الآخرين. وكان الباص قد أوشك على الامتلاء بالركاب الذين كان معظمهم من الرجال، إذ كان السكن (مساعد السائق) ينادي بصوت عالي:

- بغداد ... بغداد ... نفرين بس.

أطلق سائق الباص منبّهاً حاداً مؤذناً بحركة الباص بعد أن تأكد من اكتمال الركاب، وتحرك بالساعة العاشرة تماماً على بركة الله معقّباً شارع باب الطوب - باب لكش - الباب الجديد، ثم انحرف نحو شارع السجن ودورة ناظم العمري والغزلاني.

كان معسكر الغزلاني يموج بحركة السيارات العسكرية وقطعات الجيش التي تمارس التدريب والتمارين العسكرية، وتذكر العم فوزي الأيام الشاقة التي قضّاها في هذا المعسكر جندياً في لواء الملكة عالية (لواء الخامس فيما بعد) وفي الفوج الثاني، لقد كانت أيام عزّ وشرف ورجولة في خدمة الوطن الحبيب. وتذكر آمر فصيله الشهيد الملازم عوني الذي استشهد بطلاّ في جبهة فلسطين عام 1948، وكيف كان لوحدتهم الدور الكبير في مقاتلة مفارز الصهاينة المجرمين.

أما أنا فتذكرت بفرح بالغ أن العم فوزي الذي يحبني مثل أولاده الصغار، وعدني باستصحابي معه في إحدى سفراته إلى بغداد إن نجحت في الوزاري إلى الصف الأول المتوسط، وها هو ينفّذ وعده في العطلة المدرسية صيف عام 1957، وكان عمري حينها (12) عاماً.

بدأ الباص يتسلق مرتفعات البو سيف بصعوبة وحذر وبطء شديد، ومرّ تحت قنطرة القطار نحو قرية البوسيف:

- هذه قرية البوسيف التي تسكنها العشيرة المسماة باسمها من قبيلة العبيد. قال العم فوزي موضحاً.

وبعد هنيهة بدأ الطريق بالانحدار في مسلك متعرج:

- هذا الطريق كنا نسمّيه عند ذهابنا إلى حمام العليل بـ(درب الحية) لكثرة تعرجاته.

واستمر الباص في المسير في منطقة تكتنفها التلال والمرتفعات نحو العريج وحمام العليل، ثم الشورة والقيارة والشرقاط في طريق قديم ضيق لا يتسع لمرور أكثر من سيارتين في آن واحد، وتكثر فيه التعرجات والمطبّات والحفر:

- في هذه المنطقة تسكن عشيرة الجبور العربية في المدن والقرى الزراعية. قال العم فوزي وهو يعرّفني على كل قرية ومدينة نمرّ بها.

انحدر الباص بعد مسافة من الشرقاط نحو سهل ترابي متموج، وأصبح الطريق ترابياً غير معبّد مزعج، وغطى الغبار الكثيف الباص ونفذ من الشبابيك على الرغم من إغلاقها. ولفّ السائق ومساعده رأسيهما بغترة غطّت معظم الوجه، إذ كانا قد احتاطا لهذا الأمر الذي تعودا عليه في سفرهما الدائم.

وارتفعت درجة الحرارة داخل الباص وخارجه في ساعة الظهيرة، ولم يكن في الباص أجهزة تكييف أو مراوح. وراح السائق في صراع مع المطبّات والصعود والنزول بين الوديان والطرق المتشعّبة العديدة، إذ كانت كل سيارة تحاول أن تجد لها طريقاً أقل حُفراً وغباراً.

غطّى الغبار وجوه المسافرين وملابسهم، واختلط مع العرق المتصبّب على الصدور في لون بني غامق. وقال العم موجهاً كلامه نحوي:

- هذا السهل المترب يا صميم يتحوّل خلال فصل الربيع إلى مُرج أخضر اللون، إنه مثال الأرض الخصبة التي تمنح الإنسان الخير والقوت الوفير.

وبعد مسير طويل وضجر من الغبار والحرّ، أشار العم فوزي بيده إلى يسار الباص حيث ينتصب جبل طويل:

- هذا جبل مكحول وهو امتداد لسلسلة حمرين الطويلة التي تبدأ من شرق العراق.

وبعد قليل أصبح الطريق مُعبّداً بطريقة حديثة وواسعاً، ووصل الباص إلى قرية بيجي الواقعة في منتصف المسافة تقريباً بين بغداد والموصل. ونبّهني العم قبل توقف الباص إلى أمر مهم وبصوت خافت:

- سنتوقف في بيجي للاستراحة وتناول طعام الغداء، حاذر أن تشتري أي طعام من المطاعم والمقاهي التي سنتوقف عندها، فالطعام هنا فاسد على الأغلب يؤدي إلى الإسهال دائماً، وهذا حدث مع الكثير من معارفي الذين سافروا في السابق.

وأخرج العم فوزي متاع السفر المكون من البيض المسلوق والشفتة (عروق الطاوة) وخبز التنور، ووضعه على منضدة المقهى. وتناولنا الطعام مع الشاي صحبة عدد من الركاب الذين تعرفنا عليهم أثناء الطريق، وهذه فائدة أخرى من فوائد السفر.

ارتفع منبّه الباص طالباً من الركاب الإسراع في الركوب، وتحرك بعد قليل نحو مدينة تكريت في طريق تعترضه الكثبان الرملية المتحركة. واجتازها نحو مدينة سامراء وعبر على سدة سامراء الحديثة. وقال العم موضحاً:

- هذه سدة سامراء التي تحوّل بعض مياه دجلة إلى قناة الثرثار وبحيرة الثرثار الواسعة. لقد أقيمت هذه السدّة لتمنع مياه الفيضان عن بغداد بعد أن كانت تغرق كل عام.

وسألت عمّي عن منارة الملوية:

- إن سرّ من رأى كانت عاصمة للعباسيين فيما مضى، وفيها منارة الملوية ... لكنّي لا أراها يا عمّي !

- إنها في الجهة الشرقية البعيدة من المدينة، ويمكنك مشاهدتها بعد اجتيازنا سامراء إذ تصبح خلفنا.

واستمرّ الباص في مسيره الحثيث وعندما التفتُّ إلى الخلف رأيت ملوية سامراء العملاقة. واجتزنا بعد ذلك مدن بلد والدجيل ثم المشاهدة، ولاحظت أن أشجار النخيل وبساتين الفواكه أصبحت تغطّي جانبي الطريق منذ وصولنا سامراء.

وصلنا التاجي حيث تنتشر معامل الطابوق بدخانها الكثيف، وشاهدت العمال والنساء لا فرق بينهم، إذ كانوا جميعاً متّشحين بالسواد وقد اسودت ملابسهم ووجوههم على حدّ السواء. وأصبحنا على مشارف مدينة بغداد. واتّجه الباص نحو علاوي الحلّة وهي محطة نزول المسافرين بعد ثماني ساعات كاملة قطعنا خلالها ما يقرب من (400) كيلومتر بين بغداد والموصل.

استأجر العم فوزي سيارة أجرة لتنقلنا إلى الأعظمية حيث تقيم أسرة ابن عم والدي الموظف صدّيق الذي انتقل من الموصل إلى بغداد حيث مقر وظيفته في وزارة التجارة. واستقبلتنا الأسرة بترحاب وفرح كبير، وراحوا يسألون بشوق عن أحوال الأقارب في الموصل فرداً فرداً.

وكان شكرهم وامتنانهم كبيراً للهدايا التي جئناهم بها، وهي تحمل نكهة طعام الموصل ورائحة أهلها الكرام. وسأل ابن العم صدّيق:

- كيف هي صحة الأخ أبو صميم والجدّة أم عائشة ؟

- إنهم بخير ويسلّمون عليكم كثيراً، وهم مشتاقون لرؤيا وجوهكم الطيبة. ويقبل الأولاد كافة أياديكم الكريمة.

كان بيت العم صدّيق في الأعظمية – محلّة النصّة مبنياً بالطابوق، ويتكون من عدة غرف ترتبط بهول مسقوف ومبلطة بالكاشي الأصفر اللون. وفي الخلف فناء مكشوف ومطبخ تعلوه غرفة وسلالم تؤدي إلى السطح الواسع. وكانت أرضية السطح من الطين وقد فرشت فيه عدة فرش على تخوت خشبية وأسرّة حديدية.

لقد كانت طبيعة الحياة البغدادية الشعبية الجميلة تتجلّى في السطوح البغدادية التي تمتد متشابهة ومتلاصقة إلى مسافات طويلة، يقابلها صفوف متوازية من الأبنية والأسطح. ولا زلت أتذكر عبق رائحة الطين التي تفوح منه عند رشّه بالماء ليبرد، وهبوب النسمات الباردة التي تختلط معها حرارة الصيف البغدادي، تحمل عبق التراث التاريخي الخالد لمدينة أبي جعفر المنصور.

وأذكر شمس الصباح الدافئة وهي تغطي بعض أجزاء السطح ونحن نائمون في الظلال، وصياح الديكة، وهواء الصباح يتسلل من فتحات الستائر الجميلة، ومن فتحة البادكير (ممر هوائي) نحو باطن البيت فتلطف حرارته العالية.

في صباح اليوم التالي تناولنا جميعاً الفطور البغدادي الخاص من الكيمر والعسل والكاهي ولبن الروبة والصمون مع الشاي، ولاحظت بأن معظم الأسر البغدادية لا تعتمد التنور وتشتري الخبز والصمّون من المخابز والأفران الأهلية.

ارتديتُ ملابسي استعداداً للخروج مع ابن العم عدنان الشاب المهذّب في جولة لتعريفي على مدينة بغداد، وكان عدنان قد أنهى دراسته المتوسطة بنجاح باهر. وخرجنا نحو ساحة الإمام أبي حنيفة النعمان حيث يقع جامعه الكبير، وركبت لأول مرة باص مصلحة نقل الركاب ذي الطابقين متجهين نحو الميدان.

وراح عدنان يشرح لي ويعرفني بأسماء الأماكن والمحلاّت التي يمر بها الباص:

- هذه سينما الأعظمية، وهذه كلية العلوم، وهذه ساحة النادي الأولمبي، وهذه محلّة الكسرة، وهذه بناية البلاط الملكي، وهذا جسر الصرافية الحديدي، وهذه الكرنتينة، وهذه وزارة الصحة تقابلها كلية الطب، وهذه ساحة باب المعظم، وهذه البناية ذات القبة هي المكتبة العامة، وفي اليمين وزارة الدفاع.

وصل الباص ساحة الميدان وترجلنا فيها واستمرّ عدنان في شرحه الممتع للأماكن وللهجة البغدادية التي نسمعها ويصعب عليّ فهم بعض مفرداتها:

- هذه ساحة الميدان التي تقودنا إلى شارع الرشيد وهو من أقدم شوارع بغداد وأجملها، وفيه مختلف أنواع المحلاّت والفنادق والمطاعم ودور السينما. وسنذهب الآن في الشارع الثاني المجاور للنهر ونشاهد بناية مجلس الأمّة والبريد والقشلة العثمانية، ثم سوق السراي وشارع الأكمكخانة.

مشينا في الشارع المذكور وشاهدت مجلس الأمّة وبناية البريد، ثم بناية القشلة الواسعة وساعتها التراثية العالية. ووقفت أتأمل هذه القلعة التاريخية وعدنان يتحدث عن ماضيها القريب:

- إن هذه القلعة بنيت في عهد الدولة العثمانية التي كانت تحكم العراق، ومن بعدها احتلها الانكليز وتوّج جلالة الملك فيصل الأول فيها كأول ملك للعراق عام 1921.

مشينا في الشارع المحاذي للقشلة نحو سوق السراي المسقوف، وأمضيت وقتاً طويلاً وأنا أشاهد المكتبات العريقة ومحلات لبيع الكتب المستعملة. وخرجنا نحو شارع الأكمكخانة - أي فرن الخبز العسكري- (المتنبي فيما بعد) حيث جلبت انتباهي قطعة المكتبة العصرية التي كانت تتقاضى ثمن الاشتراك في مجلة سمير المصرية التي كنت مشتركاً فيها، ووجدتها فرصة لتجديد اشتراكي السنوي فيها، إذ كانت تصلني إلى البيت في الموصل أسبوعياً بالبريد الجوي.

أنهينا زيارة شارع الأكمكخانة ووصلنا ساحة الأمين (الرصافي فيما بعد)، واقترح عدنان أن نزور المتحف العراقي في الشارع القريب المؤدي إلى جسر مود. واتجهنا نحو المتحف وقطع عدنان تذكرتي دخول، ورحنا نتجول في أرجائه الواسعة ونتطلع إلى حضارة العراق وآثاره القديمة منذ عصور الأجداد في سومر وبابل وآشور وأور ونينوى.

استغرقت زيارة المتحف عدة ساعات وكأنها دقائق، وخرجنا لنذهب إلى مقهى أحمد فتّاح في ساحة الأمين حيث ينتظرنا العم فوزي حسب الموعد الذي اتفقنا عليه صباحاً.

كان مقهى أحمد فتّاح ملتقى الموصليين القادمين إلى بغداد، إذ تتم فيه المواعيد بينهم لكونه نقطة دالة وسط العاصمة الكبيرة. وهناك شاهدنا العم فوزي وسط عدد من أهل الموصل بعضهم مقيم في بغداد للدراسة وآخرين للعمل، ورفضوا أن يدفع العم ثمن قهوته وصاح أحدهم يُنبّه صاحب المقهى (وير) - أي واصل من عندي-.

واتجهنا مشياً نحو موقف الباص في ساحة الميدان، وتعرفنا في طريقنا على جامع الحيدرخانة التاريخي الكبير.

في عصر اليوم التالي ذهبت مع عمّي وعدنان في باص المصلحة (منطقتين) إلى الباب الشرقي، وشاهدنا تمثال السياسي الوطني عبد المحسن السعدون في مدخل الشارع المسمى باسمه. ثم اتجهنا نحو شارع الخيام للدخول إلى سينما الخيام التي كانت من الدرجة الأولى ومن أفخم صالات السينما في العراق.

اقتطع العم فوزي ثلاثة تذاكر بسعر (120) فلساً للواحدة، ودخلنا الصالة الفخمة التي أعجبت بألوانها الزاهية وجوّها البارد المكيّف ومقاعدها الوثيرة الحمراء أيما إعجاب. وجلسنا حسب أرقام المقاعد في منتصف الصالة، وجلبت انتباهي اللوحتان الكبيرتان على جانبي الصالة التي تمثل صورتين تراثيتين لعمر الخيام قال عدنان:

- أن رسّام إيراني مشهور رسمهما بعد رفض الفنان العراقي جواد سليم رسمهما لأسباب لم تعرف.

فتحت الستارة الذهبية اللون عن شاشة كبيرة عريضة وإعلانات ومقدمات لأفلام قادمة لا مثيل لها في سينمات الموصل المتواضعة. أعقبها عرض الفيلم الأجنبي (الرداء) بالألوان الزاهية والسينما سكوب، ثم استراحة قصيرة شربنا خلالها الكوكا كولا من بوفيه السينما. وانتهى الفيلم الذي حاز إعجابنا بعد عرض لمدة ثلاث ساعات كاملة.

في اليوم التالي ذهبتُ صحبة عدنان لزيارة مرقد الكاظم في مدينة الكاظمية، ودخلنا المرقد الذي أبهرتني فخامته وسعته الكبيرة، وقوة الإضاءة المنبعثة من الثريات الضخمة المدلاّة من قبته، ولمعان قطع المرايا الصغيرة المتلاصقة التي تغلف جدران المرقد.

واستقبلنا سيّد من المعممين هناك وطلب منّا أن نردد بعده دعاء الزيارة، وراح يتلو الأدعية ويطوف حول ضريح الإمام ونحن نردد خلفه. وكان عدد كبير من الناس يطوفون حول الضريح ويقبلون سياجه المعدني اللامع، وشاهدت شاباً مخبولاً مربوطاً بسلسلة في شباك الضريح.

طلب منّا المُعمّم أجرة الزيارة (50) فلساً ورفض قطعة العشرين فلساً التي قدمناها له، وجاء مُعمّم آخر وطلب منّا الزيارة وتصوّرنا أن تكرارها واجب وقبض الأجرة، وجاء ثالث وقبض الأجرة وقلنا أن ثلاث زيارات تكفي. فتملّصنا بصعوبة من بين أيدي المعمّمين ودفعنا آخر درهم للكشوان الذي يحافظ على الأحذية في المدخل. وبعد أن ابتعدنا عن المرقد سألت عدنان:

- ماذا يعني مرقد الكاظم ولماذا الزيارة وتقبيل السياج المحيط به ؟

- إن الكاظم هو من أئمة الشيعة، توفي في زمن الخليفة هارون الرشيد الذي سجنه لدعوته ضد الدولة العباسية.

- ومن هم الشيعة ؟

- إنهم مسلمون مثلنا ويختلفون عنا ببعض العادات والتقاليد التي أفتى بها علماؤهم.

- إننا في الموصل لا نعرف السنّة من الشيعة ولا نسأل أحداً عن مذهبه فالكل أسلام على دين محمد صلى الله عليه وسلّم.

في عصر اليوم نفسه ذهبنا إلى جانب الكرخ وتجولنا في الشوّاكة والصالحية، وشاهدنا دار الإذاعة العراقية في الصالحية، والتقينا بالمطرب رضا علي صاحب أغنية (سمر سمر) وهو في طريقه إليها. وشاهدنا تمثال مؤسس الدولة العراقية جلالة المغفور له الملك فيصل الأول وهو على حصانه بالزي العربي.

وفي الأيام التالية تجولنا في شارع الرشيد وتعرفتُ على الأماكن المهمة فيه مثل: سوق الشورجة، وخان مرجان، ورأس القرية، وحافظ القاضي، ومخزن أورزدي باك الكبير، وسينما الوطني، وجامع سيد سلطان علي، ومنطقة المربعة والسنك وفنادقها الكثيرة، ومجمع سينمات روكسي وركس الشتوية والصيفية، ومحلاّت تسجيلات جقماقجي.

أنهى عمّي فوزي أعماله في بغداد وتهيأنا للسفر عائدين إلى الموصل بعد أن زرنا صديقاً له في فندق حسيب قرب جسر الملك فيصل الثاني في شارع النهر، واطّلعتُ على الفندق الذي يؤمه الموصليون الغرباء عند قدومهم إلى بغداد. والمقصود بالغرباء هنا هم من الذين ليس لهم أقارب في بغداد، إذ يرفض الأقارب في بغداد نزول أقاربهم في الفنادق وعدم النزول في بيوتهم.

وكذلك يرفض أهل الموصل بشدة نزول أقاربهم القادمين من بغداد في فندق، ويُعدّون عملهم هذا إن حصل انتقاصاً بحقهم، ودليلاً على عدم أهليتهم لاستقبال الضيف. لذلك سمّي شارع حلب في الموصل بهذا الاسم بسبب نزول تجار حلب الغرباء في فنادقه أيام زمان.

حلّ المساء وكنّا قد أكملنا رزم حقيبتينا المعدنية والجلدية، وحمّلنا متاع السفر من البيض والكبة الموصلية. وخرج عدنان لجلب سيارة تقلّنا من البيت إلى المحطة العالمية في علاوي الحلّة، وخرج معنا العم صدّيق لتوديعنا في المحطة ومعه كوشر (زنبيل كبير) من عثوق التمر البرحي أفضل أنواع التمر العراقي هدية للأقارب في الموصل.

وفي المحطة عانقتُ ابن العم العزيز عدنان وشكرتُه على حسن الضيافة والرفقة، وعانق عمّي الوالد صدّيق مودعاً وشاكراً الضيافة الكريمة. وطلب العم صدّيق إبلاغ سلامه الكثير وأشواقه إلى والدي وإلى أفراد أسرتنا كافة وجميع الأقارب في الموصل.

تحرك القطار بالساعة الثامنة تماماً متجهاً نحو مدينة الموصل الحدباء، وأنا أتمنى لو طالت زيارتنا أياماً أخرى لنتمتّع بها بجمال العاصمة وأهلها الطيّبين.



الكاتب: ازهر العبيدي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
سفرة إلى العاصمة في الزمن الجميل
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البيت الآرامي العراقي :: الثقافية , الادبية , التاريخية , الحضارية , والتراثية Cultural, literary, historical, cultural, & heritage :: منتدى الشعر والادب بالعربية المنقول Forum poetry & literature with movable Arabic-
انتقل الى: