البيت الآرامي العراقي




البيت الآرامي العراقي

سياسي ِ ثقافي ِ أجتماعي


 
الرئيسيةالرئيسيةبحـثالتسجيلarakeyboardsyrkeyboardدخول

شاطر | 
 

 بين خدمة الله واستخدامه : القس لوسيان

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Dr.Hannani Maya
المشرف العام
المشرف العام



الدولة : العراق
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 37598
مزاجي : أحب المنتدى
تاريخ التسجيل : 21/09/2009
الابراج : الجوزاء
التوقيت :

مُساهمةموضوع: بين خدمة الله واستخدامه : القس لوسيان   الثلاثاء 03 يوليو 2012, 2:32 am

بين خدمة الله واستخدامه


السبت, 30 حزيران/يونيو 2012 18:02 | | |



القس لوسيان جميل










المقدمة :



قد يفيدنا هذا المقال في امور الأخلاقيات السياسية التي تبنيت الكلام عنها بكثافة منذ ايام الاحتلال، لا بل ما قبل ذلك بزمن طويل، وتحديدا منذ ايام الحصار الجائر على العراق. غير ان هذا المقال يفيدنا كثيرا، حتى لو لم يكن هناك حصار ولا احتلال ولا متاجرة باسم الله في عالم الأقوياء وفي عالم الضعفاء على حد سواء. اما هذه الفائدة فتأتي من كوني اقدم لكل قرائي الأفاضل، بعض المبادئ الانسانية الأنثروبولوجية التي ترينا جميعا طريق التصرف الأكثر انسانية في الحياة، هذا الطريق الذي ان استطاع الانسان سلوكه، يفضي به الى الحياة الفضلى، في مجالات كثيرة.



وقد يكون القارئ الكريم قد تنبه الى حقيقة اني لا استخدم النصوص الدينية كثيرا، اللهم إلا اذا كان لهذه النصوص ما يماثلها في الأديان الأخرى، وكانت بمثابة وسائل ايضاح لما اريد ان اقوله من خلال مقالي. اما لماذا لا استخدم النصوص الدينية كثيرا، فليس ذلك استهانة بالمعاني الجليلة لهذه النصوص، معاذ الله! لكن السبب في ذلك يعود احيانا الى خوفي من الشطط، في نصوص لست عالما بها بكفاية، كما يأتي احجامي عن استخدام النصوص الدينية لكوني اعرف ان اي نص من النصوص الدينية يحتاج بدوره الى الاتفاق على معانيه بكل ابعادها، وليس المعاني القاموسية او النصية Textuels فقط، الأمر الذي لا اريد ان اخوض فيه، ولاسيما في زمننا المضطرب. وعليه فاني غالبا ما استخدم عقلي وقواعده، لكي اتكلم عن أمر ما يعود الى الأخلاق العامة.



الفرق بين الخدمة والاستخدام:

قد تكون الغاية الأولى من وضعي للعنوان اعلاه هي ان اتكلم عن حقيقة خدمة الله، وعن ظاهرة استخدام البشر لإلههم، غير اني في البداية سوف اتكلم عن ظاهرتي الخدمة والاستخدام في حياة البشر بشكل عام، وأحاول ان اظهر علميا ايهما المطلوب من الانسان: خدمة واحدنا للآخر ام استخدامه، ولاسيما عندما تضمنا منظومة انسانية واحدة؟



من هنا سوف نحاول ان نميز بين الخدمة والاستخدام، بشكل عام، ونحاول ان نعرف معنى الخدمة والاستخدام، واحدا بعد الآخر، لكي نتمكن من ان نتكلم كلاما صحيحا عن المفردتين: مفردة الخدمة ومفردة الاستخدام، وعن معانيهما بدقة، لاسيما وأننا نجد فرقا بين الخدمة والاستخدام، من كلام الناس نفسه، عندما يمدح الناس عادة من يقوم بخدمة الآخرين بالشكل الجيد والصحيح، في حين يصف الناس من يستخدم الآخرين بوصف الأنانية المذمومة. وهنا اود ان اقول لقرائي بأني لطالما سمعت من مسيحيين ومسلمين بأن فلانا لا اجر له من عمله الذي يبدو حسنا، لأنه لا يعمله لوجه الله، بل من اجل مصلحته الذاتية، حيث يحول مثل هذا الانسان الهه من غاية يتبعها من اجل كمالها الى وسيلة تحقق له المصلحة الذاتية او الحزبية او الدينية او الطائفية. علما بأني من زمان طويل سبق وأن وضعت قاعدة تقول: الانسان يتحول الى ما يؤمن به. بمعنى ان الغاية من العلاقة مع الله هي تحول الانسان الى ما يريده الله منه وله، وليست ان يحصل الانسان من الله مكسبا ماديا ومعنويا، لا يعود اعطاؤه الى الله.



المشكلة بين الخدمة والاستخدام:

غير ان المشكلة الكبرى التي تواجهنا في التمييز بين الخدمة والاستخدام، لا تكمن فقط في الفارق الموجود بين المعنيين، ولكن ايضا في ظاهرة التداخل Connexion الموجود بين الخدمة والاستخدام، مع وجود امكانية العبور من الخدمة الى الاستخدام بسهولة، وإمكانية وجود تحايل على الآخرين في هذا المجال، هذا اذا لم نقل وجود تحايل على الذات نفسها، بما يسمى ميكانيكية الحيل الدفاعية عن الذات، كما نجد ذلك في اطروحة ماجستير في علم النفس، للسيد شوقي يوسف، هذا اذا لم تكن هذه الحيل النفسية التي تخلط بين الخدمة والاستخدام حيلا هجومية وخلطا متعمدا ايضا، له اسماء كثيرة: منها البراغماتية والالتباس والكلام بأنصاف الحقائق والكيل بمكيالين واللعب على الكلمات والظهور امام الآخرين بوجهين، والتعامل مع ما هو نسبي وكأنه مطلق، ومع المطلق وكأنه نسبي.



مفهوم الخدمة في حياة الانسان:

اذا وضعنا مفهوم الخدمة المأجورة جانبا، وبقينا ضمن اية خدمة يقدمها انسان لإنسان آخـر، مع وجود امكانيـة ان تتحول هذه الخدمة الى استخدام، في حالات كثيرة، فإننا سنلاحظ كيف حاول الأنثروبولوجيون وعلماء الاجتماع ايجاد مصطلحات أخرى بديلة لمصطلح الخدمة الديني، دون ان يتمكنوا من القضاء الكلي على مصطلح الخدمة الديني والروحي هذا. ويقينا ان مفردة الوظيفة fonction هو المصطلح العلمي الذي اريد له ان يكون بديلا لمصطلح الخدمة الديني، وهو مصطلح يبدو عليه اكثر تعبيرا عما يريد ان يقوله العنوان، من مصطلح الخدمة، لكي يحتفظ المصطلحان بخصوصيتهما ومعانيهما المتميزة، بدون ان يكون هناك تداخل والتباس بينهما، حتى لو استخدم احد المصطلحين بدل المصطلح الآخر احيانا، من قبيل المجاز والتماثل.



والوظيفة، بهذا المعنى، تعني العمل المتخصص الذي يقوم به " بعد " ما لمنظومة معينة، والمكانة والموقع الذي يحتله، سواء كان هذا البعد ماديا ام روحيا، ام كان مجرد فكرة في منظومة فكرية محددة. فإذا ما كانت مكانة هذا البعد في المنظومة مكانة طبيعية، مادية كانت ام انثروبولوجية، ام اجتماعية، يسمى هذا البعد بمكانته المعينة وظيفة، وإذا لم تكن مكانة هذا البعد طبيعية بل مضافة حينئذ يسمى العمل توظيفا، وخاصة في المجال الانساني والمجال الفكري. ولكن علينا ان نفهم ان اية وظيفة او مهمة، سواء كانت طبيعية او مُدخلة، لا تكون لها قيمة تذكر ما لم تكن هذه الوظيفة او المهمة حاجة اساسية للمنظومة التي تنتمي اليها، ومنها منظومة الانسان طبعا. وبهذا الصدد سوف نفهم ان اية وظيفة او مهمة تكون قيمتها بقدر تعلقها الانثروبولوجي والطبيعي بمنظومتها الخاصة، لكن اية منظومة او مهمة، سواء كانت طبيعية او مضافة، تكون قيمتها في قوة ارتباطها sa connexion وتماسكها وتناسقها مع منظومتها، فضلا عن مقدار الحاجة الى عملها الخاص.



وبما ان هذا المقال، ليس مقالا علميا صرفا، وانما هو مقال هادف، كما هو واضح من العنوان، فإننا سوف نختصر كلامنا البنيوي عن الخدمة، او بالأحرى عن الوظيفة، ببعض الوظائف البنيوية الأنثروبولوجية الطبيعية، ولا نتطرق الى الوظائف البنيوية في المجالات الطبيعية: الفيزيائية والكيميائية، ولا في مجال بنيوية الكون والعالم المادي.



الانسان الفرد:

وتظهر البنيوية، فيما يخص مقالنا، في حياة الانسان الفرد. فالإنسان الفرد منظومة دقيقة التركيب، الى حد مذهل، ولاسيما بعد ان اظهر لنا علم الحياة دقة هذا التركيب ونوع اكتفائه الذاتي بما يملك من قوى مسؤولة عن كل النظام الذي يسود الكائن الحي والإنسان، منذ ولادته وحتى مماته، لا بل لما بعد ذلك ايضا، ولاسيما في حالة الرموز. وهنا لا نخطئ اذا قلنا ان الانسان عبارة عن وظائف تصاعدية ومتشابكة من اصغر وظيفة الى اكبر وظيفة، تقوم كلها بمهمة ايصال الانسان، روحا وجسدا، الى غاياته الكبرى المرسومة في كيانه، كحلقة من عالمه ومن كونه. علما بأن القوى المسؤولة عن خدمة هذا الانسان، سواء كانت قوى وبنى كبرى Macro structures او قوى وبنى صغرى Micro structures، وعلى الرغم من كونها قوى طبيعية ولا مناص من وجودها في الانسان، لكي يكون الانسان كائنا حيا وكائنا انسانيا مفكرا، فان هذه القوى والبنى تعتمد على ثلاثة عناصر مهمة وهي: الوراثة والتربية الاجتماعية والمجهود الشخصي، حيث تعمل هذه القوى والبنى معتمدة على قانون معين يسمى قانون الاحتمالات، هذا القانون الذي يعمل في سائر المجالات التي ذكرناها. فهل نسمي ما في الانسان الفرد بنى ام ابعادا ام خدمات ام وظائف ام مكونات ام بغير ذلك من التسميات؟ اعتقد ان التسميات متعددة والمسمى واحد، لكن المهم ان يكون اي بعد او بنية " حاجة " متناسقة مع سائر الحاجات الأخرى في المنظومة، من اجل خدمة المنظومة نفسها.



الانسان المجتمع:

على الرغم من ان المجتمع متكون من افراد فان لهذا المجتمع قوانينه الخاصة به، وهي قوانين مماثلة لقانون الانسان الفرد كثيرا، مع بعض الاختلافات طبعا. ففي المجتمع خدمة واستخدام ايضا، وفيه وظيفة وتوظيف، وفيه مشاركة وتكامل، مع ما فيه من انتهازية وبرغماتية قد تصل احيانا كثيرة الى الميكيافلية: اي التعامل مع الآخرين على اساس انتهازي يصل الى الحد الذي تصير المصلحة عند البعض مبررة لكل الموبقات.



حالة انثروبولوجية اجتماعية خاصة:

بما ان المجتمع الانساني منظومة كبرى تحوى عددا كبيرا من المنظومات الصغرى، فأنني سأختار عينة مثالية من هذا المجتمع يظهر من خلالها الفارق بين الحب الحقيقي والحب الأناني المزيف، كما يظهر فيها الفارق بين الوظيفة الجيدة والتوظيف الذي يأتي في محله، من جهة، وبين استخدام الآخرين الأناني من جهة أخرى. ففي الزواج، يكون الزوج خدمة ووظيفة انثروبولوجية في حياة المرأة، كما تكون المرأة خدمة ووظيفة انثروبولوجية في حياة الرجل، حيث يكمل احدهما الآخر من نواحي عديدة، لسنا الآن بصددها. وهكذا تقود " حاجة التكامل " هذه كلا من الرجل والمرأة الى الحب، من اجل تحقيق هذه الحالة الانسانية العليا.



غير ان حاجة الرجل التكاملية الى المرأة وحاجة المرأة الى الرجل قد تشوبها شوائب كثيرة حتى تتحول وظيفة احد الزوجين من وظيفة خدمة وعطاء الى وظيفة استخدام الشريك استخداما انانيا، فيه كثير من رغبة الأخذ وقليل من العطاء. وهنا ننبه الى ان الحب الخالص عند الرجل والمرأة يبقى مسألة دعوة يكون الشريكان مدعوين اليها طوال ايام حياتهما، ولكن لا احد يستطيع ان يضمن انه سيصل الى الحب المثالي، وذلك أن الحب المثالي، او حتى الحب القريب من المثالي، لا يعود الى طرف واحد، لا بل يعود الى الرجل والمرأة معا، لا بل يعود الى عدة عوامل وجهات اخرى غيرهما، بقدر او بآخر.



الله بين الخدمة والاستخدام:

عندما نتكلم عن الحب بين شخصين، اي نوع من الحب كان، علينا ان لا ننسى ان هذا الحب " حاجة " انسانية متعددة الوظائف، تشمل كل حياة الانسان. ولا ننسى ان قوة الحب تكمن طرديا في قوة هذه الحاجة، كما تكمن في قوة الاستجابة لهذه الحاجة، هذه الاستجابة التي تبدأ اولا بالعطاء قبل ان يعود هذا العطاء للمحب بالخير والبركة والرضا. والحقيقة ان مشكلتنا مع الله هي اننا لا نراه، ولا يمكن ان نشعر به، إلا من خلال حياة روحية عميقة، هذه الحياة التي لا توجد إلا عند قلة من الناس. غير ان تجربتنا الخاصة تظهر ان الانسان يسلك مع الله اقصر السبل وأسهلها، للحصول من الهه على ما يحتاجه، في حين ان قواعد الحب هي ان تعطي قبل ان تأخذ. وبما ان الله ليس بحاجة الى الانسان، فان احسن عطاء يقوم الانسان بإعطائه لله هو عطاؤه لأخيه الانسان، لكي يحصل الانسان، مع هذا العطاء ما هو من اختصاص الله: الوحدة والسلام والمحبة بين البشر. وهكذا يكون عطاء الله للإنسان عطاء يغير الانسان نحو الأفضل، كما يظهر ذلك للإنسان جليا، في مرحلة تحولات الانسان الكبرى، في حين تتحول العلاقة مع الله، في الأزمنة الأخرى، الى تجارة ومصلحة بين الانسان والله، كما يظهر ذلك لأبسط دارس لصلوات الانسان مثلا.



وهكذا اذن، اذا استثنينا مراحل التحولات الكبرى من كلامنا، وإذا استثنينا بعض النفوس من ذوي الروحانية العميقة الطيبة، سوف نفهم ان لا احد يخدم الله، كحاجة حياتية روحية انثروبولوجية تساعد الانسان على التقدم في انسانيته، ولا احد يتعاون مع هذه الحاجة التي تقع في قمة حاجاتنا الانسانية الأساسية، لكي يتحول الانسان تدريجيا الى ما يؤمن به، ولكن الغالبية، اما انها لم تعد تعرف ما هي الفائدة من وجود الله او الدين في حياتهم، او هي لا تعرف لله من فائدة غير عطاياه المادية، ولاسيما في المجالات السياسية.



وهكذا عوضا ان يقول الانسان يا الله لتكن مشيئتك لكي اقبل ان اتحول الى اداة خير بيدك تجاه الآخرين، يقول يا الله، كمل مشيئتي وأعطني كذا وكذا من الحاجات التي اطلبها منك. وهكذا يكذب اغلبنا عندما يقول: يا الله اني احبك وأخدمك وأعمل مشيئتك، لأن غالبية الناس تستخدم الله ولا تخدمه.



فهل نقرر، يا ترى، بعد هذا، ان نخدم المقاصد الالهية المعلنة بأشكال مختلفة، وهل نقرر ان نكون ادوات جيدة تعمل مع الله وفي خدمته على القضاء على الشر الموجود في العالم، وهل نقرر ان نسلك في " الطريق الموحش لقلة سالكيه "، وان ندخل من الطريق والباب الالهي مهما كان ضيقا وصعبا؟ آمل ذلك من كل قلبي. وأدعو الله لي ولكل قرائي ان نكون كما يريد الله منا، لا ان نلزم الله بأن يكون كما نريد منه ان يكون: الها يخدم انانياتنا وطائفيتنا ومصالحنا الدنيوية الضيقة.



القس لوسيان



تلكيف – محافظة نينوى – العراق



30 - 6 - 2012
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
بين خدمة الله واستخدامه : القس لوسيان
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البيت الآرامي العراقي :: الاخبار العامة والسياسية General and political news :: منتدى المنبر السياسي والحوار الهادئ والنقاش الجاد الحر Political platform & forum for dialogue & discussion-
انتقل الى: