البيت الآرامي العراقي




البيت الآرامي العراقي

سياسي ِ ثقافي ِ أجتماعي


 
الرئيسيةالرئيسيةبحـثالتسجيلarakeyboardsyrkeyboardدخول

شاطر | 
 

 نزار قباني يواجه الخرافة بالسلاح الأبيض

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Dr.Hannani Maya
المشرف العام
المشرف العام



الدولة : العراق
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 37598
مزاجي : أحب المنتدى
تاريخ التسجيل : 21/09/2009
الابراج : الجوزاء
التوقيت :

مُساهمةموضوع: نزار قباني يواجه الخرافة بالسلاح الأبيض   الأحد 09 مايو 2010, 8:47 pm

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
نزار قباني يواجه الخرافة بالسلاح الأبيض!
د. حاتم الصكَر
-
المدويّات: قصائد كان لها صدى ودوي في الذاكرة الشعرية المعاصرة، إما لموضوعاتها الجديدة، أو لبنائها الفني الحديث، واستحقت هذه الوقفات النقدية والقراءات الاستعادية التي تذكّر بها وتستجلي أصداءها.

في الثلاثين من أبريل يكون قد مر على رحيل نزار قباني اثنا عشر عاماً، حيث توفي عام 1998 في لندن بنوبة قلبية، وإذ نستذكر نزار في أولى قراءاتنا للقصائد التي نقدمها في هذه الحلقات من القصائد المدوية، فإنما عبر قصيدته “خبز وحشيش وقمر”، التي ظلت بعد أكثر من نصف قرن تمتلك حضوراً استثنائياً وديمومة قلَّ أن تمتلكها قصيدة بعد ذلك الزمن كله. وتدل على ذلك الحضور تعليقات زوار المواقع الإلكترونية التي لا تزال تنشر القصيدة وتتلقى صدىً تفاعلياً واسعاً حولها كأنما يعيد لها اعتبارها وينتصف مما لقيته عند نشرها في أحد أعداد مجلة “الآداب” البيروتية عام 1954، ثم في ديوان نزار “قصائد من نزار قباني” عام 1956. وإذا كان رد الفعل على نشرها في “الآداب” محدوداً لعدم إطلاع الجمهور عليها بشكلٍ كافٍ، فإن احتواء الديوان عليها أعاد قضيتها مجدداً وبشكل مكثف حتى وصل إلى البرلمان وطالب نواب سوريون بمعاقبة الشاعر ومقاضاته وطرده من السلك الدبلوماسي الذي كان يعمل موظفاً فيه، كما شن الخطباء والمشتغلون في الفتاوى والمؤسسات الدينية وبعض الكتّاب والصحفيين هجوماً شديداً على الشاعر وقصيدته ومناصريه، ولم توفر الاتهامات التي جاءت في سياق تلك المعركة أية تهمة ممكنة من المروق وإيذاء الذوق العام والتقاليد حتى الخيانة والعمالة!

هكذا تقدم “خبز وحشيش وقمر” أمثولة عن نفوذ الشعر وخطورة ملفوظاته، وبالمقابل ترينا سوء القراءات التي تتقصى الملفوظ خارج سياقه، وتفضح تخلف بعضها وقصورها عن فهم دوافع الكتابة ومشغّلاتها.

العمائم والذقون

نزار قباني نفسه حين يكتب مسترجعاً ذكرياته الأدبية ونشأته يقول إن “خبز وحشيش وقمر” كانت أول مواجهة بالسلاح الأبيض بيني وبين الخرافة. ويقارنها بتلك المواجهة التي خاضها عم والده أبو خليل القباني مع المتخلفين الذين رأوا في فنه المسرحي وتمثيلياته مروقاً وخروجاً على التقاليد والأعراف، فقال نزار: حين نشرتُ عام 1954 قصيدتي “خبز وحشيش وقمر”.. العمائم نفسها التي طالبت بشنق أبي خليل طالبت بشنقي... والذقون المحشوّة بغبار التاريخ التي طلبت رأسه طلبت رأسي...

يريد نزار بهذا التذكر لما أصاب سلفه المجدد أن يربط سيرورة نصوصه التحريضية ذات الطابع المستفز بتلك المحاولات المبكرة للقباني الأول الذي أراد أن يجعل من المسرح الغنائي خاصة وسيلة للاحتكاك بالثوابت وتثوير المجتمع وإيقاظه ليلحق بالعصر، وهي المهمة التي تولى نزار ربما بتأثير من أبي خليل أن يواصلها فأثقل بها نصاً شعرياً مكتوباً بطريقة الشعر الحر كما اصطلحت نازك الملائكة، والذي كان هو ذاته مظنة مروق وخروج على المألوف، فجاء الرد الرافض لـ”خبز وحشيش وقمر” من جهتين:

ـ محمولها الاجتماعي المحاك بضراوة بالثوابت والأعراف والسخرية من التواكل والركون إلى الغيبيات دون العمل والتفكير.

ـ وبنائها الفني المستند إلى الشكل الجديد القائم على تعدد التفعيلات والقوافي، وهدم بنية الشطرين التي كتب بها الشعر التقليدي الموروث.

حينها لم يكن قد مر على اجتراح شعراء العراق المجددين الذين عرفوا لاحقاً بالرواد لشعر التفعيلة ـ الحر سوى سنوات معدودة هي أقل من عقد لا تكفي لترسيخه وردّ حجج خصومه الذين كانت تُهم المروق على الموروث وهدم التقاليد والتراث واللغة هي أبرز ما يميز منافحاتهم ضد توجهات شعراء الشعر الجديد وحداثتهم، رغم محدوديتها ودورانها في الإيقاعية الوزنية وبشيء من الحرية في التفعيلات والقوافي التي لم تعد بعد سنوات تلبي طموح المجددين ورؤاهم.

اجتمع إذن لرفض “خبز وحشيش وقمر” أكثر من سبب منها أيضاً ما كان يحفّ بالشاعر من دعاوى واتهامات لما تضمنه ديوانه الأول “قالت لي السمراء” من غزل لم تعتده القراءات المتصفة بالحياء، وكتمان العواطف، وعدم التصريح بجمال الحبيبة، أو صفاتها الجسدية، أو التصريح بالمواقف الغزلية التي امتلأت بها قصائد نزار.. وارتاح هو لما خلقته من أصداء وردود أفعال، فأوغل في تلك المصارحة التي ظلت القراءة الجمعية تعدُّها خروجاً على أعرافها بدعوى الحشمة والأخلاق والحياء الذي حداً مثلاً بإحدى المجلات المصرية حين عرضت في أحد أعدادها ديوان نزار “طفولة نهد” أن تحوّر العنوان إلى طفولة نهر! كأنما لتبرأ من المسمى وتلغيه في عرضها الذي كان منصفاً لنزار، ولكن بحجب عنوانه الأصلي المتضمن اسم النهد واستبدال النهر به، وفي سياق اجتماعي كهذا منتصف الخمسينيات يغدو الاحتكاك بالثوابت الاجتماعية ونقد التقاليد ضرباً من المروق الذي لا يقبله سدنة المجتمع والقيمون عليه.

نقد اجتماعي

ولكن ماذا في “خبز وحشيش وقمر” سوى ذلك النقد الاجتماعي للتواكل القدري والاستسلام للخدر والأحلام والتكرار والامتثال للتراخي والكسل والمواجهة الحادة التي سيصفها نزار نفسه بأنها مواجهة بالسلاح الأبيض أي عن قرب والتحام مباشر؟

يركز نزار في القصيدة على الجماعة كوجود وكيان يندرج فيه الفرد بلا ملامح، فالفعل في القصيدة جمعي يقوم فيه الجماعة بالخروج للنزهة في ضوء القمر مكررين ما دأبوا من احتفاء ساذج بولادته أي بصيرورته بدراً كاملاً، ولا يمكن فهم سبب اختيار نزار لتلك اللحظة التي تدل بالعكس على الشاعرية والذوق كما لا ندري سر اختياره لاحتفاء الناس بالقمر وخروجهم إلى رؤوس الجبال زمراً لملاقاة القمر؟ وأغلب الظن أنه يشير لتقليد شعبي يحتفي الناس فيه بالقمر ويدقون له على الصفيح ويطالبونه بالظهور، ولكن ذلك يحدث عند الخسوف ودخول القمر في المحاق، ولعل الشاعر أراد أن ينعى على الشرقيين كلهم ـ موسعاً دائرة النقد الاجتماعي والثورة لتشمل الشرق كحضارة ووجهة بمقابل الغرب ـ ركونهم إلى الأحلام وهجران العمل، وكذلك تعاطيهم لعادات اجتماعية تنم في منظوره عن الكسل وعدم السعي لتحقيق ما يريدون، مكتفين بالحلم بالأشياء التي يفتقدونها في حياتهم، فمزج بين إشارات التخلف كمضغ التبغ بالفم والاستماع إلى الأغاني ذات الإيقاع البطيء والمتمثلة بالليالي، ولكن الصور التي اختارها الشاعر لإدانة التقاليد تمزج بين الحلم والكسل ومناجاة القمر واستدعاء الخرافة.

وأغلب الظن أن القصيدة عكست بهيجانها الصوري واللغوي وتوالي قوافيها المقيدة ـ الساكنة ما عاناه الشاعر من هيجان شعوري ونفسي حين رأى خلال عمله دبلوماسياً ما وصل إليه الغرب وقارن ذلك بحال أوطاننا؛ لذا جاء الخطاب الشعري الرافض للواقع استشراقياً يقابل الشرق بالغرب، ويدل على ذلك مخاطبته لقارئ أجنبي، كما يتضح من مفتتح القصيدة “عندما يولد في الشرق القمر..”. ومفتتح المقطع التالي “ببلادي..” والحديث عن الغناء وتكرار الليالي بقوله “ذلك الموت الذي ندعوه في الشرق (ليالي)”. ولا يخفى ما في النص من غضب ورفض عارمين جرفا في طريقهما كثيراً مما لم يكن يقصد الشاعر من المفردات المرفوضة كالحلم والزهر وملاقاة القمر كطقس ثقافي جمعي، ولكنه أراد تجسيم رفضه بهذه التداعيات التي جرته إليها وزنية القصيدة وبحرها ـ الرمل ـ بتفعيلته كثيرة الحركات والسكنات ما يضيع جواً نغمياً عالياً يعكس المزاج الشعري السائد في بدايات التجديد وتضخيم دور القافية كمحرق موسيقي خارجي، فضلاً عن بساطة المفردات وعاديتها المقصودة.

لكن ذلك لم بمنع حصول الدوي الذي أحدثته القصيدة رفضاً وقبولاً واستمرار حضورها في الذاكرة الشعرية زمناً طويلاً.

خبز وحشيش وقمر

عندما يولد في الشرق القمر..

فالسطوح البيض تغفو

تحت أكداس الزهرْ..

يترك الناس الحوانيت ويمضون زمر

لملاقاة القمرْ..

يحملون الخبزَ.. والحاكي.. إلى رأس الجبال

ومعدّات الخَدَرْ..

ويبيعون.. ويشرون.. خيال

وصُوَرْ..

ويموتون إذا عاش القمرْ..

ما الذي يفعله قرص ضياءْ؟

ببلادي..

ببلاد الأنبياءْ..

وبلاد البسطاءْ..

ماضغي التبغ وتجار الخدَرْ

ما الذي يفعله فينا القمرْ؟

فنضيع الكبرياءْ..

ونعيش نستجدي السماءْ..

......................

في بلادي حيث يبكي الأغبياءْ..

ويموتون بكاءْ..

كلّما طالعهم وجهُ الهلالْ..

ويزيدون بكاءْ..

كلّما حرّكهم عود ذليل.. و(ليالي)

ذلك الموتُ الذي ندعوه في الشرقِ

(ليالي).. وغناءْ

في بلادي..

في بلاد البسطاءْ..

حيث نجترّ التواشيحُ الطويلة..

ذلك السلّ الذي يفتك بالشرقِ..

التواشيح الطويلةْ..

شرقنا المجترّ.. تاريخا..

وأحلاماً كسولةْ..

وخرافاتٍ خوالي..

شرقنا الباحث عن كل بطولةْ..

في أبي زيد الهلالي..

* مقتطفات من القصيدة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
نزار قباني يواجه الخرافة بالسلاح الأبيض
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البيت الآرامي العراقي :: الثقافية , الادبية , التاريخية , الحضارية , والتراثية Cultural, literary, historical, cultural, & heritage :: منتدى النقد والدراسات والاصدارات Monetary Studies Forum& versions-
انتقل الى: