البيت الآرامي العراقي




البيت الآرامي العراقي

سياسي ِ ثقافي ِ أجتماعي


 
الرئيسيةالرئيسيةبحـثالتسجيلarakeyboardsyrkeyboardدخول

شاطر | 
 

 الشاعر المغربي أحمد بلحاج آية وارهام: الشعر جسد معرفي لا يقبل الأمراض

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Dr.Hannani Maya
المشرف العام
المشرف العام



الدولة : العراق
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 37598
مزاجي : أحب المنتدى
تاريخ التسجيل : 21/09/2009
الابراج : الجوزاء
التوقيت :

مُساهمةموضوع: الشاعر المغربي أحمد بلحاج آية وارهام: الشعر جسد معرفي لا يقبل الأمراض   الخميس 22 نوفمبر 2012, 1:47 am

الشاعر المغربي أحمد بلحاج آية وارهام: الشعر جسد معرفي لا يقبل الأمراض


– November 20, 2012





[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]



المفكر المغربي أحمد بلحاج آية وارهام لـ الزمان
الشعر جسد معرفي إنساني لا يقبل الأمراض
حاورته زهرة زيراوي
هناك قضايا اشكالية كثيرة تشغل المشهد الثقافي العربي الذي بات متداخلا مع المشهدين اسياسي والاجتماعي على نحو كبير وحاسم احيانا، في اطار التغييرات التي تعصف بالبلدان العربية. ارتأت الزمان ان توجه عددا من الأسئلة التي ترى فيها مفاتيح لابواب كبيرة تحتاج الى اغناء، على اكثر من صعيد. وقامت الاديبة المغربية زهرة زيراوي المقيمة في بروكسل بمتابعة هذا الحوار المفتوح مع عدد من الادباء والمبدعين والمثقفين العرب في اطار اربعة محاور هي الربيع العربي، وماذا يعنى هذا المسمى للمثقف، والمحور الاخر هو تجلي قوة الابداع في النص .
تقول زيراوي في هذا الصدد أليس ما يحدث اليوم بالعالم العربي ملتبس و غامض، و يحتاج إلى سنين لكي يتضح ما يجري اليوم على الخريطة العربية ؟.
وتابعت أو ليس ما عاشته الشعوب العربية في بلدانها كان من المنتظر أن ينتهي إلى ما ينتهي إليه من انتفاضات حتى و لو قادها شيطان ؟.من جانب آخر تطرح زيراوي اشكالية أخرى على بساط البحث فتقول ألم يهدم العالم الإلكتروني الوهمي و القنوات و المواقع، تلك العزلة التي فرضت علينا فأصبحنا نطلع على ما يحدث في أطراف الأرض، بل ونتواصل و نعقد الموائد على أجنحة الهواء للحوار و تبادل الرؤى ؟.
وتعرج الزهرة في اسئلتها حول الابداع الادبي فتتساءل مرة أخرى هل بالإمكان أن يتنبأ النص الإبداعي بما يحدث و يعرف ما وراء الأكمة ؟.
و هل المبدع و هو داخل شرط تاريخي معين بإمكانه أن يتنبأ بم سينتهي إليه الأمر ؟. كم مضى على هيروشيما لتصبح حمالة نص إبداعي و فني على سبيل المثال لا الحصر.
وتطّّرد زيراوي في أسئلتها يحيلنا سؤال الكتابة عن الراهن على ماريو بارغاس يوسا و هو يعود بالحالي إلى القرن التاسع عشر بأوربا إلى جذور النضال النقابي ضد البورجوازية من أجل حياة العمال، فنقف في روايته الفردوس على الناصية الأخرى أمام اليوتوبيات التي انتشرت في القرن التاسع عشر، إننا أمام حياتين متعارضتين، حياة افلورا و حفيدها غوغان ، حيث تسعى الحياتان معا إلى هدف مشترك لبناء مجتمع المساواة و هجر العالم البدائي الذي بدأ يطالعنا الآن، لبلوغ فردوس تكون فيه السعادة ممكنة لجميع بني البشر.
في هذه الحلقة من سلسلة الحوارات، كان الحوار مع
المفكر و الشاعر أحمد بلحاج آية وارهام.
هل تتفقون مع من يصفون اليوم الثورات التي تهز العالم العربي بالربيع العربي ؟
المصطلح له أصلٌ أوروبي، فهو يستحضر روابط بينه وبين ربيع الأوطان سنة 1848 م، و ربيع براغ سنة 1968 م، وربيع أوروبا الشرقية في أواخر الثمانينيات بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وانهيار جدار برلين، حيث بزغت الثورات الشعبية باسم الديموقراطية العلمانية، وسعت إلى الإطاحة بأنظمة مستبدة حكمت لعقود. وهكذا تغيرت ملامح الكثير من الأشياء في يوغوسلافيا، وبولندا، ورومانيا، وحتى في الشيلي. ووفقًا لهذا التذكير فإن الغرب لا يريد بوصف الربيع العربي إلا القول بأن هذه الثورات مماثلة بل مستنسخة للتجربة الأوروبية. والواقع أن هذا لم تثبت صحته في أي جانب من الجوانب، إذ كل ما قيل لا يعدو أن يكون تسويقا عالميا لمكونات مزيفة لم تترجم قط إلى واقع سياسي ديموقراطي سليم. فقد عزز استخدام هذا المصطلح بدلالاته الغربية وتطلعاته العلمانية المقترنة بالتركيز الإعلامي على الصفات الميثيولوجية تقريبا، وعلى تأثير الفايسبوك والتويتر، لصياغة صورة عالمية خاطئة، ونموذج مزيف للتماثل ما بين الشرق والغرب.
وليس أدل على هذا من كون الأنظمة الأمبريالية تدَّعي وتتظاهر بدعم الثورات العربية الراهنة، ولكنها في الباطن تعمل خلف الكواليس لإجهاضها وضربها، وذلك بإنهاء خدمات أنظمة مستبدة، انتفت الحاجة إليها، وإحلالِ أخرى مكانها تحمل أقنعة التغيير، لا جوهره الحقيقي.
ومقارنة بسيطة لِهَذَا الذي يسمَّى بالربيع العربي بربيع براغ ستوضح لنا الصورة، فثورات طلاب الجامعات سنة 1968م في فرنسا كانت حُمَّى وعي محيط Insider بإشكاليات واقعه، عمَّت المدن الغربية، وكان عرَّابُها الفيلسوف هربرت ماركوز 1898 م 1979 م ، صاحبُ النظرية النقدية التي تنفي المؤسسات الاجتماعية السياسية، ومؤلف كتاب الإنسان ذو البُعد الواحد الصادر سنة 1964 م، حيث كان ربيع براغ ثمرة من ثمارها؛ إذ في تلك السنة قرر دُوبْتْشِيكْ زعيم الحزب الشيوعي في تْشِيكُوسْلُوفَاكْيَا أن يغير النهج السياسي للبلاد جذريا، فاشترك ممثلو الأحزاب والحركات الأخرى في إدارة الدولة، وأُلغيت الرقابة، وأُطلِق مصطلح ربيع براغ على الشهور السبعة التي جرت فيها تلك التحولات. لكن قيادة الاتحاد السوفياتي آنذاك قابلتها بِرَد فعل سلبي وغزو عسكري. وقد فهم الرئيس الفرنسي شارل دوغل من أحداث 1968 م مغزاها، فقدّم استقالته من رئاسة الجمهورية سنة 1969 م.غير أن الحكام العرب لم يفهموا الرسالة من هذا الذي دُعي بالربيع العربي، فعَمُوا وصَمُّوا، وظلوا معاندين لتيارات التاريخ الجارفة، إمَّا بالمراوغة والمكابرة أو بالتواطؤات المشيئة، وإمَّا بالقوة العسكرية الماحقة إسوة بالنظام السوفياتي في براغ. وحتى لو سايرنا منطق القائلين بأن هذا الذي حدث هو ربيع عربي، فأين سنضع الانتهاكات الوحشية التي انصبت فيه على أرواح الناس وكرامتهم وإنسانيتهم ؟وأين سنضع تكميمَ الإعلام المعارض وتصفيتَه ؟. فالذين تولوا الحكم في الدول التي وقعت فيها هذه الثورات بادروا إلى تكبيل الأصوات الصارخة ضد ممارساتهم المشتعلة عُتوا وفسادًا. وهنا لا أمنع النفس من التنويه بالراحل دوغول، فقد كانت صحيفة لو كنار أنشينه le canard enchain تنتقده طيلة ممارسته الحكم، ومع ذلك لم يثبت عنه أبدًا أنه اشتكى منها، أو صادرها، أو جرها إلى القضاء، بل إنه كان ينزعج إذا فتحها في يوم ما ولم يجد فيها نقدا موجها إليه. هذا هو المعيار بين الحكم الديمقراطي المواكب لسيادة القانون، والحكم الاستبدادي المواكب لسيادة القوة والقداسة.
ن الثورات غايتها تحقيقُ الإصلاح والعدالة الاجتماعية، وضمانُ حقوق الإنسان وكرامته، وحدوثُ حالة من التوافق بين مكونات المجتمع، وكل هذه الغايات لا تنتج بين عشية وضحاها، وإنما بعد أعوام. فالثورات كفسائل النخل لا تُعطي التمر إلا بعد مدة طويلة، والوطن العربي لم تُرسمْ فيه بعد مثل هذه الأمور عن جَدٍّ، وكيف ستُرسَم ونحن نُلْفِي فيه بعد هذا الربيع المزعوم وقبله أثرياء ينفق الفرد الواحد منهم 16 مليونا في ليلة واحدة، وغالبية مواطنيه يعيشون بأقل من دولار واحد في اليوم أي ربيع، وأي تغيير هذا الذي يُراد لنا الحديث عنه؟
التاريخ الحق للربيع تكتبه دماء شهداء الحرية وشهداء الفكر، لا قراصنة الثورات. والموقف في بلاد الثورات العربية لم يصل إلى حدِّ الخطر على الدولة ككيان، وذلك لعدة أسباب ؛ منها أولا أن الحركة الشبابية فرضت مُسلَّماتها المتمثلة في الحرية والكرامة والديموقراطية والعدالة.
ثانيا أن بعض الحركات الإسلامية السياسية صارت تتخلى تدريجيا عن مُسلَّماتها السابقة. ثالثا أن الأحزاب السياسية أدركت تخلفها عما يعتمل في صدر المجتمع، وأن القوى الاجتماعية مستنفرة كلها، ومتفاعلة مع العلمية التغيرية، ولا يستطيع فريق أن يفرض سطوته. فالنضال مازال مستمرا في البلدان العربية إلى أن تترسخ الدولة المدنية، وتفرض مبادئها وممارساتها كدولة للحرية والمواطنة والعدالة. وإلى ذلك الحين فإن حالة المواطن المقهور في ظل هذه الفورات أشبهُ بحالة من يجلس تحت شجرة منتظرًا أن تسقط عليه ثمارها وبركاتها دون أن يهز جذعها، لكونه مشلول الإرادة، ولكون فضائه أشبه بقلعة كَافْكَا. وكلنا يعلم أن ثورات البشر هي التي تصنع عادة ثورات في المعرفة والحساسية، وبخاصة في الآداب والفنون. فانفصام الممارسة الإبداعية عن الفضاء السياسي الاجتماعي ما هو إلا نوعٌ من الهروب إلى الأمام، وطلبُُ للسلامة من سيف السلطة المستبدة. فالإنسان العربي عاش آلافَ الأعوام من أمطار القهر والحزن والتَّرَحِ، ألا يحق له اليوم أن يعيش سنوات من أمطار الحرية والفرح والكرامة ؟.
لم يترك استمرارُ الأزمات والنكوصات العربية وتناسخهما المستقبَلي للعقل فسحةَ أمل في العثور على مَخرج من هذه المعضلة الأعقدِ من ذنَبِ الضبّ.
هل ترون أن على الأديب أن يسجل عمله الشعري أو القصصي أو الروائي ذلك ليكون النص تاريخا للمرحلة ؟
كل عثراتنا السياسية والمعرفية والتقويمية تأتي من انصرافنا عن المنهجية العقلية التي بواسطتها يمكن تجاوز العوائق التي توقف مَدَّ الوعي العربي، وتزيح سجف القطيعة والجمود الرائنة على كثير من اتجاهاتنا الثقافية والفكرية والسياسية والجمالية. ومن هنا يصير اعتماد الحداثة العقلانية له مسوغاته الضرورية في هذه المرحلة التي أصبح فيها العقل والعقلانية يحتلان أكبر مساحة ممكنة من الوعي والإدراك الإنسانيين، وأصبح فيها كذلك سقف العقل مرتفعا إلى ما لانهاية له، بحيث صار ما كان مستحيلا وغير ممن مُمْكنًا.
وإنه لمن المفارقة الجارحة والمستبدة عندنا نحن العرب أن يكون ابن رشد الذي أذللناه وأهنَّاه وأحرقنا فكره هو الممهد للتنوير في أوروبا، في حين بقينا نحن ورثته في ظلمات، لا تنوير لدينا، لأننا مازلنا نُصر على غياب ابن رشد ونفيه من حياتنا، مستلذين كوننا ظاهرة صوتية انفعالية حسب توصيف المفكر السعودي عبد الله القصيمي لا إبلاغية لها ولا تأثير في الوجود الدولي.
ولا نرمي بهذا إلى بعث فلسفة سلفية، بقدر ما ندعو إلى تأسيس مفهوم للتـأويل، يتيح للمفكرين والمبدعين اتجاها للرؤية الفلسفية مفتوحا ومشرعًا، يتناسب مع معطيات المرحلة، ويتساوق مع الإمكانيات العقلية لاجتهادات المفكرين والمبدعين والمثقفين دون تكفير أو تحديد لمعنى وحيد وأحادي يحجب غيره من المعاني.
ليس الأمر الأولوي هو أن يسجل العمل الإبداعي غليانات المرحلة ليكون تاريخا لها، وإنما الأهم والأولَى أن يبرز مفهوما شاملا للعقل، يتضمن وظيفة جوهرية، تسكن عقل المتلقي، فيغدو عقلانيا في كل تصرفاته. والعقلاني كما يقول عادل ضاهر هو الذي يتحرر من المذهبية الضيقة، وينظر إلى معتقداته على أنها قابلة للمراجعة، والفحص، والمحاكمة، وحتى الدحض من حيث المبدأ ، ويتحرر كذلك من سطوة الإيديولوجيات وأوهامها. فهي ما دخلت قضية إلا وأعمتها، وأفرغتها من بُعدي العقل والروح، وذلك لأن همها ليس هو الحقيقة في تجلياتها الإنسانية والكونية، بل الهيمنة والتسلط، وإخماد جذوة المعارضة والممانعة.
فالواقعية في الإبداع ليست مجرد تقنية أدبية، بقدر ما هي وسيلة لقولِ الحقيقة المغيَّبة، وتقويضِ الأعراف المهترئة. ولذلك فهي ذات طبيعة تحررية بشكل عميق، وذات اختلاف مع مواضعات المجتمع القارة، ولم لا نقول إنها صوت الضمير الذي يدرك لعنة الجحيم التي ستحل به بسبب خرق العوائد المستبدة، ومع ذلك يمضي في غاياته. والمبدعون الأصلاء تتدفق دائما إبداعاتهم من هذا النبع، لأن هاجسهم الأساس هو وطن يتفتح بالحرية، وفي الحرية، وعلى الحرية، ويتقاطب مع القيم الكونية العليا. فهم يقرنون كل جراحاتهم وآلامهم ومحلوماتهم بالحرية كقيمة القيم ؛ إذ لا وطن يسمو ويسعد إلا بهذه القيمة، بل إنه لا كون منسجما إنسانيا إلا بها. ولأجل هذا كان انهمامهم بإبداع الحرية والتغيير، لا بإبداع التعبير. فكثير من الأنظمة الإستبدادية تسمح بالتعبير لأنها لا تخشاه مادام غير مقرون بالفعل. ومهمة المبدع هي إضاءة الوعي الجمعي لكي ينهض بالفعل، وبهذه الإضاءة يصير الإبداع معارضة بناءة، وجسدا فاعلا في الحياة. ولا يمكن لهذا أن يتحقق إلا إذا تخلى المبدع عن التطابق مع ثقافته، لأن كل تطابق انغلاق وعماء، ومن مميزات الثقافات أنها غير مطابقة لذاتها، وإلا فإنها ستقول أنا أو نحن . إن ثقافة الاختلاف مع الذات هي التي تحدد الهوية على أنها عبورPassage وانتقال أي أنها حركة تستوجب الجسور، حركة لا متناهية للجمع والتفريق، للابتعاد والتقريب والمرور، وهذا كله يتم داخل الكائن. فالذات في تباعدها عن نفسها تُبصر أكثر، وتعي أكثر، وترى الآخر لا على أنه ذلك الذي تفصله عنها الحواجز والجدران، وإنما هو أولا وقبل كل شيء بُعدٌ من أبعادها الأساسية. لم تعد مقولة الانكماش والانغلاق والانتظار مجدية، فما تحمله هذه الكلمات من دلالات قد انتهى نهائيا. فالفرد العربي اليوم يرفع شعلة أسئلة مصيرية، من قبيل لماذا الزمن ديموقراطي في الغرب، ومستبدٌّ في الشرق ؟هل لأن الشرقي له قابلية للاستبداد والاستلاب والاستعمار على حد تعبير المرحوم مالك بن نبي؟ أم لأن عقليته تأنَّق فيها الذل والخوف ؟ . أكيد أن ما يحدث الآن من تحولات كبرى في الخريطة العربية يتطلب رؤية مختلفة للآداب والفنون والفلسفات والنظريات السوسيولوجية والأنثروبولوجية، ويرتب على المشتغلين بالفكر النقدي والجمالي العودة إلى ربط الممارسات الإبداعية والفكرية بسياقها السياسي والاجتماعي، وعدم الفصل بين فضاء الإبداع والفضاء العام، لأن هذا مخالف لجوهر العلم والمعرفة، خصوصا المعرفة التي نتحصل عليها من الآداب والفنون والعلوم الإنسانية.
هل أن مهمة الشعر كما الرواية والقصة وسائر عناصر الإبداع هي السفر إلى المستمر وليس الراهن ؟
النص الإبداعي مسافر في الزمن على الدوام، ومسافر فيه كذلك من قبل متلقيه، ولا يمكن تصور نص شعري أو سردي لا ترد فيه إشارة ما إلى السفر صراحة أو ضمنا، وحتى إن لم يرد ذكر لرحلة ما، فإن هنالك سفرا يقوم به المتلقون من عالمهم الواقعي إلى عالم غريب ومختلف تنفتح أبوابُه بتزامن مع فتح النص. فرحلة القراءة تستدعي تكيفا مع عادات النص وطقوسه وشعائره، وكيمياء ذهنية تمزج الأزمنة الثلاثة الماضي، الحاضر، المستقبل في زمن واحد خاص هو زمن التأويل والتأَمْثُل، كما تستدعي أيضا مجهودا ذهنيا متحررًا من كل الحمولات الخارجية.
وعموما فإن القصيدة منذ نشأتها تكاد تكون دوما سفرا في الذات، وفي الوجود، وفي الزمن، فالشاعر فيها يبدو وكأنه يَنذُرُها إلى الديمومة، فهو يفارق أرض الذات المألوفة، وأرض الواقع الحابلة بالتناقضات، ويسير على غير هدى إلى ضوء يوميء إليه من البعيد الأبعد. فقدر القصيدة ومصيرها هو أن تنفصل عن صاحبها وزمنها، ومن العبث محاولة ثنيها عن السفر في متاهات الآتي. فما أن تُبدَع حتى تنطلق هائمة على وجهها بحثا عن متلقين مجهولين في بطن الزمن.
وبهذا تصبح الكتابة الإبداعية شمسا تُغنِّي حب العالم، وهي لا تكون كذلك إلا إذا استمرت في اجتراح أسئلة جديدة مقلقة ومستفزة لكل المفاهيم المحنَّطة والمقبرة للجمال. فليس في حياة البشر سنوات استثنائية غير تلك التي تتميّز بفائض الجمال، وبندرة القبح.
إن الأدب عامة، والشعر خاصة، هو الذي يشعرنا بأن الحياة هي ما نصنعه بأيدينا إلى جانب قدرتنا على النهوض مجدَّدا من المحن كالعنقاء، لنجعل الوجود جديرا بالحياة من جديد. فعن طريق اسئلته الظاهرة والمضمرة يضخ فينا روحا جديدة معافاة، ومن بين تلك الأسئلة التي يحثنا على الحرث فيها هذه ما مدى الإيمان بقدسية ضمير الفرد كمنبع النظام الاجتماعي والأخلاقي في هذه المرحلة ؟ وهل القيم المتعارف عليها كونيا تشتغل في هذا الاتجاه؟ أم أنها تنتخب أرضا دون أخرى تحت ضغط النظر الاستعلائي؟ . وهو بهذا الصنيع ينسج الوعي بمستوياته الأربعة الوطني والقومي والقارِّي والكوني.
وقد تكون الانتصارات والهزائم عوامل مؤجِّجة لإنتاج أدب جديد عظيم، يجعلنا نتمتع بعلاقة أصيلة بهذا الكون، ويساعدنا على إعمال البصيرة والتأمل، وتركِ التقليد. فالأدب يصنع الحياة، ويرفع سقف الجمال فيها إلى ما لانهاية له، ويخلق القيمة والأهمية والجدوى من العيش، كما أنه يمتص الانكسارات والانجراحات وخيبات الأمل. فهو الضوء الراعش بوردة الأمل في أزمنة اللاَّأَمَل، وكل من يضعه على الهامش يكون قد اجترح جريمة في حق نفسه، وفي حق الانسانية من السقوط في الهوات المشتعلة إلا إذا كان الثقافي ضوءَه ونبضه السليم، وليس الآني والمصلحي.
إننا أمام رائعتين لأبي تمام السيف أصدق أنباء من الكتب القصيدة التي سجلت فتح المعتصم لعمورية وقصيدة نقل فؤادك حيث شئت من الهوى . إنهما المعادل الرياضي النص التاريخ، ونص النوازع البشرية على الأرض. في أيهما باعتقادكم تتجلى قوة الشاعر ؟
ليس بمقدور الإنسان العادي الكشف عن تلوث الفضاء السياسي، وإنما الذي بمقدوره ذلك هو الأدب ؛ وفي طليعته الشعر ؛ باعتباره فضاء يشكل الحساسية النقدية العالية التي لا تهادن، ولا تتغاضى عن الانحرافات. ولذا كان السياسي دائما منزعجا وحذرًا من الشعراء، منذ طردهم أفلاطون من جمهوريته. إن الشعر هو الجسد المعرفي الإنساني الذي لا يقبل الأمراض، ولا الانحرافات، فهو يكشف، ويعرِّي ويفتح سبل السفر إلى المستمر الذي تتجدد فيه الأحلام بتجدد وعي الإنسان. أما السياسي فهو مجرد سجين الراهن، يدبِّره لغاياته ونزواته أكثر مما يدبره لغيره. وكل دعوة لغاياته ونزواته أكثر مما يدبره لغيره. وكل دعوة إلى تحييد الثقافي ؛ وضمنه الشعر ؛ وإشغالِه بما لا يمس السياسي من قريب أو بعيد، ما هي إلا مكر إيديولوجي يريد إلقاء مصائر الناس تحت أحذية السياسي، بدعوى أن هذه هي إرادة القدر التي لا يرفعها احتجاج. غير أن الوعي الكتابي لحسن الحظ مُدرك لهذا المكر، ولذلك نراه يتوجه بقوة للقطع مع التقاليد سياسية كانت أو أدبية، ويقوم بشطبها من أجل التوجهات الخاصة للذات الكاتبة، وللذات المجتمعية، ومن أجل أسئلته التي هي أسئلة الأرض، وأسئلة الإنسان الذي يُخضع الحلمَ إلى الفحص والتدقيق، لسبر أغواره، وكشف الحقائق المرْبكة الكامنة وراءه. والذائقة العربية مازالت تراهن وبقوة على الشعر كعامل فاعل، بل خارق، في بناء الوجدان، وإنقاذ الهوية الوطنية والقومية، بل وحتى الكونية. وهذا الرهان على الشعر كوسيط للتأمل في الوجود وتحدي القدر والانبعاث وتحرير الإنسان من أغلاله، هو رهان على المستقبل، وعلى الحياة الثرية. وفي هذا السياق تأتي رائعتا أبي تمام المشار إليهما، فهما تعودان بي إلى رائعتي تُومَاسْ سْتِيرْنْزْ إِلْيُوتْ الأرض الخراب في سنة 1922 التي يرمز فيها إلى الحضارة الغربية بصحراء قاحلة في حاجة ماسة إلى المطر الروحي، و أغنية حب ج للفريد بروفروك العام 1915، وتعودان بي كذلك إلى السياب في رائعته بورسعيد التي أبدعها إبان العدوان الثلاثي على مصر، وفي غزلياته التي تضمنها شباك وفيقة . فَدَمُ الشعر يصرخ في الانهزامات، ويرقص في الانتصارات، ولا يمكن أن يفقد قوته إلا إذا فقد الشاعر صدقه الفني والإنساني .
جل الشعراء الذين صدقوا واقعهم ونوازعهم البشرية كانت أشعارهم مَجلًى لقوة الشاعرية وروعة الجمالية، ونستحضر هنا أمل دنقل، ولوركا، وناظم حكمت، ونيرودا، والسياب، والبياتي، وعبد الصبور، وعبد الله البردوني صاحب البيت المشهور
فَظِيعُ أَمْرُ مَايَجْرِي وَأَفْظَعُ مِنْهُ أَنْ تَدْرِي
والجواهري مبدع رائعته تنويمة الجياع التي يقول فيها
نَامِي جِيَاعَ اٌلشًّعْبِ نَامِي حَرَسَتْكِ آلِهَةُ اٌلطَّعَامِ
نَامِي فَإِنْ لَمْ تَشْبَعِــــــــي مِنْ يَقْظَةٍ فَمِنَ اٌلْمَنَامِ
نَامِي عَلَى زَبَدِ اٌلْوُعُــــــو دِ يُدَافُ فِي عَسَلِ اٌلْكَلاَمِ
ورائعة جرِّبيني ، ونزار قباني في هوامش على دفتر النكسة وفي معظم غزلياته، ومحمد سليمان الأحمد الملقب ببدوي الجبل 1900 م 1981 م في رائعته من وحي الهزيمة التي قالها بعد هزيمة حزيران 1967 م فنالته بسببها المصائب والويلات، حيث اختطف، وعُذِّب، وجُلِدَ حتى فقد الوعي، ثم ألقي على رصيف أحد شوارع دمشق بين الحياة والموت، ولم تشفع له مكانته الشعرية العالية كأحد أعلام الشعر العربي في القرن العشرين الذين من بينهم الأخطل الصغير وأبو ريشة والجواهري، و البردوني، ولا قامتُه الثقافية والسياسية والوطنية المرموقة. هكذا يكون الشعر وجهَ الحياة الأسطعَ في مظهرانيتها وجوانيتها، وفي صيرورتها وسيرورتها، يحمل من التاريخ ضوءه، ومن الكائن عطر أعماقه، ويسيلُ في الآتي كماءٍ قدُسي ساحر.
AZP09


روابط ذات صلة:



67

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الشاعر المغربي أحمد بلحاج آية وارهام: الشعر جسد معرفي لا يقبل الأمراض
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البيت الآرامي العراقي :: الثقافية , الادبية , التاريخية , الحضارية , والتراثية Cultural, literary, historical, cultural, & heritage :: منتدى الشعر والادب بالعربية المنقول Forum poetry & literature with movable Arabic-
انتقل الى: