البيت الآرامي العراقي




البيت الآرامي العراقي

سياسي ِ ثقافي ِ أجتماعي


 
الرئيسيةالرئيسيةبحـثالتسجيلarakeyboardsyrkeyboardدخول

شاطر | 
 

 حصون تدافع عن خير الأرض من السماوة حتى الشام

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Dr.Hannani Maya
المشرف العام
المشرف العام



الدولة : العراق
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 37598
مزاجي : أحب المنتدى
تاريخ التسجيل : 21/09/2009
الابراج : الجوزاء
التوقيت :

مُساهمةموضوع: حصون تدافع عن خير الأرض من السماوة حتى الشام   الأربعاء 19 ديسمبر 2012, 8:36 pm

حصون تدافع عن خير الأرض من السماوة حتى الشام


– December 19, 2012





[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]



الرحاب ماء العيون ونار القصور
حصون تدافع عن خير الأرض من السماوة حتى الشام
حامد فاضل
بأغلفةٍ كلحف الشتاء، أدثر ما دونّ في القراطيس عن بلاد القصور، وأرفع تلك القراطيس كي تنام في أعالي الرفوف، فقصور الرحاب، لا تصفها القراطيس، مثلما تصفها الرياح التي تعول بين أطلالها، وحكايات تلك القصور، لا تجيد القراطيس عنها الحكي.. أأبدأ من نقرة السلمان سرة البادية حيث قصر السموأل ؟ فالحكاية تستدعي حكاءها، وحكاءها قال لي العارفون تجده هناك بأرض القصور، أشد الرحال، ابحث عن وجهه في مرايا الرمال، وقالوا هناك.. بعيداً هناك إذا ما أناخت الشمس ناقتها، واستراحت وراء التلال، سينهض من أفق ذاك المساء، وريث حكايا الرحاب، يجيء على فرس بلقاء كالفجر، تخطر فوق سجادة الرمل، يحمل وقع حوافرها نسيم الشمال، فتسمعه كائنات البراري، تكاد كوفيته أن تطير من على رأسه، ويمنعها أن تطير ثقل العقال، يحلق من فوقه قمر بين ثلة من نجوم السماء، كقائد سرب طيور تهاجر في الليل نحو أوطانها، يُسْفَحُ النور قدامه، وتُطوى له الأرض طياً، فيأتي إلى حيث تسبح في العيون النجوم، وتبرق في الليل كالشهب نار القصور، ليفرش للسامرين عباءته تحت جنح النسيم ، ويحكي لهم عن بلاد من الرمل، والنار، والماء، كالسيف تشطر أرض السواد، فتقسمها بين أهل المدر، وأهل الحضر، بلاد تسمى بلاد العيون، ونار القصور.. عندما يعتلي قمر السامرين عارجاً في سماء تتزاحم فيها النجوم، أسال نفسي لماذا النجوم التي في سماء الصحارى أكثر من نجوم سماء المدن ؟ هاتف قال لي إذا كنت في البادية، ورأيت السماء في الليل فوقك مفروشة بالنجوم، والأرض تحتك مسفوحة كالمرايا، فصدق بأنك قد نزلت الرحاب، فعرّج على خيمة ذلك الرحبي المهدد بالانقراض، ذلك البدوي المسن الذي فضض الزمان جدائله، واستباح مثلث لحيته، وداهمه بسيل الحوادث حتى تغضن منه الجبين.. فرحت أبحث عن خيمة نُصبت في خيال الرواة، كلما آنست مروية، هوت مخيلتي إليها، لعليّ أحصل على قبس من حكاية.. أنقص منها، أو أزيد عليها، ما بين فنجان قهوة ٍ، ولفافة تبغ ٍ، وقصيدة شعر، وشدو ربابة.. أدخل في طقوس مرايا الرحاب، أوهيء غزلي، أعد سداة الحكاية، أمد جسور المودة بين مخيلتي، ومخيلة البادية، فتكشف لي بالبصيرة مكنون أسرارها، فأدلي بدلوي في بئرها، وحين تلوح على البعد نار، تقود الرمال إليها خطاي، أعلل نفسي قد تكون واحدة من رسائل تلك القصور التي ما تزال تغمس أقدامها في رمال الرحاب، من قبل أن يولد خاتم الأنبياء، أو يُكلف بحمل رسالة الله للناس في البادية، أحث الخطى نحو نار القصور، التي آنَسَتْ أبن بطوطة في ليلة من ليالي القرن الثامن الهجري. أسير كأني أطير إليها لألحق قافلة زوارها الأولين.
تشابه القصور
القصور توائم، كل قصر يشبه أخيه » في تهرؤ جلد أسواره » في انحناء ظهور أقواسه » في بياض لحى الزوايا المكتظة بالعناكب » في شعر العاقول الناشب جذوره في صدره وعلى أطرافه » في لثام الغبار المُلَثِم لشبابيكه وأبوابه » في تداول الأيام المفرحات المبكيات الناكئات لجراحه » في أكف الزمان العاصرات المضيقات الخانقات لصوته » في أظفار السنين المخدشات الجارحات الممزقات لثيابه » في نوائب الدهر المغضنات لجبينه » في تدلي الخفافيش من بقايا السقوف » في حفنات القش التي نثرتها الرياح في رحبته » في غضون الحيطان» في شروخ مرايا الزمان » في سجاجيد ذروق اليمام » في حفر اليرابيع » في شقوق السحالي » في جحور الأفاعي » في ثقوب العقارب » في صخب الصمت المتلفع عباءة الدهر » في وصف ما يعجز الوصف عن وصفه » أتساءل إذا ما تسنى للواصفين الدخول إلى بقايا القصور، وجس جذور الدهور، أيحتار واحدهم مثل ما أنا فيه الآن من حيرة. ؟ كيف يأتي اليَّ التردد. ؟ من أين يأتي، ؟ وأنا عاشق بادية السماوة حتى آخر ذرة رمل. ؟ أأدخل.؟ فأبوابها مفتوحة لمن هم على شاكلتي من الزائرين .. أتمهل كي لا تفاجئني كائنات صحرائيَّ. ؟ وهي التي تسكن فيَّ، وتستوطن مخياليَّ، وتركن صناديق أحداثها في خيمة الذاكرة.. ها هي القصور تنضو غلالة تأريخها، تكشف لي عن مفاتنها، فيصعد الدم نحو قمة رأسي، أخلع ثوب التردد، ألقي بنفسي نحو أحضانها، أدس اليراع في بؤرة تأريخها، أدفن رأسي في صدرها، وأشهق فأزرع بذرة مرآيّ في رحمها أظن أني الوحيد الذي على سرير المرائي ضاجَعَتْ مخيلتي قصور الرحاب .. تُسْقِطُ الحجرات سراويل أقفال أبوابها، وتُنضو النوافذ ما خلع الدهر من غلالاته فوق ضلفاتها.. تُنار مشاعل الزيت، أدخل حجرات الملوك، أرى ظلالهم في العروش التي ما تزال أخشابها ولائم للأرضَة، أولج رأسي في المخادع، أجس تراب السُرِر، تداهم مخيلتي » دنان الخمر » فاكهة الأجساد » شقائق الشفاه » شمام النهود » تفاح الخدود » بطيخ الأرداف » قيمر الأعناق » نعومة الأجياد » موز الرجال » أشم» رائحة الزعفران » البخور » الحرمل » الصندل » أستاف عطور النساء » عَرَقَ الأفخاذ » نثيث الآباط » نزيز الخصور » إنثيال الشعور » بلل الغلالات » الثياب » الشراشف » وأرى انبعاج السُرْات » تلاحم الأجساد » انطباق الصدور » انهصار الخصور » الأكف المخضبة بالحناء وهي تجوس خلال ديار النساء » أتخيل الوالجين غابات الزعفران » الحارثين حقول المحضيات أسفل السُرَرْ » الهاصرين الأجساد بقوة العناق » ثم أرى ارتجاف الخزامات » أرجحة القلادات » أسمع أجراس الأقراط » رنين الخلاخل » احتكاك البطون » الهمس » الضحك » الحفيف » الصرير » التأوه » التنهد » الارتخاء » ثم الشخير ».. أتجول في الأروقة، أتلصص من كل باب موارب، ربما تحاك مؤامرة لاغتيال أحد الأمراء، ربما خلف ذلك الباب يكمن عاشق في انتظار واحدة من جواري القصور.. أتلبث وقدامي الحجرات، هذه حجرة الحرس الملكي، ليس فيها سوى كوتين عاريتين، واحدة باتجاه الشمال، والتي تناظرها باتجاه الجنوب، تجاورها حجرة مخزن الأسلحة، مشاجب السيوف » العربية » الهندية »الفارسية » حافظات الرماح الطوال، صناديق الخناجر اليمانية، جعب السهام، مسامير تعليق الأقواس، دكات الدروع والأغمدة » الجلدية »العاجية » المطعمة بالذهب » الفضة » الأحجار الكريمة » حجرة لخزن المؤن، والتي تلاصقها لخزن الخمور، وتلك البعيدة قرب مربط الخيل ربما للخدم، والتي تحتها طامورة السجن، أما البعيدة من غرف القصر فدار الضيوف.. على وجل أواصل عَدّ الحجر، أدخلها أفتشها واحدة واحدة، والكوى تراقبني كالعيون.. أتخيل أنيًّ أتسلق أسوار قصر صاعداً إلى حيث توقد النار على سطحه، سأبوح بسر صغير، فأسرار صحرائي لا يمكن البوح فيها، كلما كنت سارياً على رملها بليل أنا والقمر، كلما كنت ضاربا بين يدي شمسها بالنهار، أوسائل نفسي تُرى على أيما أثر قد محته الرياح أدوس ؟.. ربما ذات ليل طويل أرق صاحب القصر، فصعد إلى سطح قصره ليقف حيث أقف تحت عيون السماء ــ ضَجِراً ــ عجباً أيضجر من يملك قصراً كهذا ــ عاشقاً ــ ربما قد رأت عينه غزالة تمرح في البادية ففكر أن يضمها إلى قطيع غزلانه الفاتنات، أم تراه يفكر في غزوة عقد العزم أن يقوم بها في الصباح ليس من حقي أن أتدخل فيما يفكر فيه الأمير.. سأمضي إلى موقد النار فليس عصياً عليّ إيجادها، وما أن تمد ألسنتها لتلحس ما ألقمها من حطب حتى أراه هناك في ركنه يجلس منتظراً مَقْدَمَ من جاء عابراً كل تلك القرون، سيقول سحرته حكايا الرحاب، فجاء بعين مخياله يبحث في أرضها عن جواب.. يرقص وجهه قدام عينيّ في مرايا اللهب، وعمامة شهباء في انعكاس اللظى حطت على رأسه وارتخت، خداه يأتزران لحيته الكثيفة، وعباءة بدوية نزلت على كتفيه، بحزامه يتشبث الخنجر المعقوف، والسيف يلتحف الغمد، متوسداً فخذيه يغفو آمناً في حجره، وأنا على وجل أدنو، وهو يروزني، عيناه في عينيّ، عينا صقر في عينيّ حبارى، وانزاح عن فمه لثام شواربه أجئت تسأل عن أول قافلة نزلت بغرب الفرات ؟ أتبحث عن نفيلة 1 أول شيخ ثبت فوق أرض الرحاب أوتاد بيت شَعْرٍ مسوبع 2 ؟ فتنافس » المكرون 3 »المثولث » المروبع » المخومس » المسودس » للقرب من سكناه، ولأن الإقامة في موضع تكون انتسابا ً إليه، فلا غَضّ طرفا ً إذا قيل من آل رحبة، وموطنه ذات رحبان، كشأن بادية السماوة في التسميات، فأرض الغدير يقال لها ذات غدران، وأرض الظهرة 4 ذات ظهران.. أضرم النار آمرا ًعبده بنحر الشياه، ثم دس الدلال بجمر الغضا، فعطر بالهيل جنح النسيم، وجاءت إليه جموع الرجال، تقهوت، وُطُسَ السبيل
ودار عليها كيس التتن
فصار الفريج أساس الوطن
وصار الرجال أصل القبيلة
ومن القبيلة جاء الشعب
ومن الشعب جاء الأمير
ونما الأمير فصار الملك
وللملك عرش
وللعرش قصر
وللقصر سارية من لهب
توقد حين تُداهَمُ أسواره بالخيول
وحين تبصر راية النار باقي القصور
يشعل كل قصر على سطحه ناره
من رسائل النار
يعرف أهل تلك القصور
إن ثمة خطر قادم
يخبر عنه بريد اللهب
ارض الطفوف
فكانت قصور الرحاب التي توشم أرض الطفوف حصوناً تدافع عن خير أرض الرحاب، في زمن جاد بالزرع والضرع، حيث تمتد تلك القصور من بادية السماوة إلى بلاد الشام تجري من تحتها ومن بين يديها العيون الفوارة الفائضة بالماء القراح، المسورة بالحياض المكلسة، والسواقي المكسوة بالزفت والشعر كي لا يتسرب الماء منها، انه نظام ري البادية، ومهندسه هو أبن آدم الذي نزل تلك الأرضين في حوض الفرات، أو الطفوف، أو الرحاب، أو ما يجاور بحر النجف، واطئاً تلك الدروب بحوافر الخيل العراب، واشماً تلك الرمال بخفوف ابل وضحة فكأنها غرر النهار، متنقلاً بين العيون، مشيداً هذي القصور أفأنت من أحفاده ؟ ربما كان جدك أميراً، أو قائداً للجند، أو آمراً للحرس، ربماً خادماً أو سجيناً، أو راعي إبل، ربما كاتباً يدبج تلك الرقاع التي ما تزال مطمورة تحت هذي الرمال بِسِيَرِ الأولين وأشعارهم، أو هو الخازن الذي بيده مفاتيح خزائن صاحب القصر. ربما شاعراً يرتجز إذا ما التقت جموع الرجال في الحرب، فيزداد نزف الدماء، أو حكيماً يصمت السيف إذا ما نطق. أو طبيباً يحجم للرجال ويجس النساء، ربما » كاهناً » عرافاً » نديماً » نخاساً » ربما كان مثلي حارس نار القصور.. أتدري بأنك ترتقي الآن تل القصير، وانك تنزل في قلعته، هلّم معي يا أبن هذا الزمان كي ترى صرح أبن ذاك الزمان، سار قداميّ، لم يكن سائراً، كان ما بين أقدامه والرمال فراغ كبير، خلته قد تعلق من قبة البادية، مدّ أسبابه وتدلى كشعاع الصباح حين يفلق أفق الغبش، كم رأت عَيِْنايّ في الصحراء » قوافين » عرافين » أدلاء » قادوا خطاي في سِفْرِ المرائي، غير أن الذي يمسك زمام مخيالي الآن ليس له من شبيه.. أسير، أوسع خطوي، أركض خلفه كأني أطير، صار لي مثله جناحان فلم تعد قدماي تحطان فوق الرمال، فأدركت أنني أحلق فوق قصر القصير، ومن شاهق أرى القلعة التي مَرّ بها الرحالة البرتغالي بيدرو تيكسيرا قلعة مربعة الشكل من الطين والطابوق مبنية، تجثم فوق هضبة تطل على وادي القصير العميق، الذي كان في سنين خلت واحداً من أعظم مجاري الأنهار في العصر البرمي قبل أن يقوض بحر تثس Tethys خيمته، يتلفع عباءته، يرفع ذراعيه، ويغادر مودعا تلك الأرضين الممتدة جنوب غرب وادي الرافدين ليتركها مستباحة لغزو الرمال، وأبصر ثمانية أبراج كبيرة فارعة، تشرع هاماتها إلى أكثر من ثمانية أمتار نحو سماء الرحاب، تحيط بالقلعة من آفاقها الأربعة، كل برجين من أفق » شمالاً » جنوباً » شرقاً »غرباً » حيث تنتصب بوابتين.. أخمن أن التي إلى جهة الشرق من كبرها وسعة فسحتها هي بوابة قصر القصير الرئيسة، إليها تجيء القوافل ومنها يدخل البدو والأعراب وكل من له حاجة والعابرين السبيل، وخمنت أن تلك التي تطل على الغرب من صغرها وضيق فسحتها إنما خصصت لذوي الشأن والأقربين، ترتدي القلعة اليوم ثياب التراب التي خاطها الدهر من قماش العواصف، وطرزها الغيث بالعشب، وتشقق الزنار الذي حاكه أسلاف أرض الرحاب من الطين والطابوق المربع وبطول 32سم للطابوقة وسمك 7سم، وجعلوا عرضه 5 ,3 متراً ليسورها فتزداد بهذا الزنار » بهاءً » قوة » منعة » لقد ردَّ عنها سورها أيام مجد الرحاب خيل أعدائها، ولكنه اليوم يعجز عن صد زحف جيوش الرمال، فلم يعد للمياه وجود بوادي القصير، فالقصر ينأى بمسافة 30كم إلى الجنوب الغربي من عين حمود.. يا حفظة كتاب الصحراء، أيها الحكاؤون الرحبيون، يا حادون قوافل الحكايات في ليالي القر والحر، أيكم أفضل في قص أثر القصير، الذي خلدته بادية السماوة في أكثر من موقع، فمصادر التاريخ تطلق اسم القصير على مستوطنة في أعالي بادية السماوة شرق دمشق، أنأخذ بقول المقريزي وهو يصف لنا رحلة السلطان طوران شاه التي بدأها في نهاية عام 1249م في صحراء السماوة منطلقاً من عانه ليصل إلى مستوطنة القصير شرق دمشق، أم إن مستوطنة القصير هي هذه التي تحكون عنها في الرحاب، تصفونها كقلادة تزين جيد صحراء السماوة، وقلعتها الأثرية أو قصرها بوادي القصير قبالة صحراء الخضر، وغير بعيدة عن تل اللحم الواقع إلى جنوب شرقي أور الذي هو من مخلفات مدينة كيسيكا السومرية، والى الجنوب الغربي بمسافة 70كم من بصية، وهي التي كانت سكناً لمستوطنين في العصر الحجري.. أم أنه الإله القصير الذي تعبد له أقوام بادية السماوة، فكُتب التراث » كتاج العروس » الأصنام » الأغاني » اللسان » البلدان » تؤكد أن القيصر كان صنماً لقبائل » قضاعة » جذام » عاملة » غطفان » وقد ذكر اسمه في شعر زهير بن أبي سلمى والربيع بن ضبع والفزاري والشنفرى حيث كانوا يحجون إليه، يحلقون رؤوسهم عنده ويلقون مع الشعر قرة من دقيق، فالهوازنيون ــ على ذمة أبن الكلبي ــ إذا أدركوا موسم حج الأقيصر قالوا لمن يُلقي قرته أعطنا فانا من هوازن، فان فاتهم موسم الحج، أخذوا ذلك الشعر بما فيه من القمل والدقيق ليخبزوه ويأكلوه، وقد عُيرَتْ هوازن في ذلك.. ولما كانت قلعة القصير أو قصرها ــ على رأي علي الحميدي باحث بادية السماوة ــ قريبة من مركز الحضارة السومرية فمن المرجح أن مستوطني وادي القصير منذ العصور الغابرة عبدوا لهذا الإله القيصر ولعل أصل اسم القيصر انتقل من رحاب صحراء السماوة إلى مناطق أخرى أسوة بانتقال عبادة هذا الإله الذي سمي بالقيصر، أو القصير، أو الكصير كما يسميه واصفوا قصور الرحاب .. ولأن سعدون باشا ابن منصور باشا أمير المنتفك أدمن الترحال بسبب عدائه المزمن للأتراك، فقد كان ذئب البادية الذي يقطعها من الطول إلى الطول، في رحلة الشتاء والصيف، متنقلاً بين حصنين، هما مؤلا » خيله »إبله »رجاله » الأول قصر الشقراء الذي بناه عمه ناصر الأشقر ، حيث اتخذه مقراً شتوياً يخطط فيه لحروبه التي كان يشنها في الصحراء، وينطلق منه لغزواته، والثاني مقيضه الواسع وسكن زوجاته الذي يؤب إليه في الصيف، وهو قصر كبير مبني من اللبن ما تزال إطلاله تتشح بوشاح شمس صحراء السماوة حين تطل بغرتها كل صباح على الضفة اليمنى لسيل وادي أبي غار.. على كل متكئ في بقايا دار الضيافة في قصر الشقراء، أتخيل سعدون باشا محاطاً بثلة من رجاله الخُلْصْ يخطط لثورته على العثمانيين، أو يعد العدة لملاقاة مبارك الصباح في معركة الطوال الشهيرة في الصحراء.. وعلى كل متكئ في دار ضيافة قصر أبي غار أتخيل جيرالد أفلين لجمن جالسا على البسط الجنوبية ينعم بضيافة العربي سعدون باشا وأمامه صواني المُفَطَحْ والرز العنبر، أو أراه يحتسي فنجان قهوة سعدون باشا الذي وصفه في مذكراته الشيخ اللطيف و الإنسان المجامل والمحارب العظيم والعدو الشديد للأتراك الذي هزمهم في عدة مناسبات .. لنحث الخطى نحو دكة الهيس فهي ــ كما يقول البدوي ــ على مرمى عصا من فرات الرماحية المندرس.. قلعة مشهورة في أعالي السماوة، تجثم كالظهرة على أرض دياحيم لتطل على جزيرة أم العكف المحشورة بين نهر العطشان ونهر أبو كفوف .. ما بين نون نهاية القرن السادس عشر، وباء بداية القرن السابع عشر، أقترن أسم القلعة باسم مهنا بن علي الهيس أمير قبيلة الخزاعل، وهو أول أمير من أمراء الخزاعل دش أسمه مدونة التأريخ، والهيس اسم قديم، قدم الذاكرة الشعبية، فهو في مخيلة الحكائين » لقباً للأمير » اسما لقصره » سكناً لعياله » رمزاً لقبيلته » مكاناً لقلعته » مقراً لحكمه » عنواناً لسطوته » مركزاً لنفوذه » طولاً لذراعه » الممتد من هيت حتى العرجة على مشارف الناصرية، وما الحكايات الشعبية التي تحيكها أنوال مخيلات المعمرين على غرار قصص الإخباريين العرب عن الحصون والقلاع والقصور القديمة، وذلك الغموض الذي غالبا ما يلقي ببردته على أكتاف تلك الحكايات، ويكسوها بثياب المخيال المتشابكة في ألوان الأحداث والأماكن والأزمنة، إلا لتزين قلعة الهيس وقصرها وأميرها لتخرج على السامرين من محراب الرحاب وهي ترفل» بالتشويق» المبالغة » الإثارة » الإبهار.
قصر الهيس
أتودون سماع حكاية من حكايات قصر الهيس التي يفاخر بها المسنون ؟ إن ذلك يتطلب المكوث في ديار قبيلة آل زياد والنزول بضيافة شيخ المسنين، وأكبر المعمرين، من فرقة آل أديم خازن أساطير الأولين، سليل رواة الرحاب الذي تتناسل في ذاكرته ألف حكاية وحكاية.. عندما يعتلي قمر الصحراء صهوة الليل، وكأي أمير يسير بها خبباً بين حشد النجوم المزينات لقبة السماء المحنية فوق بيوت الشعر المضاءة بالفوانيس، نسمع نحن قراء كتاب الصحراء، عشاق حكايات الصحراء، صوت حوافر فرس القمر، كحيلة الليل وهي تطرق أبواب الحكائين الصحراويين، يترجل القمر، يفرش بردته على الرمل قبالتنا، عندها يفتح ذلك الحكاء الزيادي المعمر خزائن ذاكرته، ينثر بضاعة القرون في نصاعة القمر، فينهض الكهوجي يدس النجر في دفء حضن الكانون، يزنره بالدلال، فتفوح رائحة القهوة، ويدور كيس التبغ بين الجالسين على الغلايج، والمتكئين إلى الوسائد.. وبعد فنجان، وفنجان، وفنجان، يسعل رجل الأساطير معلناً بداية الحكاية، فتصمت كائنات الليل كافة » لا كلام » لا رغاء » لا ثغاء » لا نباح » لا عواء » لا صفير » لا فحيح » حتى لسان النار يخبو أمام بريق ما سيقصه شيخ الرواة، الكل يصغي لصوت يبقر الأزمان، يُنطق آثار ما تبقى من عاديات مبان شيدها الجن بأمر الملك سليمان، تستهل الحكاية بِسِرِ الهيس ، ذلك الحبل السري الذي يربط سرة القلعة برحم الفرات، أمير القصر وحده يعلم سِرِ القناة، لأن من حفرها مات مجهولاً، أو ربما قام الأمير بقتله ــ كما فعل المنذر بسنمار ـــ وحكاء ليل الرحاب يجهل أسم مهندس تلك القناة، كما يجهل أسم الأمير الذي قد يكون سامياً أو سومرياً أو أميراً مجهولاً ولد من رحم مخيلة البادية، فتبنته ذاكرة الرواة، وخلعت عليه الصحراء ثياب أساطيرها.. جاء بقافلة القرون الغابرات، وحل في أرض الرحاب فشيد قصراً وأسس ملكاً وصار أميراً لهذي الديار، وأراد لتلك القناة التي تربط قصره بماء الفرات أن تظل مخفية عن عيون الرعية، يُعتمد عليها عند الحصار في حالة حرب، ولكن قافلة الغيب تَحْدوا بأقدارها على نهجها، لا على نهج ما يريد الأمير .. تتملكني رغبة لمعرفة ما يخبؤه الغيب لذاك الأمير، تداهمني مداهمة الردم لوديان بادية السماوة، أرى رغبتي في عيون الذين يجلسون معي في خيمة ذلك الحكواتي الكبير الذي لم يكن يهمه غير إتقان صنع لفافته، بكل هدوء أستل ورقة من دفتر اللف وتناول قليلاً من التتن ليفرشه في حضن الورقة الرقيقة ثم قرض حافتها بلثته، وبعد أن بللها بلسانه ووضع طرفها المدبب في فمه، أخرج الزناد النفطي وأشعل طرفها المكتنز، وراح يمتصها بشغف، فتنهدنا حين قال ذات فجر غبش راعى قطيع الأمير ــ هو الآخر يجهل الراوي اسمه أو لمن ينتسب ــ كعادته يقود شياه سيد القصر إلى خارج القلعة ليتركها تسرح فوق تلك السجاجيد الخضر التي تفرشها على أرض تلك الجزيرة الغافية في حضن الفراتين أيدي الربيع، يقطع الوقت بالعزف على المطبك حتى إذا جف بلعومه من النفخ قام ليبلله من أقرب جرف إليه، فجأة يسقط المطبك من يده وتغيبه مياه نهر الفرات بطرفة عين.. حين تنزل الشمس من قبة الصحراء على مهل نحو أفق الغروب، ويعود الراعي إلى قلعة سيده، تبصر الشمس وهي ترتدي ثوب نومها دهشتة، جحوظ عينيه، وتراه يقاوم احتباس صوته كأنما التف عربيد حول رقبته، تتثاءب والراعي أسفل مطرحها فاغرا فاه غير مصدق ما تراه عيناه طافياً في مياه بركة القصر، بعينين نصف مغمضتين تراقبه الشمس وهو يستعيد هدوءه بعد أن تأكد مما رأى.. وقبل أن تداهمها طيور الوسن، رأته يترجل عن دابته، ينحني على مياه بركة القصر، يلتقط شيئاً، أجبرت نفسها لتتأكد من أنه المطبك الذي ابتلعه النهر حين كانت هي في غرة النهار تبصر ما تحتها بكل وضوح صار من الممكن الآن أن تتوقعوا نهاية الحكاية.. لاحظ خشيتنا من أن يتورط بصنع لفافة ثانية، فاستمر بسرد حكايته، حين غزا القوم غاز، تحصنوا كعادتهم خلف أسوار قلعتهم، غافلين عما يخبؤه الراعي الذي أفشى سر قناة الأمير لأعدائه، فتفاجأ أهل القصر إذ انقطع الماء عن بركة قصرهم وكادوا يموتون عطشا، ولحبهم لأميرهم وحرصهم على حياته تلفعت ثلة منهم عباءة الليل وقامت باقتحام خيام العدو وتلهيته، فتسنى للأمير التسربل بسواد الليل والخروج من القصر هو وحاشيته.
AZP09


روابط ذات صلة:



3767

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
حصون تدافع عن خير الأرض من السماوة حتى الشام
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البيت الآرامي العراقي :: الاخبار العامة والسياسية General and political news :: منتدى المنبر السياسي والحوار الهادئ والنقاش الجاد الحر Political platform & forum for dialogue & discussion-
انتقل الى: