البيت الآرامي العراقي




البيت الآرامي العراقي

سياسي ِ ثقافي ِ أجتماعي


 
الرئيسيةالرئيسيةبحـثالتسجيلarakeyboardsyrkeyboardدخول

شاطر | 
 

 دور النماذج في حياة الانسان : القس لوسيان جميل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Dr.Hannani Maya
المشرف العام
المشرف العام



الدولة : العراق
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 37598
مزاجي : أحب المنتدى
تاريخ التسجيل : 21/09/2009
الابراج : الجوزاء
التوقيت :

مُساهمةموضوع: دور النماذج في حياة الانسان : القس لوسيان جميل   الجمعة 11 يناير 2013, 9:47 pm


دور النماذج في حياة الانسان



القس لوسيان جميل


اعزائي القراء! قبل البدء بالكلام عن النماذج أود، وبمناسبة حلول الذكرى السادسة لاستشهاد رئيس العراق الشرعي، الشهيد صدام حسين، على يد الطغمة النازية الأمريكية المجرمة وأعوانها الجبناء، فاقدي الحس الوطني والأخلاق الانسانية الرفيعة، ان اقدم هذا المقال كهدية رمزية متواضعة الى روح الشهيد الطاهرة والى أرواح رفاقه الشهداء الآخرين، هذه الارواح التي فاضت على مذبح الفداء الوطني قربانا طاهرا ومقبولا امام العزة الالهية.
أما بعد فان مقالي هذا يأتي مكملا لمقالين آخرين هما: دور الرموز في حياة الأفراد والمجتمعات، ودور الشخص في حياة الانسان، حيث لا يفصل فاصل زمني هذا المقال عن المقالين السابقين المذكورين غير مقال: كلام عن بعض شؤون وشجون كنيستنا الملقبة بالكلدانية. غير ان هذا المقال سوف يكون اقل تحليلا من المقالين السابقين، ولكن اكثر دسامة روحية منهما. كما سنرى فيما يلي.


المعنى الانثروبولوجي للنموذج: وفي الحقيقة، ان ما نعرفه من تحليلنا الانثروبولوجي، هو ان مفردة النموذج قريبة جدا من مفردة الرمز ومن مفردة المثال، والقدوة، وحتى من مفردة الشخص، بمعناها الانثروبولوجي. لذلك نستطيع ان نصف هذه المفردات جميعها بأنها مفردات متماثلة اي انها متشابهة من بعض اوجهها ومختلفة من اوجهها الأخرى، بسبب وجود صفة جوهرية مشتركة بينها جميعا، على الرغم من وجود صفات عرضية فيها، هي اساس للتباين المهم القائم بينها. ويقينا ان العامل المشترك الجامع بين هذه الصفات المتماثلة هو صفة " الرمزية "، ذلك ان صفة الرمزية تعني ان حقيقة مادية ترمز وتشير الى حقيقة روحية مثالية مهمة، ولذلك فإننا نجد هذه الصفة في جميع الألفاظ المتماثلة التي ذكرناها أعلاه، كما نجدها في لفظة النموذج التي هي عنوان مقالنا لهذا اليوم. غير اننا في الواقع لن نقارن هنا سوى بين الرمز والنموذج، لأن مثل هذه المقارنة هي التي تهم موضوعنا الآن. وعليه نرى ان اشياء كثيرة يمكن ان تقوم بدور الرموز، فضلا عن الانسان نفسه، لكن من يقوم بدور النموذج هو الانسان وحده، او بالأحرى هو شخص الانسان الفرد، هذا الشخص الذي يكمن دوره الأساسي في كشف الفرد البشري ( شَخَصَ ) الذي ينتمي اليه، امام الذات وأمام الآخرين، سواء كان شخص الفرد لا زال على قيد الحياة، ام انه يعيش محمولا على افراد آخرين، بعد موته.


طبيعة النماذج: اذا اردنا ان نعرف طبيعة النماذج الأنثروبولوجية، فإننا سنعرفها، من خلال الوظيفة او الخدمة التي يقدمها كل نموذج لإخوته البشر. فالبشر بالحقيقة، وبمعناهم الانساني خاصة، وبالمنظور البنيوي، عبارة عن وظائف يؤديها كل واحد منهم تجاه اخيه الانسان، بحسب قوة مشاركته بالمثل العليا، وذلك لأن البشر، في حقيقتهم البنيوية، ليسوا جزرا معزولة، كما قال احد المفكرين المشهورين، لكنهم أواني مستطرقة، متصل بعضها ببعض، مشكلين حركة ومسيرة انسانية تصاعدية بعيدة المدى، باتجاه ثوابت انسانية هي ثوابت الحق والخير والجمال، والتي تشكل في الحقيقة هدفا واحدا بنيويا يظهر على شكل الثوابت المذكورة، مع علمنا بوجود عثرات انسانية كثيرة في طريق الخير والثوابت الأخرى، ووجود حتمية الصراع المرير والمؤلم في طريق الانسان الفرد وهو يسير نحو ثوابته المحدِدَة لمسيرته، فضلا عن وجود صراعات كثيرة في طريق المجتمعات، وهي تسير نحو هذه الثوابت عينها. أما من حيث تسمية هذه الثوابت فقد تسمى احيانا بالمثل العليا، وبالقواعد الانسانية الثابتة، كما يسميها البعض بالمثل الالهية. ولهذا نرى انفسنا ملزمين بأن نقول بعدم وجود من يمثل تلك الثوابت بشكل كامل، لأنها ثوابت مثالية عليا لا تستهلك ولا تنفذ قوتها ابدا، كما نقول نتيجة تحليلنا لهذه الثوابت بأن شخصا واحدا لم يعد قادرا ان يحمل لوحده كل غنى الثوابت المؤنسنة للإنسان.


النماذج الصغرى والنماذج الكبرى: وفي الواقع يمكننا ان نتلكم عن النماذج الصغرى وعن النماذج الكبرى في حياة البشر، لأن حاجات الانسان كثيرة لا تعد ولا تحصى، وهي تتدرج في اهميتها من حاجات بنيوية صغيرة، والتي تسمى عادة بحاجات البنى التحتية او البنى الجسدية، حتى تصل الى حاجات انسانية ( انثروبولوجية ) روحية تسمى بحاجات البنى الفوقية، وصولا الى الحاجات المقدسة التي تقع في القمة من هرم الحاجات، قريبا من عالم النفس ماسلو، الذي لا يتكلم عن المقدس. وعليه يمكننا ان نؤكد ان البشر لا يقتبسون واحدهم من الآخر، في الأمور المادية الحياتية فقط، ولا في الأمور الاجتماعية وحدها، لكنهم يقتبسون واحدهم من الآخر في جميع امورهم الانسانية، ومنها الأمور العليا المقدسة. غير اننا نرى ان هذا الاقتباس الانساني المقدس لن يقوم به فرد واحد ( نبي ) في المستقبل، على الرغم من بقاء دور الفرد مهما في الحياة، ولكن سوف تقوم به مجموعات من البشر، قد تكون لها صفة دولية، ولكن نبوية، بعد ان قام بخدمة النبوة هذه افراد اكملت مهمتها على أحسن وجه، على الرغم من أن خدمتها هذه كانت محدودة ببعض الأمكنة والأزمنة.


بعض خصوصيات النماذج العليا الفريدة: القراء الأفاضل، في بدء هذه الفقرة نود ان نلفت الانتباه الى ان صفة التماثل البنيوية لا تشمل الرموز المختلفة، ومنها النماذج الانسانية، حسب، لكنها تشمل ايضا انواع النماذج الانسانية الصغرى منها والكبرى، حيث لا يوجد نموذجان متساويان في كل شيء، كما لا يوجد شخصان انسانيان متساويان في كل أبعادهما. ومن جهة ثانية نرى ان هناك صفات مشتركة بين كل النماذج الانسانية، ولاسيما بين النماذج الانسانية العليا والنماذج الانسانية التي تعطى لها صفة القدسية، والتي هي قدسية تأتي صاحبها عن طريق الاقتباس الانساني والمشاركة بالقدسية المطلقة، او تأتي صاحبها عن طريق المشاركة بالقدسية الأنثروبولوجية: قدسية الحق والخير والجمال. اما اوضح مثال عن القدسية بالمشاركة فهو مثال القمر الذي ليس له نور خاص به، لكنه يستمد نوره من الشمس ويعكسه الينا. ولذلك نقول نعم هناك فرق بين النموذج التي تتحدد وظيفته النموذجية بالعطاء الانساني والاجتماعي والسياسي، وبين النموذج الذي تتحدد النموذجية عنده بالعطاء المقدس، الأمر الذي يؤكد وجود تشابه بين النماذج العليا على الرغم من الفارق الكبير بينهما. ونظرا لأهمية الأمور المشتركة التي تجمع بين مختلف الثوابت العليا، الاعتيادية منها والمقدسة، فإننا سوف نذكر أدناه بعض الصفات المشتركة التي نراها فاعلة في جميع الثوابت العليا، على الرغم من الاختلافات الكبيرة بينها، وكما يلي:


1 – الصفة النبوية: اذا نظرنا الى النبوة بمعناها الواسع، فان كل انسان يمكن ان يمارس نوعا من النبوءة تجاه الآخر المستعد ان يقبل الفكرة النبوية التي اكتشفها وعاش بموجبها قبل غيره، حينئذ نقول بأن جميع النماذج الانسانية العليا، سواء كانت مقدسة ام اعتيادية، تشترك في صفة النبوءة بوضوح، لأن جميع هذه النماذج تمتاز بالريادة وبصفة القدوة وفي قوة الدلالة. ومن هنا يمكننا اضافة صفتين ملحقتين بالنبوة الى جميع النماذج العليا، وهي رؤية ما يجب ان يكون عليه المستقبل، والاستعداد الكامل للدور النبوي، ولذلك ايضا كل نموذج انساني عالي، سواء كان دينيا ام انسانيا اعتياديا يقوده استعداده ان يتمتع بثلاث فضائل مهمة، وبمقادير متفاوتة طبعا، وهي فضيلة الايمان وفضيلة الرجاء وفضيلة المحبة، هذه الفضائل التي يمكن ان تزين الحياة الروحية والدينية لكل انسان وتضعه على درب الكمال الانساني الروحي والديني


2 – ندرة النماذج العليا: ان حالة ندرة النماذج العليا ليست ظاهرة حقيقية لكنها واقع نفهمه من خلال تحليلنا لظاهرة النماذج نفسها، حيث تزداد صعوبة تكَوّن النموذج طرديا مع صعود وارتقاء الانسان في السلم الروحي، ليبلغ اصعب حالاته عندما يكون على النموذج النبي ان يكون نموذجا وقدوة في الأمور الدينية المقدسة.



3 – فنارات عالية: وتشترك جميع النماذج العليا في كونها فنارات عالية تضيء للإنسان درب الحق والخير والجمال، ليس بشكل عام، ولكن وسط حضارة واقعية محددة ووسط عالم متغير بسرعة مذهلة، كما هو عالمنا المعاصر، هذا العالم الذي ليس متغيرا من حيث سياساته واقتصاده وبنائه الحضاري فقط، ولكنه متغير من حيث احساساته الانسانية وذوقه الفني وفكره الفلسفي وتساؤلاته الانسانية، وربما من حيث دينه وقناعته الايمانية ايضا.


4 - معين عطاء لا ينضب: عندما يكون النموذج ينبوع عطاء لا ينضب في حياته فانه سوف يكون كذلك بعد مماته، حيث يصير نموذجا يواصل عطاءه بعد الممات ايضا. وفي هذه الفقرة نقول ان البشر يرتفعون بصحبة نماذجهم الى الأعالي، ابتداء من الف الحياة واتجاها نحو يائها حيث يقترب الانسان من منارات الحق والخير والجمال ويسعد بما يلتقي به. بهذا المعنى قال احد الروحانيين بأن: كل نفس ترتفع ترفع العالم كله معها، ونقول بعده أن كل نفس تنخفض تخفض العالم كله معها، كما نرى بأن عالمنا بدأت تنقصه النماذج العامة والأنبياء الصغار، ولذلك صار عالما منخفضا على كثير من المستويات، ومنها المستويات الروحية والأخلاقية.


5 - النماذج سلطة محررة: عندما يتكلم المفكرون عن السلطة فغالبا ما يتكلمون عنها كحالة مستلبة للإنسان وللمجتمع. وقد وجدت فلسفات تعالج مسألة السلطة، سواء كانت هذه الفلسفات تقف الى جانب السلطة وتبررها ام كانت ضدها. اما ما يبشر به الله انسانه، بأي معنى فهمنا هذا التبشير، وما تبشر به النماذج باسم الله، فهو ايضا يكون سلطة للإنسان. غير ان هذه السلطة عندما يكون التبشير حقيقيا لا تكبل الانسان بقيود تقيد حرية الانسان، بل بالعكس تماما تساعد حرية الانسان على النضوج والتحرر الحقيقي.
6 – معيار وحَكَم وقائد: عندما يدخل نموذج انساني او نموذج ديني حياة الانسان، فان هذا النموذج يصير لذلك الانسان معيارا وحكما يصل الى اعماق ضميره، لكي يكون بالنتيجة قائدا لذلك الانسان نحو ما يتحلى به النموذج من حسنات عليا روحية كانت ام دينية، لذلك فهو يمارس دور معيار ودور حكم ودور قائد، يتبعه المؤمن به بحرية، من دون اكراه او وصاية او سلطة، باستثناء سلطة النموذج وحدها.


7 – النماذج وسطاء بين البشر وثوابتهم: بحسب كل ما اتيننا على ذكره حتى الآن، يمكننا ان نستنتج ان النماذج ايضا قد يقتبسون واحدهم من الآخر، بناء على قدراتهم على الاحساس بالخير والحق والجمال، اينما وجد، لكنهم خاصة ووسطاء بين الثوابت المذكورة وبين وبين البشر الذين يحتاجون معرفة نداء الثوابت الانسانية والثوابت المقدسة لهم. علما بأن هذه الوساطة هي مهمة ورسالة تقع على عاتق النموذج، اكثر مما هي تشريف له. فهل يا ترى، كف انبياؤنا الكبار ( نماذجنا المقدسة ) وكف نماذجنا الانسانية، عن مناداتنا ومحاورتنا في هذه الأيام المؤلمة، ام اننا نحن البشر الاعتياديين لم نعد قادرين على الاستماع؟ ام اننا لم نعد نستطيع سماع سوى ما يعجبنا ويدغدغ رغباتنا الفاسدة؟ ادع الجواب للقارئ.


8 - مجانية اعمال النماذج: بما ان كل ما يعمله النموذج ناتج عن ايمان ورجاء ومحبة، فان اي فعل يقوم به من اجل الآخرين، هو الآخر يتصف بالمجانية التي هي علامة المحبة الأولى. ولذلك تصير مجانية اعمال النموذج العلامة الأولى على ان ما يبشر به النموذج هو صدق وحق.
9 – الموت قدر النموذج السامي: طبعا نحن هنا لا نتكلم عن الموت الطبيعي، ولا نتكلم عن الموت الروحي، لكننا نتكلم عن الموت الذي يقبله الشهيد من اجل ان يبقى مصرا على قول الحق والتصرف بحق وتحديا لكل من يحاول بالموت ان يقضي على رسالته. كما يمكننا ان ندرج هنا الى جانب الموت كل الآلام والأتعاب التي يتحملها النموذج، حتى وان لم يصل الى اكليل الشهادة. اما هذه الكلمات الأخيرة التي تضع كل مجاهد بين النماذج العليا، فإنها تفتح طريق النموذجية رحبا امام كل من يحلو له ان يسلك هذا السبيل المجيد، حتى وان لم يستشهد.


10 – انتصار النموذج قدره الآخر: بأسلوب ادبي خاص يستخدم الانجيليون لفظة صعد الى جبل الجلجلة لتعني صعودا نحو الموت وتعني صعودا نحو المجد، حيث تذكر هذه اللفظة بصعود موسى للقاء الرب. اما لفظة رفع على الصليب فهي ايضا، في فكر الكاتب العميق تعني الرفع المادي الجسدي على الصليب من اجل الاعدام، كما تعني ارتفاع يسوع الى المجد. وهنا اود ان أشير الى ان ما يقول به القرآن الكريم عن صلب يسوع وما تقول به الأناجيل يكاد يكون متطابقا، لأن نتيجة الحدث المؤلم كانت تمجيد يسوع لأنه اكمل المهمة بصبر ونجاح.


11 – النماذج زاد البشر: فالنماذج بالحقيقة كالأبوة والبنوة، يضعفون كي يسمن ابناؤهم، ويتعبون كي يرتاح اولادهم ويمرضون كي يتعافى هؤلاء الأبناء، ويموتون كي يحيا ابناؤهم حياة سليمة مرفهة. ولكن هل دائما يعي الأبناء هذه الحقيقة ويعطونها حق قدرها ويستفيدون مما تقدمه لهم نماذجهم؟ مع الأسف لا يبدو ذلك حاصلا إلا في حالات نادرة يكاد يشعر بها من يشعر.



الختام
: وعليه يفهم القارئ العزيز السبب العميق الذي جعلني اقدم هذا المقال هدية لشهداء العراق جميعهم، وعلى رأسهم جميعا، رئيسنا الشرعي الشهيد صدام حسين، هذا الشهيد الكبير الذي استوفى كل شروط الشهادة والرمزية والنموذجية بحق وحقيقة، بعد ان بذل نفسه بحرية ومات لكي يحيا هو ويحيا به ومعه كل عراقي وكل عربي يفهم معنى ان يموت الانسان من اجل حرية وطنه وعزته وسيادته الكاملة.


القس لوسيان جميل


تلكيف – محافظة نينوى – العراق
 
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
دور النماذج في حياة الانسان : القس لوسيان جميل
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البيت الآرامي العراقي :: الاخبار العامة والسياسية General and political news :: منتدى المنبر السياسي والحوار الهادئ والنقاش الجاد الحر Political platform & forum for dialogue & discussion-
انتقل الى: