البيت الآرامي العراقي




البيت الآرامي العراقي

سياسي ِ ثقافي ِ أجتماعي


 
الرئيسيةالرئيسيةبحـثالتسجيلarakeyboardsyrkeyboardدخول

شاطر | 
 

 يوسف الصائغ منديل الأم المسحور

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Dr.Hannani Maya
المشرف العام
المشرف العام



الدولة : العراق
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 37598
مزاجي : أحب المنتدى
تاريخ التسجيل : 21/09/2009
الابراج : الجوزاء
التوقيت :

مُساهمةموضوع: يوسف الصائغ منديل الأم المسحور   الخميس 17 يناير 2013, 1:50 am

يوسف الصائغ منديل الأم المسحور


– January 15, 2013





[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

حسين سرمك حسن
هل يمكن الكتابة عن ديزدمونة بدون ربطها بمرجعيات في الذاكرة والعودة الى نقطة سوداء غائرة في معرفيتنا الثقافية إسمها عطيل ــ شكسبير الذي خنقها في لحظة غضب عاصفة وبعد صراع نفسي مرير وممزِّق.
مع قناعتي الكاملة بأنّ ما كتبه يوسف الصائغ’ هي مسرحية جديدة قائمة بذاتها إلاّ أنني سأحاول المستحيل وألعب لعبة فصل المخزون الذاتي عن النتاج الموضوعي الذي طرحه أمامنا يوسف’ تحت عنوان ديزدمونة’ وسنحاول السير بتجرّد معه لنستكشف ملامح شخوص مسرحيته وطبيعة مضمونها ومسار أحداثها وحبكتها؟
يبدأ أول مشاهد الفصل الأول من المسرحية ليلاً ــ الظلام حليف العدوان ــ حيث يدخل عطيل الأمير الأسود الشاب مخدع زوجته ديز ديمونة ويوقظها، في الوقت الذي كانت فيه تحلم بأنها موشكة على الموت يكون زوجها قد بيّت النيّة على قتلها خنقاً في حين كان ردّ فعلها مسترخياً ومحباً وممازحاً ــ
عطيل ــ أوتشتهين حقاً أن تموتي؟
ديز ديمونة ــ ذاك أنني ياسيّدي، لم أذق الموت من قبل
عطيل ــ فاستعّدي إذن لموت تشتهينه
ديز ديمونة ــ الآن ــ في هذا الهزيع المتأخر، باركتك السماء ياسيّدي، لوأنظرتني الى الغد
عطيل ــ أغمضي عينيك
ديز ديمونة ــ بل تبقيان مفتوحتين،لأسعد برؤياك وأنت تميتني
ومع تصاعد حشرجاتها تفتح أبواب المخدع بعنف ويدخل رجال معاصرون بينهم المحقق ومساعده يتمّ إبعاد عطيل وتنقل ديز ديمونة الى المستشفى،ومن هنا يعمد الكاتب على تصعيد إيقاع الحوادث وتشابك مساراتها الملغزة من خلال جهد المحقّق الذي يثيرالتساؤلات ويصعّد العقد أكثر من محاولته فكّها والتمهيد لأستقبال الإجابة الحاسمة التي تقدم لنا الحل القاطع لسبب قتل عطيل زوجته المحبّة ديز ديمونة لاسيّما أن الكاتب قد وضعنا في موقف مربك من خلال ردّ الفعل المسترخي وغير المتحسّب للزوجة المغيبة النشوى والمتململة بدلال أمام فعل القتل المخطط الذي نفذه الزوج المغيّب أيضاً ولكن بدوافع الحنق والموت والذي بات يهذي محموماً ومضطرباً ــ مرّة يطلق كلاماً محيّراً يحدث به نفسه، وثانية يتخيل ديز ديمونة سليمة معافاة ينكر موتها ويعدها غافية وغارقة في أحلامها، وثالثة يقرّ بموتها ثم يعود من جديد ليتخيلها حيّة في شخص وصيفتها إميليا التي كانت تنوح مرعوبة لمقتل سيّدتها، ويتهمها بنواياها الآثمة في تقاسيم السرير معه رغم أنّها زوجة صديقه ياكو . وبفعل إضطرابه النفسي الشديد يطلب المحقق من مساعده أن يعاجله بحقنة منوّمةوتتشابك وتضطرب الدوافع المتعلقة بمقتل ديز ديمونة ــ حسب تصميم الكاتب ــ ــ لماذا حاول عطيل قتل زوجته التي تمّ إنقاذها في اللحظات الأخيرة بعد نقلها الى المستشفى؟
يحاول المحقّق المعاصر فك خيوط هذه الجريمة القديمة المرعبة والإمساك بدوافع أطراف الواقعة واحداً واحداً ــ
1ــ يلتقي أولاً بـ أميليا الوصيفة المخلصة والمطيعة لـ ديز ديمونة والتي ـ أي أميليا ـ تباغت المحقّق الذي يدعوها الى الإجابة على أسئلته فتقول له ــ إإذن لي أن أذهب ولا تحرضني على أسراري فأنا ياسيدي إمرأة مؤتمنة
حلم دزدمونة
2ــ ياكوــ جيء به الى المحقّق مخموراً وحين يصحو يجيب المحقق بأنه أي عطيل قتل ديز ديمونة لأنه كان يجب أن يقتلها،هكذا يعلنها صراحة وبلا تردّد الآن استعاد الكون إنسجامه، الأن لا شذوذ’لقد شطب على معادلة القرد والحمامة
وألغى رائحة الدنسلقد أراد منه عطيل دليلاً على خيانة ديز ديمونة برهان أنّه من الممكن أن ينبت للقرد قرنان،وضعت المنديل تحت أنفه وقلت له، شمّ أيها المغربي هذا منديل تعرفه جيداً، وجدته عند ملازمك كاسيو’ لقد كان هذا المنديل هوالبرهان القاطع الذي أقنع عطيل بأنّ زوجته تخونه،أنّ ياكو يعتقد بأنه بتحريضه عطيل على قتل ديز ديمونة قد أعاد للطبيعة توازنها، فهذا العبد المغربي بخفه اللحمي وبراطمه ورائحة الخميرة الحامضة التي تفوح من أحشائه لا يحق له أن يحصل على اللؤلؤة التي كان يتطلع إليها كل رجال المدينة الذين إنتهكهم هذا الأسود على فراش حلم تمنوه جميعاً إسمه ديز ديمونة و ياكو يرى أنّه قد انتقم بفعلته هذه من الأخيرة أيضاً فقد ميّزت عطيلاً عن الجميع وقبّلت إبهام قدمه السوداء كان ياكو خبيراً بنفس عطيل ونقاط مقتلها وقد أحسن إختيارالمكان الذي يخزه فيهلقد كانت روح عطيل تلوب تحت مطارق سؤال مؤرق لماذا إختارتني أنا؟ وما كان له أيّ عون لتصديق هذه المعجزةأن تعطيه إمرأة كـ ديز ديمونة كنوزها، كان مهزوزاً في أعماقه ويرزح تحت ثقل مشاعر نقص ضاغطةولذا فماأن ألـِحّ عليه ياكو حتى راح يطالبه بالدليلكان الدليل قطعة قماش مطرز جعلت رائحة الشك تفوح منها بحيث تدمع عينا العبد لم يكن عطيل محتاجاً لمزيد من الشرح ووقع فوراً في شباك المصيدة التي نصبها له ياكو ــ يراها الأخيرمصيدة محكمة في حين أنّها مصيدة هشّة وفجّة وانّ إحكامها لا يستند إلاّ الى صراع عطيل وكونه مهيئاً لقبول أيّ دليل يسم زوجته بسم الخيانةلقد صدق أكذوبة ياكو في أن زوجته أعطت المنديل لـ كاسيو في خلوة حب ويؤكد اندفاع عطيل نحو تصفية حسابه مع زوجته لا مع كاسيو أيضاً أنه مشحون تماماُ بوهم الخيانةهكذا كان ياكو يفلسف إنتصاره منتشياً ولكن المحقّق وقد رتّب الأمرمسبقاً، يجعل صوت عطيل وأميليا ــ زوجة ياكوــ يتصاعد من جهاز تسجيل سجل عليه حوارهما المضطرب حين كان عطيل مشوشاً بعد أن خنق زوجته وتوهم أن أميليا هي زوجته ثم بعد ذلك عشيقته وما أن يسمع ياكو الحوار حتى يهتاج بعنف مروع ويصرخ ــ أميليا، يا عاهرة أتركوني ها هو يقع في شباك المصيدة نفسها التي نصبها لعطيل، فهو يسرع في تصديق ما يسمعه من فورة بدون أن يضع في حسابه أنّ ما يسمعه من جهاز التسجيل قد يكون مفبركاً وراح بتوعد زوجته بالقتل
3ــ أميليا ــ هي زوجة ياكو ووصيفة ديز ديمونة التي أغراها زوجها ياكو وكما قال الأخيرللمحقق ــ بسرقة المنديل الملعون ــ دليل الخيانة الذي أوصل الى الكارثة،
لكنها الآن تقول للمحقق أنّها لم تسرقه، بل وهبه لها سيّدها عطيل ،إنها لا تنكر انّه قد خطر لها حقاً أن تسرقه لأن أسطورة قد تشكلت حول هذا المنديل فهو قادر على جعل الحب يزدهربين أيّ حبيبين وفي اللحظة التي أوشكت فيها على أن تخفي المنديل بين ملابسها دخل المخدع سيّدها عطيل ورآها فادّعت أنّها إنّما أرادت أن تستعيره فحسب، والسبب هو من أجل الحب، وبالتحديد من أجل أن تحيي حبّها لزوجها ياكو لأنها لم تعد تحبه وأنّه لعذاب أن تعيش مع من لا تحب فما كان من عطيل إلاّ أن يدفع لها بالمنديل رغم تخلّيها عنه. وهنا يثير الكاتب هزّة عنيفة في عربة الأحداث تمزق تماسك سلسلة الوقائع السابقة التي قصها على ياكو
المحقق ــ فاذا كان عطيل قد أعطى المنديل لأميليا بنفسه ومختاراً فكيف عاد
وصدق فوراً إدعاءات ياكو في أنه قد وجد المنديل عند كاسيو وان ديز ديمونة
قد منحته للأخير في خلوة حب، ما من أبله يصعب عليه إكتشاف أكذوبة كهذه،
فكيف بعطيل وقد أعطى بيده المنديل لإمرأة إسمها أميليا؟’ رغم هذه الحقيقة الصارخة فقد أصغى عطيل لياكو وقتل زوجته، فما الذي ضرب على سمعه وما سرّهذه الغشاوة السوداء الثقيلة التي أسدلت على بصره؟
إنّ الردّ المنطقي يقول ــ كما سطرته أميليا ــ أنّ الذي لا يشبه إلاّ المهزلة هو أن نصدّق فكرة أن عطيل إنّما قتل زوجته إنصياعاً لتحريض ياكو إذن فمن حق المحقق أن يبحث عن سرأو تعليل تعرفه أميليا نفسهافاذا كان مولاها عطيل حصيفاً وعادلاً وأصيلاً أصالة سواده الناصع وبياض سيّدته االجميلة كما تقول فلا بد ــ كما يقول المحقّق ــ أن يكون قد إرتكب ما إرتكب تحت تأثير دافع كريم لقد اندفع ياكو بحقد لأستغفال عطيل، فماذا فعل عطيل، لقد تظاهر بتصديقه واستفاد من الكذبة فقتل زوجته، مدركاً أن الكذبة لن تلبث أن تفتضح بعد قليل، وبذلك قلب الأدوار،فصار ياكو هو المغفل الأكبر’
كان ياكو يعتقد بأن من واجبه أن يصحّح الخلل الذي نجم عن علاقة عطيل بديز ديمونة،أن يصحّح ما سمّاه بالشذوذ في الكونوها هي أميليا تعتقد أنّها إمرأة ليست هيّنة،إمرأة تجيد العشق قد تكون ديز ديمونة أجمل مني،قد تتيه على الناس بغناها ودلالها وبهذا النزق الشيطاني الذي يجعلها شهية للكثير، ولكنني في ميزان العشق أجمل وأذكى وأقدروأحنى، وأنا فوق هذا، عاشقة كريمة، أعطي السعادة لمن أحب’وعليه فقد عشقت عطيل سيّدها الأميرالشجاع المليء كرماً ومهابة وطيبة قلب،انّها تشعر بأن من واجبها أن تصحّح الخلل بدورها ولكنها ستصحّح الشذوذ في الكون حسب دوافعها التي تشكل أمامها صورة مغايرة للشذوذ الذي نجم عن إرتباط
عطيل بديز ديمونة،انّها ترى أنّ قصّة حب عطيل وديز ديمونة غير متوازنة وتحمل معاني الغبن في طيّاتها لقد بهرها وبهرته، هي تردّد بنزق لاتستطيع إخفاءه أسود أسود يا للغرابة وهو يردّد بيضاء بيضاء’ لقد كان بسيطاً ونقياً ومتواضعاً في حين كانت هي ــ حسب رأي أميليا ــ متعجرفة شامتة أخضعته لنزق إحساسها بتفوّقها، كان بفعل براءته ــ وحسب رأي أميليا مرّة أخرى ــ لايرى في ما تفعله أيّما غضاضة، وعند ذاك إبتدأت بإذلاله’
وسنتساءل هنا عن السر الذي يجعل رجلاً وأميراً مثل عطيل يتحمل مثل هذا الإذلال حسب رواية أميليا؟ وماهوالسرالذي يدفع بديز ديمونة الى إظهار مثل هذا الأزدراء والشماتة تجاه عطيل زوجها بعد إرتباطها العاصف به؟
هنا تفجّر أميليا قنبلة ثانية تزلزل أسس كل ما بني في ذهن القارىء لحد الآن من معلومات وصور وصلات بعد العاصفة التي أثارتها بتأكيدها أن سيّدها هو الذي منحها المنديل وانّها لم تسرقه إستجابة لطلب زوجها ياكو
يقدم لنا الكاتب مشهداً نرى فيه أميليا قائمة تمشط شعر سيّدتها ديز ديمونة التي كانت تظهر تعاسة بالغة،كانت تبكي سوء حظها كما تقول وتدعو أميليا الى الصلاة من أجلها، والصلاة هي علاج ما لاعلاج له، وبعد أن تستحلفها بأن لا يصدر عنها أيما علامة مّما ستقوله لها،تهمس لها باكية بالسرــ الصاعقة ــ عطيل، عاجز جنسياً وانّ عجزه هذا لم يكن عارضاً طارئاً يحدث للرجال أحياناً وسرعان ما يزول بالحنان والتفاهم، وأنه حسب ديز ديمونة أمرٌ ثابت لم تنفع معه محاولات الأنوثة، لكن أميليا
ترى أن سبب هذا العجز هو ديز ديمونة التي إستهواها عطيل أولاً كما يمكن أن يستهويها حيوان نادريهمها إمتلاكه وبسط سيطرتها عليه لتلعب وتمارس إحساسها بالتفوق وحين إكتشفت في سجاياها كرامة أمير راحت تسعى لإذلاله الإذلال والتمنّع والبرود هو الذي عطّل رجولة عطيل، كانت تسخرمن دعوات أميليا المخلصة لها كي تساعد زوجها كي يتمّ رجولته وتسأل سؤالاً غريباً ــ علام يا وصيفتي؟
ثم تأتي القنبلة الثالثة التي تفجرها أميليا بثقة وحماسة ــ انّ مولاها عطيل ليس عاجزاً وهي،أميليا، الشاهدة والمسؤولة عن كل ما تقوله لقد كانت تسهر مراراً لصق جدران ذلك المخدع المظلوم تصغي مشفقة لتلك الأصوات التي تصدرعن سرير يتعذب،لا المعذب يصرخ ولا المعذِب يصيح كانت تزداد حقداً على مولاتها وتتحرق شغفاً لمولاه او هاهي تدخل المخدع كي تعيد ترتيبه فتراه راكعاً على الأرض ثملاً محطماً يدعوها كي تسنده كإمرأة وفية وحنون كان يتوهمها ديز ديمونة ،لقد إستعاد رجولته المفقودة معها وراح يهتف بلهفة وفرح ــ بشراك ياعطيل، هي ذي الطبول تُقرع والأبواق تصيح، أنني أرى إنتصاريوسرعان ما راح في إغفاءة هنيئة’
4ــ كاسيوــ إختاره عطيل خلاً وصاحباً له فأثارحفيظة ياكو وغيرة مولاتي حسب تعبير أميليا ولكن لم أثارغيرة مولاتها التي قالت أنها كانت تشمت وتذل مولاها، هاهو كاسيو يقف أمام المحقق الذي يدعوه الى أن يدفع عن نفسه التهمة ويفك سرّ
المنديل المشؤوم الذي ادّعى ياكو بأنه سرقه منه وان ديز ديمونة قد وهبته لكاسيو في خلوة حب،انّه يرى نفسه مفترىً عليه وانّ هذا الأمر كذبة ملفقة، ولكن برغم نكرانه إلاّ أنه يرى أن ديز ديمونة تستحق القتل فهي خائنة ألف مرّة، انّه لم يؤكد أن هذه السيّدة لم تستهوه ذات يوم، كان يمقتها فوق ذلك، ومع بدء نزول قطرات إعترافاته العصيّة التي قاوم محاولات المحقّق المستميتة لأستدراجه بغية إفشائها. بدأت تنزل بطيئة أيضاً وممطوطة نفحات رذاذ الدفعات الجنسية المثلية مغلفة أولاً بكره صارخ للسيّدة الأنثى ــ كنت أمقتها لست أدري ربما لأنني منذ البداية كنت أؤمن أنّها لا تصلح له، أو أنّها يمكن ذات يوم أن تخونه ثمة نساء يتلذذن بالخيانة ويندفعن لها بطغيان هوس غريب إنّ ديز ديمونة الجميلة الفاتنة لاتستهويه، وليست هي وحدها فحسب بل النساء كلهن أيضاً لا النساء؟لا وهو يصفها بالخيانة مسبقاً. وليست توقعات الخيانة تلك مجرد حدس يحدسه بل هي تمنيات يتمناها بفعل دوافعه المثلية المكبوتة
مداخلة مهمّة ــ يقول مؤسس علم نفس الأعماق أنّه إذا ماغدا الرجال موضوعات لاستثمار ليبيدي قوي في لاشعور الرجل، فانه سوف يناضل ضد ذلك بشكل من الدحض ــ
لست أنا الذي أحبّ الرجل ــ بل هي التي تحب الرجل’
وهو يتشكله في المرأة بالنسبة الى جميع الرجال الذين ينجذب هو نفسه الى حبهم
ها هو كاسيو يتمنى ان تاتى ساعة يتخلى فيها عطيل عن ديز ديمونة ويعود الى نفسه وشؤونه واحبابه انه لايتردد فى الاعلان الحاد عن حبه لمولاه عطيل ويكرر هذا الاعلان الى حد انها تستفز مشاعر عطيل الكامنة ايضا
عطيل ــ والآن، علام تتطلع الى بكل هذا القدر من الحزن، أتشفق علىّ أيها الملازم كاسيو ذاك لانى احبك
عطيل تحبني تحبنيمن المعيب ان تتحدث بهذه الطريقة لا يليق
ــــ يمكن للقارىء النابه ان يمسك بالنبرة الخفية المتمنعة التى تنطوى عليها العبارة الاخيرة لعطيل الذى كان يحاصر كاسيو ويضغط عليه بل ويهدده ليخبره عن من تخونه زوجته ديز ديمونة التى ترسخ اعتقاده بخيانتها لمجرد ايماءة مبهمة من رأس كاسيو الذى دفعه حبّه العارم المضطرم لمولاه الى ان يدّعى كذبا ان ديز ديمونة تخون زوجها معه هو نفسه كاسيو ــ حب جارف وحماسة لامثيل لها انه يضع عنقه تحت سيف عطيل ويطلق دليله كذبته ــ مراهنا على شرفه ورقبته والمشكلة ان عطيلا لا يوافقه فقط بل يرى انه لابد ان يصدقه وهنا سيثور ومن جديد وبقوة اكبر ذلك السؤال الذي اطلقناه في بداية الدراسة والذى لابد انه قد تحرك في اعماق كل قارىْ لم يغيّب انتباهته التلاقي في المصالح اللاشعورية بينه وبين المبدع،وهذا السؤال هو ــ لماذا صدّق عطيل نبأ خيانة زوجته ديز ديمونة بهذه السرعة والسهولة؟
لقد وصف كاسيو فرط مايعانيه عطيل بعد فورة الفرح الاولى التى طارت به على اجنحتها عقب ارتباطه ب ديز ديمونة بقوله ــ بدأ مولاي يتبدل ساعة بعد اخرى، بدا كأنه شاخ فجأة، واعتل مزاجه فهو سريع الغضب الشكشك مكتوم لايستطيع ولايريد الافصاح عنه فهو يترقب بعينين لاتنامان ويتنصت ويهجس ويتلصص’ فلم هذه الشكوك ولم هذا التصديق السريع والسهل رغم ان الدلائل واهية؟
واقعة خطيرة جدا ـــ يفجر الطبيب الذي جاء لمواجهة المحقق مفاجأة صاعقة، فبالاضافة الى ان ديز ديمونة لم تمت حيث لم يستطع عطيل الاجهاز عليها كانت هناك مفاجأة اخرى مذهلة فقد اثبت الفحص الطبي الشرعي أن ديز ديمونة مازالت عذراء، وهذا أمر غريب يقف خلفه الكاتب المتحمس ويتطلب منا انتباهه حادة فقد دخل يوسف بنفسه الى ساحة الحدث وبانت دوافعه ومكبوتاته، فلايوجد أي مبرر جنائي يدفع الطبيب الى ان يفحص غشاء بكارة سيدة متزوجة حاول زوجها خنقها؟؟’
إن الكاتب يسعى ــ ظاهرا الى استكمال شروط حبكة مسرحيته ليقدم لنا نسيجا محكما ومنسجما وهذا يجعله يوجه الوقائع التى رسمها مسبقا ترى كم قارئا انتبه الى ان لاحاجة لفحص غشاء بكارة امرأة متزوجة لم تمت على يدي قاتل هو زوجها؟
ان شطحة الكاتب البعيدة عميقة ايضا وتتسق مع الهم المركزي المسيطر على إبداعه والمتمثل في محنة التثبيت على الأم ــ الصلة المحرمية بها والتضاد العاطفي الذي يتبعها والشعور بالذنب الذي يتأسس عليها انّه يقتل ويميت اغلب نسائه في رواياته وقصائده ومسرحياته وذكرياته راجع تحليل سيرة الصائغ في الفصل الاخير ليحقق هدفا مزدوجا الابتعاد عن الهدف المحرم من ناحية والالتقاء به تحت اشكال منكرة من ناحية اخرى والتخفف من الشعور بالإثم امّا بالقصاص المباشر او باسقاط الاثم على اهداف بديلة من ناحية ثالثة ومابحثه وتأكده من عذرية ديز ديمونة وسلامة غشاء بكارتها الاّ محاولة للتأكد من سلامتها المحرمية اذا جاز التعبيرأي انها لم تلوّث واندفاعة خيال المبدع على هذه الصورة يجد جذوره الراسخة في تربة المكبوت المرتبط بالتضاد في الموقف من موضوع الحب الاصليوهذا الصراع يستنزف الطاقة النفسية في حالة دوام كبته بدون أي متنفس يصرّف جانبا ولو جزئيا من طاقة الدوافع المحتبسةوهذا ما يحققه اللاشعور بمكر عبر اردية ألعابه الخادعة و المبدعة في آن واحدلقد ظهرت الاندفاعة السلبية المكفّرة عن اثم الرغبة المحرمة مفرطة في شكلها مزيج من فعل بحثي في الظاهر لكنه ذو بطانة تبصصية اذا جاز التعبير وكأن هذا البحث البصري والمصوغ كلاميا ابداعيا هو فعل اختراقي مخفف .
5 ـــ لقد عجز عطيل عن القيام بواجباته الزوجية الجنسية وظهر انه لم يكن اميراً في فراشه مثلما هو امير على جيشه واتباعه وانّ تلك الفحولة الظاهرة لرجل اسود ذي شمائل ناصعة وفتوحات وانتصارات لامعة لم تعنه على تحقيق النصر والفتح المرتجى وهو في الواقع الاول والاخير في حياته ـ فلازالت الحبيبة العذراء لم تمسولابد ان عطيلا ــ الفارس الاسود ــ قد كبلته عوامل اخرى جعلته لايقوى على اختراق حاجز الانوثة الهش ماالذي يخيفه في موضوع حب آسر وباهر الجمال مثل ديز ديمونة ؟ وما الذي يقلق فارسا جسورا مثل عطيل في تصدّيه الاختيارى لانجاز واجبه الزوجي غير قوّة داخلية بالغة السطوة تدفع به بعيدا عن الالتحام بحبيبته، وتسحبه الى الخلف نحو نقطة تثبيت سابقة نحو موقف الاثم المحارمي الذي تثيره صورة موضوع الحب الاول والاخير والذي ابتعث الآن من جديد من خلال الصلة ــ المواجهة مع ديز ديمونة ، السيدة المسيطرة، التي كان يقف منها موقفا تابعا في علاقته بها، حتى فرط انبهاره بها وهي النرجسية المتمنعة المكتفية كان فائضا ــ في تلك الايام ــ كما يقول كاسيو ــ كان سعيدا الى حدّ انه ما من احد كان يستطيع الاقتراب من سعادته والنفاذ اليه خلالها، كان يتحرك ومن حوله سور من الفرح يحميه فلا يمكن لمن يريد الانتقاص من هذا الفرح الوصول اليه، كان منبهرا الى حد القبول بموقع الدمية السوداء النقيضة والغريبة كانت تجلس قربه،ترنو، بمجرد عينيها الى شفتيه بدهشة معلنة حتى قالت أمامه مرّة ــ كما تقول اميليا ــ انظري يا اميليا كم شفة كشفتيّ يمكن ان تصنعينهما من هاتين الشفتين الكبيرتين؟’ فابتسم لها بحنان وزمّ لها بدعابة شفتيه، لقد استهواها في البداية ــ والكلام لازال لاميليا ــ كما يمكن ان يستهويها حيوان نادر يهمها امتلاكه وبسط سيطرتها عليه’ لقد كانت في موقع المسيطر المتلاعب وفوق ذلك المكتفي نرجسيا والمترفع على حاجاته الجنسية فهي وياللغرابة تردّ ببرود على اميليا التي كانت تدعوها الى مساعدة زوجها ليكمل رجولته وتسألهاــ علام ياوصيفتي؟’
مئزر العرائس
6ــ المنديل ــ المنديل الذي سمّاه المحقق المنديل المسحور وتناقل الناس اسطورته في المدينة وكيف انّ امّ عطيل اعطته ايّاه ساعة احتضارها واوصته ان يعطيه لزوجته التي يختارها فيكون سببا لازدهار حبهما وحاميا له ولم يكن منديلا بل هو اشبه بمئزر من هذا النوع الذى ترتديه العرائس في الشرق ليلة عرسهن ــ لقد حوّل الصائغ منديل شكسبير الى نوع من الملابس الداخلية ــ هذا هو منديل التثبيت المسحور الذي عصف برجولة عطيل الابن وخرّب صلته بزوجته التي احبها بجنون لقد كانت آمال الام المعلنة مفعمة بالحرص على هناءة ولدها وسعادته وارادت ان تسلّحه بـ رُقية تحفظ شجرة حياته الزوجية من الذبول والانكسار وتحملها وتمدها بدعاء امّ حانية غيور على رخاء ابنها النفسي وازدهاره، ولكنها في الباطن، قد تكون قد أمدته بمنديل التثبيت ــ ضع في ذهنك أيها القاريء هذا العداء المستحكم بين الأم وزوجة الإبن ــ منديل المحارم المسحور الذي دمّر قدرات إبنها الجنسية وخرب علاقته بحبيبته لقد ربطه هذا المنديل ــ المئزرــ مئزر العرائس ــ وجعل مشاعر الأثم تكبح إندفاعته الجنسية الملتهبة تجاه موضوع حبّه الذي بات ــ بفعل المئزر ــ محاطاً بسور يصعب إجتيازه ناهيك عن الهالة الباهرة التي أعادت ذكرى ذلك الإرتباط المحرمي في لاشعور الأبن كان شعور بالخيانة خيانة موضوع الحب الأصلي يشتعل قي أعماقه ويكويه بناره فصار لزاماً على أناه المعذّب أن يخفف شيئاً من سياط لوعته فيرمي بقسط كبيرمن أثقال هذا الأحساس الممض بالخيانة على الآخرــ موضوع الحب الجديد ــ ديز ديمونة ،وفق معادلة قد يصعب الأمساك بها حين تسيطر على أبصارنا حركة الأحداث الظاهرة واحتدام صراعاتها أو حين ترفع مقاوماتنا رؤوسها وتشدّد قبضتها لتغشي أبصارنا وتضلّل بصيرتنا فنطلق إنتباهتنا الى أمام،بعيداً نحو الحال الراهن وأزمة الحدث المتأججة منكرين لما يجري الآن صلة جذريّة بتلك العلاقة المرجعيّة التي تأسست في الوجدان لتحكم بحفزاتها المكبوتة أو المستفزة حديثاً والتي لارادّ لحكمها إستجابة تجاه موضوع حبّ جديد يبدوبعيداً عن الموضوع الأصلي،إنّ شعوراً باطناً مستتراً لكن فاعلاً بأن خيانة فعلية على مستوى اللا شعورقد تحققت أو هي في طور التحقق بفعل الإرتباط الجديد، شعور يفضي الى شعور لاشعوري بالذنب ينبغي التخفف منه في هيئة تصوّر ظاهرــ فاعل أيضاً ــ لخيانة متوهمة مسقطة على مستوى الشعورتصيب الموضوع الجديد نفسه وكأنّ إنقلاب الأمر من الداخل الى الخارج يشبه العمل الحلمي Dream Work الى حدّ كبير حيث يضطلع الأخير بتشويه رغبة لاشعورية دفينة او حلّ صراع يقضّ مضجع الفرد، ففي الظاهر يبحث عطيل عن دليل يحسم شكوكه القاتلة التي باتت تحزّ قلبه، أرق وعذاب وغرق في بحر هذه العاهرة التي لا يصح أن يقربها رجل شريف’ ــ الخمرة التي كانت محرّمة عليه قبلاً لقد وهب عطيل هذا المنديل لأميليا الوصيفة ليعينها على أن تسترد قدرتها على محبة زوجها ياكو ، ولكنه كان في الواقع يحاول من ناحية أولى التخلّص من أداة الربط الأمومي، للتحرّرمن أشباح التثبيت على الرغبة الآثمةكما كان ــ من ناحية ثانية ــ يمهّد السبيل بمكراللاّشعور بعيد المدى، للهدف الأمثل الذي سنرى كيف سيصيبه بدقّة في ما بعدإنّه، في الحقيقة، يرمي بشباك منديله على موضوع جديد، موضوع هو الذي سيفعل فيه المنديل فعله المبارك كما رسمته الأم ولكن المربوط ليس بوسعه إسترداد حريّة إختيار موضوعه وانجاز فعله الجنسي دفعة واحدة خلواً من مضاعفات جريرة الأنعتاق من قيود الأسر الأمومي المحكم لقد اختار عطيل هدفاً متواضعاً تمثل في أميليا الوصيفة، الخادمة التي لا يلتفت إليها أحد ألهذا السبب نفاجأ بزيجات غير متوقعة لملوك وأثرياء من خادماتهم ووصيفات زوجاتهم واصرارهم الغريب على تلك الصلات؟ ثم عذاب الأبن اللاّشرعي والذي يأتي كتكفير من الأب الخائن الذي كان أوديباً من قبل الخ وهو موضوع من الدرجة الأخيرة في قياسات الصلات الرسمية لكنه ــ أي الموضوع ــ هو المؤهل لفك عقدة الربط انه الموضوع الذي لايستثير الآ الحد الادنى من مشاعر اثم الانعتاق والتحرر، هذه هي العروس التي يليق بها المئزر ــ هبة الأم وعطيتها ولكن لأطفاء ذلك الحد الأدنى من مشاعر الإثم الذي يمكن ان يعيق الإنجاز الرجولي، كان لزاما تغييب سطوة الرقيب لاطلاق الفعل الى اقصاه وهذا ما تكفلت به الخمرة
وفي كثير من الأحوال نجد أن سلاح الحب هو نفسه يكون سلاح الخيانة فيما بعد، فالمحب الذي يبعث برسالة حبّ الى حبيبته يجد لاحقا رسالة تدينها وتثبت جحودها ونكرانها، وتلك الزهرة اليانعة أو الخاتم الساحر الذي منحه لها في الموقف الأول الملتهب يجده بعد حين لدى منافس اخر او في موضع يشي بالخيانة وكأن الامر،نفسيا، هو تعبير رمزي بمرحلتين عن حالة الازدواج الوجداني تجاه الموضوع الأثير وكم هو عدد الاساطير والحكايات الخرافية التي تتحدث عن الظلم الذي يقع على المحبوب من خلال اتهامه بالخيانة وفق قرائن واهية وغير كافية؟ وها هو عطيل يقتنع بسرعة ان المنديل المسحور ــ المئزر الذي اعطته اياه امّه ساعة احتضارها ــ تصوّر امّاً وهي تموت تفكر بزوجة إبنها المقبلة، إنها تعبر في الحقيقة عن رغبة مضادة رفعت هامتها لحظة الوداع والإحتضار، اذ لمَ لم تعطه اياه قبل ساعة الاحتضار؟ ــ على حافة الموت تحضرنا اشدّ الرغبات كبتاً ولكن أعزها في نفس الوقت ــ على النفس ــ لماذا يسمّونها سكرة الموت ــ قد منحته ديز ديمونة لــ كاسيو في خلوة حبّ ناسياً ومتناسياً أنّه انّما منحه بنفسه للوصيفة اميليا وهذا النسيان له مبررّاته ودوافعه حنى لو كانت نتائجه كوارثية الطابع نحن في الواقع لا ننسى، نحن نتذكر ما نريد تذكّره وتغض ذاكرتنا بصرها عمّا لاتريد تذكّره، انه يؤمن بلا تردد بكلام كاسيو بدون ان يواجه نفسه بحقيقة عجزه او أن يواجه حبيبته بهذه الوقائع الملفقة.


روابط ذات صلة:



109

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
يوسف الصائغ منديل الأم المسحور
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البيت الآرامي العراقي :: الثقافية , الادبية , التاريخية , الحضارية , والتراثية Cultural, literary, historical, cultural, & heritage :: منتدى اعلام الطب والفكر والأدب والفلسفة والعلم والتاريخ والسياسة والعسكرية وأخرى Forum notify thought, literature & other-
انتقل الى: