البيت الآرامي العراقي




البيت الآرامي العراقي

سياسي ِ ثقافي ِ أجتماعي


 
الرئيسيةالرئيسيةبحـثالتسجيلarakeyboardsyrkeyboardدخول

شاطر | 
 

 عهدٌ سرمديٌّ فرنسيٌّ- ألمانيّ للصداقة والتعاون

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الشماس يوسف حودي
مشرف مميز
مشرف مميز







الدولة : العراق
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 5344
مزاجي : أكتب
تاريخ التسجيل : 02/01/2010
الابراج : السرطان
التوقيت :

مُساهمةموضوع: عهدٌ سرمديٌّ فرنسيٌّ- ألمانيّ للصداقة والتعاون   الخميس 24 يناير 2013, 6:21 am

عهدٌ سرمديٌّ فرنسيٌّ- ألمانيّ للصداقة والتعاون

مهما طالت الحروب وامتدت الخلافات بين الفرقاء، لا بدّ أن يأتي اليوم الذي يصحو فيه العقلاء إلى الخطأ في السياسات والاستراتيجيات لساسة بلدانهم. فالحروبُ كرٌّ وفرٌّ ولا تأتي بغير الدمار، والعاقل من يقرّرُ وضع حدّ لها خدمة للشعوب والبلدان، مشاركةً منه في بناء عالمٍ متحضّرٍ قائمٍ على القانون واحترام خيارات الآخر والقبول بالاختلاف معه، طالما أنه قابعُ في بيته ولا تمتدُّ يدُه لغيرِه.
هكذا حديثًا، كان الوضعُ بين العدوّين التاريخيين اللدودين، فرنسا وألمانيا، اللتين صحا عقلاؤهما على حقيقة مؤلمة وَصَمَتْ البلدين بصبغة حروب متتالية للحقبة بين 1870- 1954، والتي لم تأتي بغير الدمار والحقد والخراب. هذه الأيام، يحتفل البلدان الصديقان المتحالفان بالذكرى الخمسين لذلك العرس السرمدي الذي أنهى في 22 كانون ثاني 1963، حقبة تلك الحروب الأهلية بين شعوبهما، بفضل العقل الراجح لقادتهما، كلّ من الجنرال "ديغول" الفرنسي و"كونراد أديناور" الألماني، بتوقيعهما في باريس، على معاهدة الصداقة والتعاون السرمدية بين بلديهما اللتين أنهكتهما تلك الفترة المظلمة من تاريخهما وزرعت أحقادها بين شعوبهما وشلّت القارة الأوربية بأسرها. إنّ ما أثار المشاعر لدى مواطني البلدين الجارين هذه الأيام، أسفُهم على الدماء البريئة التي سالت دون مبرّر ثمنًا لطيش القادة والساسة في تلك الحقبة الزمنية، حتى حطّت الحرب العالمية بكلّ مآسيها أوزارها وانقشعت الغيوم المتلبدة وغارَ الطغاة إلى حتفهم ليلعنهم التاريخ ويضعهم في زاوية مزابله، وما أكثرها!
قد يسألُ سائل: هل كانت مآسي أوربا وخروجها منهكةً من أشرس حربٍ عالميةٍ عرفها التاريخ، هي السبب الحقيقي وراء التبدّل التاريخي في قاعدة الزمن والسياسة؟ وهل كان للعقل البشري دورٌ في ذلك التغيير الجذري بالصحوة الجديدة؟ أم إن إرادة العناية الربانية كانت الأقوى في فتح عيون البشر والعقلاء منهم للبحث في وسائل اتصالٍ أجدى مِن عمل الاقتتال والعنف الذي ضرب أطنابه طيلة تلك الفترة المظلمة من تاريخ هذه القارة؟ فقد تتالت الصحوات فيها بعد ذلك العرس السرمدي، حيث تلاه سقوط جدار برلين في 1989 وتوحيد ألمانيا في 1990، متبوعًا برخاءٍ عمّ البلدين والقارة الأوربية بأكملها لغاية الساعة، وهي تشهد تغييرات في اتجاه التوحيد على تنوّع مجالاته.
ديغول، رمز الحرية والبناء!
عندما سقط الرايخ الثالث بزعامة هتلر، لم تعد ألمانيا قادرة على فرض قوتها التي تجبّر بها ذلك المجنون قاسي الرقبة. فقد رضخت حينذاك للإرادة الدولية بتجريدها من كلّ تسليح وقوة عسكرية، أي أنها قد أُفقدت شجاعتها وجبروتها الذي كانت عليه أيام الهتلرية الطاغية. وقد وجدت نفسها ذات يوم، تستيقظ على أشبه ما يكون حلمًا سرياليًّا في حياة مواطنيها. إنه حلم العصر! عندما انبرى قادة البلدين المتهالكين لفتح صفحة جديدة من تاريخ العلاقات بين ألمانيا الخاسرة وفرنسا المنهكة. وجاءت كلمات "ديغول" بمثابة قرار الحسم في علاقات بلاده مع الجارة العدوّة ألمانيا عندما قال كلماته الشهيرة أمام وزرائه قبل تركه للسلطة:" ايها السادة، لا تنسوا ابدًا، أنْ لا بديلَ لفرنسا سوى بعقدها عهد صداقة مع ألمانيا". ومذ ذاك أصبح مصطلح الثنائي (كبل-Couple )، هو الرائج الاستخدام في وصف العلاقة بين الدولتين الكبريين اللتين تُعدّان اليوم، الذراع الاقتصادي للاتحاد الأوربي عالميًا. وبالرغم من احتمال بروز اختلاف في الرأي أحيانًا، إلا أنّ المركبة الأوربية تُجرُّ اليوم بحصانين قويّين، متعاضدين ومتماسكين في رباطٍ أشبهَ بالزواج الذي لا طلاق فيه. كما أنّ البدائل الديمقراطية بين البلدين تجد طريقها إلى تفاهمات اساسية في السياسة رغمًا عن الاختلاف في الجهات أو التيارات أو المحاور الحاكمة في أيّ من البلدين، سعيًا وراء خلق تفاهمات متزنة على صعيد الأزمات أو الحلول التي من شأنها تعزيز الدور الأوربي دوليًا.
ثباتٌ وعزمٌ رغم التحديات
اليوم، وفي ضوء التغييرات السياسية التي أتت بالرئيس الاشتراكي لفرنسا، يتواصل الحوار دون انقطاع، ولكنْ، من دون ارتجال في المواقف المصيرية، وذلك بالرغم من الطريق المحفوف بالصعوبات التي تفرضها السياسة الدولية المعقدة. فالمستشارة ميركل، "تعلكُ" المواقف مرارًا وتحسبُها بعقل راجح دون أن تتحدّى، وذلك قبل أن تفصح عن قرارِ مصيري تتخذه في المواقف الحساسة، ولاسيّما الاقتصادية منها، التي تشكل اليوم حلقة مهمة في أزمة أوربية خانقة تقضّ مضاجعها بسبب الكساد الضارب أطنابه عددّا من الدول الحليفة، ولاسيّما المعروفة منها مثل إيطاليا واليونان وإسبانيا والبرتغال وأخرى غيرها. وبالرغم من أنّ الأزمة الاقتصادية كادت تكون عالمية، إلاّ أنّ استمرارها بهذه الحالة قد تضطرّ أوربا لأن تتخذ قرارات حاسمة في وقت من الأوقات، بسبب إمكانية زعزعة كيانها الاتحادي، الذي يشكلّ ركنًا أساسيًا في الاقتصاد العالمي ومحورًا مهمّا في السياسة الدولية. لذا، جاء نداء الزعيمين في كلا البلدين في آخر زيارة للرئيس الفرنسي هولاند إلى المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في ايلول 2012، لتأكيد السير على خطى صانعي السلام في أوربا وبناتها المؤسسين، في السعي الحثيث لبناء بلدان هذه القارة وتعزيز تضامنها المشترك. فقد أدرك الجميع أن توأمة الروح الذي ابتدأ في 1963، وكذا نصيب أوربا من الأحلام الوردية، لا يمكن الركون إليهما إلاّ من خلال وحدة هاتين الدولتين التوأمين، فرنسا وألمانيا، سعيًا نحو أوربا أكثر قوة وصلابة وفعلاً، ما يعني مزيدًا من المنعة لدورها على أصعدة كثيرة. وبذلك تكون اللبنات الأولى التي وضعها مؤسسوها، قد أتت بثمارها الكثيرة رغم الصعاب والمشاكل المتفاقمة. إلاّ أن هذه القارة، ستبقى عصيّة قائمة مادام الفكر المنفتحُ عاملٌ في عقول مواطنيها دون أن يتركوا ميراثهم في الديمقراطية والإنسانية واحترام حقوق الآخر والقبول بالمختلف عندهم، سائبًا للدخلاء عنهم من أصحاب العقول المريضة الذين يحاولون غزوهم منذ أمد. كما يتحتّمُ على قادة دول أوربا، أن يعوا حجم الخراب والدمار والتفكّك الذي سيعانونه فيما لو جرى اختراق بلدانهم من جانب دخلاء على بيئتهم الاجتماعية الليبرالية وطبيعة نظمهم السياسية المدنية. كما عليهم عدم التساهل مع أمثال هؤلاء الدخلاء، بحجة تطبيق معاهدات حقوق الإنسان ومبادئ الديمقراطية. فهذه المبادئ والحقوق لا تنسجم مع مْن يحمل الفكر التكفيري والحقد الديني وكذا مع مَن يرفض الطبيعة المسالمة المتسامحة مع كافة الأديان والقوميات والإثنيات والمعتقدات والتيارات، أيّا كانت. فقدْ بانَ في الأفق، ما يؤكّد هذه المخاوف في أوساط العديد من المجتمعات الأوربية التي فطنتْ متأخرة لهذه الحالة التي تكاد استفحلت، وما في اليد حيلة بعد أن جرت المياه من أسفلهم في غفلة من الزمن. فهل يتمكن عقلاءُ جددُ بوضع متراسٍ لصدّ مثل هذه الغزوات المستميتة التي لا تخلو من وصمة عدائية هدّامة تسعى لتقويض مثل تلك المجتمعات الآمنة؟

لويس إقليمس
بغداد، في 22 كانون ثاني 2013
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
عهدٌ سرمديٌّ فرنسيٌّ- ألمانيّ للصداقة والتعاون
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البيت الآرامي العراقي :: الاخبار العامة والسياسية General and political news :: منتدى أخبار العالم World News Forum-
انتقل الى: