البيت الآرامي العراقي




البيت الآرامي العراقي

سياسي ِ ثقافي ِ أجتماعي


 
الرئيسيةالرئيسيةبحـثالتسجيلarakeyboardsyrkeyboardدخول

شاطر | 
 

 هموم الأصالة والحداثة وأدعياء الشعر العربي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Dr.Hannani Maya
المشرف العام
المشرف العام



الدولة : العراق
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 37595
مزاجي : أحب المنتدى
تاريخ التسجيل : 21/09/2009
الابراج : الجوزاء
التوقيت :

مُساهمةموضوع: هموم الأصالة والحداثة وأدعياء الشعر العربي   الأحد 10 فبراير 2013, 12:38 am

هموم الأصالة والحداثة وأدعياء الشعر العربي


– February 8, 2013






غياب الأصالة في الفكر العربي
د. زهير ياسين شليبة
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
لا يمكن للطفل أن يجري سباق المائة متر وهو مازال يحبو .
عبد الله الطيب
مما لاشك فيه أن موضوع الحداثة أصبح في العقود الأخيرة من أكثر المواضيع النقدية تعقيدا في الأدب العربي، وفي الشعر بخاصة بسبب قدسيته المعروفة عند العرب. وأستخدمُ هنا كلمة قدسية الشعر لأنه ديوان العرب، يجسد مآثرهم وتاريخهم وحضارتهم وتقاليدهم. وجرت العادة على أن هذا الشعر لا يقبل التغيير إلا على يد شعراء لهم القدرة على تطويعه ولهم دراية ومعرفة عميقة بتقاليده.
ونلاحظ أن التقاليد الشعرية العربية مترسّخة في أمزجة العرب وأذواقهم الأدبية، لدرجة أننا نرى عامة الناس مازالت مرتبطة، حتى وقتنا الحاضر ــ بالشعر القديم، رغم أنها تجد صعوبة كبيرة في فهمه. وعلينا أن ندرك أن للقافية والوزن دورا كبيرا في ترويج القصيدة الشعرية وانتشارها، وانه أيضا مازال يحتفظ بأهميته
من ناحية أخرى، نجد أن عدد القائلين بإضمحلال الأشكال الشعرية التقليدية القديمة، بل موتها ــ يزداد يوما بعد يوم منذ العقود الثلاثة الأخيرة. وازداد أيضا عدد الشعراء الرافضين لكل علاقة بالتراث والأوزان والتفعيلات. تزخر المكتبة العربية اليوم بعناوين كثيرة من شعر الحداثة وبأسماء جديدة تظهر باستمرار في هذا الميدان ومع ذلك فإن هذه الحركة الشعرية مازالت معزولة عن الأوساط العامة في الناس والمثقفين ومنتجي الثقافة، وقد سمعت أكثر من شاعر تجاوز عمر الشباب عبروا عن انزعاجهم لأنهم لم يكونوا معروفين لدى الأوساط الثقافية على الرغم من دواوينهم الكثيرة.
وعلينا أن نأخذ بنظر الاعتبار أن بعض الأطراف العربية البعيدة عن المركز ذات الارتباط الوثيق بالتراث والتقاليد لا يعرف قراؤها شعراء الحداثة، ولا يرغبون في قراءته، بل إن أجوائهم الاجتماعية وحياتهم البسيطة والواضحة لا تتلاءم مع غموض هذا النوع من الشعر وتعقيداته الكثيرة.
مابعد الحداثة
ــ أين إذن تكمن المشكلة؟ ومن أين جاءتنا ظاهرة الحداثة؟
إن مصطلح حداثة ذو دلالة معجمية عربية تعني الجديد أو الحديث إلا أن علماءنا القدامى لم يستخدموه إشارة إلى التحولات الجديدة التي طرأت على الشعر العربي منذ القرن الثاني الهجري. وكلمة الحداثة تعود إلى أصلها المعجمي حدث ، واستخدم الباحثون مصطلحات مختلفة مثل التحديث والتجديد والحديث والمعاصرة وغيرها، إلا أن مصطلح الحداثة لم ينتشر إلى بعد ترسيخ الشعر الحر في الأدب العربي.
فهل هناك اختلاف بين هذه الحداثة التي نسمع عنها اليوم وبين التجديد الذي قدمه شعراء البديعيات في العصر المملوكي والعثماني، أو التجديد الذي ادخله البارودي عندما بعث الشعر العربي في العصر الحديث، وأحمد شوقي عندما أسس مدرسة البيان ووفق بين الحياة المعاصرة وضرورات الشعر التقليدي، أو ممثلي جماعة المهجر الذين اخذوا باللغة العربية نحو البساطة، والشعراء الرومانتيكيين من جماعتي الديوان وأبوللو الذين اقتربوا من موضوعات الحياة اليومية، أو على الأقل طالبوا بذلك؟
وإذا أردنا أن نجيب على هذا السؤال فمن الأفضل لنا أن نطلق مصطلح ما بعد الحداثة على حركة الحداثة الحالية لكي نميزها عن النزعات التجديدية السابقة، التي لم تنفصم عن التراث ولم تعارضه.
وعندما نقارن بين شعراء جماعة الديوان مثل عبد الرحمن شكري والعقاد، أو خليل مطران الذي لم يختلف عنهما كثيرا في انتقادهما لشوقي، وبين شعراء الحداثة المعاصرين فإننا سنجد أن الاختلاف الرئيس يكمن في أن المجددين الأوائل كانوا ينتمون إلى حركة تجديدية أو نزعة تحديثية نابعة من الواقع الثقافي المحلي وتأثرهم، بطبيعة الحال، بالآداب الأجنبية. وعندما رفض جماعة الديوان أسلوب احمد شوقي لتمسكه بضوابط القصيدة العربية القديمة، التي لم تعد تلائم العصر، لم يتهجم هؤلاء الشعراء على التراث ولم ينادوا بدعوات ترفض البيان العربي، ولم يطرحوا في الوقت نفسه أفكارا ارتجالية سريعة متناقضة مع الواقع الثقافي العربي. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى كان هؤلاء الشعراء التقليديون أقدر من شعراء الحداثة المعاصرين على مواجهة القديم بسلاحهم النقدي الجديد، لأنهم كانوا على صلة وطيدة بالتراث وعلى اطلاع بالآداب الأجنبية على عكس معظم الحداثويين، الذين لم يولوا اهتماما بالشعر العربي القديم ولا بالنزعات التجديدية فيه التي ظهرت في العصر العباسي ولا بالأشكال الهندسية والبديعة التي ظهرت في العصر المملوكي. المشكلة بالنسبة للحداثة العربية أنها أصبحت مزمنة ومتواصلة مع تعدد الأجيال. وانا هنا لا أقصد بالتأكيد الشعراء الموهوبين الذين في النهاية استطاعوا ان يوفقوا بين التقاليد والتجديد. لكن الصعوبة كمن في أن يأتيك شاعر شاب بديوانه الذي لا يمكن أن تنتقده إذا كان خاليا من الوزن والإيقاع والبيان، لأنه سيقول لك بكل بساطة إنه لا يؤمن بهذه القيم الشعرية..إنه من شعراء الحداثة وهذا يعني إن الشعراء المبتدئين من المواهب الضعيفة يستغلون حالة التخبط الشعري هذه مع يقيني بأن البقاء دائما للأصلح وللمواهب الحقيقية.
ولو أردنا أن نرجع إلى جذور الحداثة الأوروبية لوجدناها مختلفة عن وضعها الحالي. يرى الفرنسي جان ماري دوميناك، رئيس تحرير مجلة ESPRIT السابقة، في كتابه مقاربات الحداثة ، بأن الحداثة بدأت في أوروبا قبل مائتي سنة وهي مازالت مستمرة حتى وقتنا الحاضر. ويعتقد أن النقاش حول الجديد والحديث ظهر في القرن الرابع عشر، إلا أنه يقسم الحداثة إلى ثلاث مراحل الحداثة الأولى ابتدأت برأيه في نهاية القرن الثامن عشر وانتهت بنهاية القرن التاسع عشر 1780 ــ 1880 ، أما الثانية منذ نهاية القرن التاسع عشر وانتهت في النصف الثاني من القرن العشرين 1880 ــ 1960 ، أما الحداثة الثالثة فهي مستمرة حتى وقتنا الحاضر الذي يشهد أحدث أنواع التقنيات في المجال الأليكتروني والحاسوب الآلي مما له تأثير كبير على عقول البشر، المشغولين في أوروبا بمختلف أنواع التقليعات والصرعات والفساد الاجتماعي بدءا من الثورة الجنسية في الستينات مرورا باللواط وتناول المخدرات بمختلف الأشكال، والمستقبل سيكشف لنا عن خبايا لا نعرفها من ممارساتهم الجديدة.
فالحداثة الجديدة هي إفراز من إفرازات مجتمع يختلف بقيمه وتقاليده ومفاهيمه وتطوره عن المجتمع العربي اختلافا كبيرا. وهذا ما يجب أن يأخذه شعراؤنا المعاصرون والحداثويون منهم بخاصة بالحسبان.
ويُعد موضوع التجديد والحداثة من المواضيع الهامة في الآداب الأوروبية أيضا، وتشير كتب تاريخ الآداب الأوروبية إلى أن ماثيو أرنولد قد ألقى سنة 1857 محاضرة في جامعة أوكسفورد عن العنصر الجديد في الأدب فاعتبره يمثل السكون والثقة والنشاط العقلاني الحر والاحتكام إلى العقول عند الاختلاف في الآراء والتسامح…ولكن سباقة ومتلائمة مع المجتمعات الأوروبية التي تجاوزت فترة الأدب التنويري وأنجزت أهدافه التنويرية.
فالحداثة الأوروبية لها عمر طويل أكثر بكثير من عمر نظيرتها العربية، وهي إفراز من إفرازات الأوروبيين في حياتهم الجديدة بعد أن تجاوزوا صعوبات مختلفة ووصلوا إلى مستوى عال من التطور العلمي والضمان الاجتماعي، ولكنهم حصلوا في الوقت نفسه على أمراض اجتماعية كثيرة أهمها الغربة وانفصال الذات عن المجتمع، والانغلاق على النفس، عندها يصبح من السهل فهم أعمال دوستويفسكي وفوكنر وإيليوت وغيرهم.
أما الحداثة العربية فأقول إنها ناقصة أو عرجاء مثل التنويرية لأنها مفتعلة ومعزولة عن حركة المجتمع ولأنها حدثت في فترة زمنية قصيرة، ولأنها لا تتناسب مع تطور المجتمع العربي الذي لم يتعرض لتغييرات كبيرة، فمازال يعاني من البداوة حتى في الحياة السياسية، ومازالت الآراء تُصادر بسهولة، والجيوش تتحرك حسب أهواء الزعماء ومازالت المصطلحات العلمية والكتب المترجمة يعلوها الغبار في المكتبات، ومازالت بعض الدول العربية تعيش حياة قبلية بكل معنى الكلمة.
قراءة دستويفسكي
الحداثة العربية ظهرت في المركز منعزلة عن الأطراف والتطور الجماهيري الاجتماعي وبقيت مرتبطة بالمثقفين والبناء الفوقي ومحصورة بين فئة محدودة من المثقفين او كتّاب البروج العاجية وجماعات الوقت الضائع. ولا يعني هذا انتقاصا من المجددين بل إن وضعهم ونتاجاتهم معزولة عن حركة المجتمع وتطوره.
أود أن أقول للشعراء الشباب من الذين يلهثون وراء الغموض والرمز والتعقيد والافتعال، بأن هذا اللون من الشعر لا يجد آذانا صاغية في مناطق خارج حدود المثقفين. فمن السهل عليك أن تقرأ دوستويفسكي وتفهمه في بريطانيا أو في أي عالم مزدحم بالشوارع والدهاليز، بينما ستجد صعوبة كبيرة في قراءته في الصحراء أو في بيئة بسيطة. ولهذا لا يجب ممارسة الحداثة بدون فهمها والتسلح بالموهبة والالتصاق بالبيئة المحلية بالدرجة الأولى كي تكون القصيدة نتاجا اصيلا حقيقيا.
إذا أردنا أن نؤرخ حركة الحداثة العربية فيجدر بنا أن نبدأ من تجارب الشعر الحر الأولى التي جابهت صعوبات كثيرة، ومع ذلك نستطيع أن نقول إن روادها كانوا على دراية بالتراث والشعر القديم، وكانوا أصحاب مواهب حقيقية وهنا يكمن سر نجاحهم. أما بعض النتاجات الضعيفة التي تحاول الإدعاء بالانتساب الى الحداثة الحالية وتتعكز عليها فهي إفراز من إفرازات وضع بعض المثقفين العرب المحبطين من الذين يتصورون أن خروجهم عن المألوف ورفض التابو يشفع لهم ويجعلهم من الشعراء المشهورين. ومن المؤسف أن هذه الحركة تظهر في جو عربي غير مستقر وغير منسجم مع التطور العلمي العاصف في أوروبا وأمريكا، فالإنسان العربي مازال حتى يومنا الحاضر يعاني من اللا إستقرار والهموم المرتبطة بحياته اليومية كتأمين كسرة الخبز والحصول على الضمان الاجتماعي، هذا إضافة إلى الهم القومي والديني بسبب وجود كيان غريب في جسم الأمة مما أدى إلى إنهاك قوى الناس وانشغالهم به. ولعل أحداث الربيع العربي خير دليل على صحة رأينا.
ومازالت أوساط واسعة من القراء العرب تبدي إعجابها بالشعر القديم عندما تقرأه أو تسمعه، بل مازال الكثيرون يسخرون من قصيدة التفعيلة الواحدة أو الشعر الحر، أما قصيدة النثر أو شعر الحداثة الجديد فلم يتعودوا على سماعه واستيعابه حتى وقتنا الحاضر. وهذا يعني أن الحداثة مازالت برجا عاجيا وغريبة على الكيان الشعري العربي ذي الجذور العميقة في المجتمع، وتنطبق هذه الفكرة بشكل خاص على بعض الأوساط الثقافية في المجتمعات العربية، التي لم تحصل على فرصة الانفتاح والالتقاء بالثقافات الأجنبية.
لقد لمست هذا بنفسي عندما مارست في الثمانينات مهنة التعليم الجامعي في إحدى الدول العربية التي ينطبق عليها الرأي الوارد أعلاه، وتعرفت على الكثير من أساتذة الأدب في الجامعات ممن لا يتذوقون الشعر الحر، ولكنهم يحاولون تفهمه في بعض الأحيان، أما شعر الحداثة الجديد فهم يعتبرونه هلوسة وفوضى كلمات ليس إلا.
فهل يصبح بعض شعرائنا الحداثيين لسان حال الحداثويين الأوروبيين؟
وهنا يحضرني خبر قرأته إحدى المرات قبل عدة سنين في الصحف العربية، خبر يقول إن ثلاثة شعراء عرب من ذوي الشهرة والسمعة في بلدانهم وفي البلدان الأجنبية، يحتفلون بشاعر فرنسي مقيم في بلاده. لقد توقفت عند هذا الخبر واحترت له، فكيف يحتفل الضيف بصاحب الدار، وكان الأولى أن يحتفل الشاعر الفرنسي بضيوفه الشعراء الثلاثة المقيمين في بلاده
إننا بحاجة ماسة إلى المزيد من الأصالة في التعامل مع الخطاب الفكري الوافد من الخارج سواء كان شعريا أم نثريا أم نقديا، وهنا أذكر ما قاله الناقد غالي شكري، فقد صرح مرة لست سكرتيرا لرولان بارت أو لوسيان غولدمان ولا وارثا لهما ولست مدير دعاية لكتابات جريماس أو تودوروف. وقد أورد غالي شكري قصة احد الطلبة العرب الدارسين في جامعة السوربون، والذي أراد أن يطبق أفكار جريماس ومفاهيمه على نصوص شعرية عربية، فرفض جريماس نفسه هذا الأسلوب واعتبره دبابة تسحق زهورا صغيرة، هي الشعر العربي الحديث. ونفس الشيء يقال عندما نقع فريسة الصرعات النقدية في مجالات أخرى مثل الرواية، فننشغل مرة بباختين ومرة أخرى بتودوروف أو لوكاش وأخرى بالبنيوية و المورفولوجيه والشكلانيه والسردياتيه وغيرها. وهذا نقص كبير في الثقافة، لأنها تنشغل باستهلاك الجديد من الثقافات الأخرى ولا تتفاعل معها وتبدع أطروحاتها وتنظيراتها.
إن الحداثة يجب أن تكون نتاجاً لتطور المجتمع بحيث تصبح متناسبة مع عقول أغلب المتعلمين العرب وأمزجتهم لكي يمكنها أن تقوم بدورها في الحياة. إن من يرفض الأوزان الشعرية عليه أن يفهمها ويتعلمها لأنه قد يحتاج إليها في حداثته أيضا، فهي اللا محدود في الإبداع وليس اللامحدود في البحث عن الأشكال السهلة، وان الأشكال الهندسية التي ابتدعها شعراء العصر المملوكي فيها الكثير من الحداثة وفيها القدرة الهائلة من المواهب الابداعيه ولكنها كرست لفنون البديعيات، ومن هنا يرى بعض النقاد أنها مجرد مضيعة وقت ليس إلا.
من المؤسف أن بعض الأشكال المختلفة من الحداثة لا تمت بصلة مع الواقع العربي، وهي مع الأسف الشديد ذات خصائص تخريبية في بعض الحالات، وبخاصة عندما يقوم قسم من الشباب غير المطلعين على التقاليد الشعرية القديمة، أو مثل أولئك الذين أسماهم البروفيسور السوداني عبد الله الطيب قبل أكثر من عقدين بـ الشعارين باستغلال الفوضى الثقافية والتصدي للموقف الأدبي وانتهاز فرص النشر المتاحة أمامه. وهذا لا يعني الدعوة إلى تضييق الخناق على حرية استيعاب الشعر القديم من قبل الأجيال الجديدة ومواقفهم الأدبية منه باستقلالية تامة، ولكن يجب أن يكونوا على معرفة جيدة به. ومن المؤسف أننا في وضع ثقافي لا يحسد عليه ولقد أشار إلى ذلك أكثر من ناقد، مثل المرحوم عيسى الناعوري الذي أشار قبل الانترنيت بأكثر من ثلاثة عقود من الزمن إلى أن أغلب الكتابات العربية المعاصرة تفتقر إلى المقومات الأدبية، وان طلاب الثانوية أصبح بإمكانهم النشر والتأليف إذا كانوا على حظ وافر من العلاقات الاجتماعية والصلات بالأوساط الأدبية ذات الممارسات البعيدة كل البعد عن الأدب..فهل هذا وضع أدبي يمكن له أن يفرز جيلا مسلحا بمعرفة عميقة عن أدبه القومي بحيث يحق له أن يصدر القرارات بشأنه؟. بل إننا نجد الأخطاء النحوية في الكثير مما يكتب اليوم، ولست أول من أشار إلى هذا الأمر فقد سبقني الكثير من الشعراء، والنقد العربي يتحمل مسؤولية كبيرة أمام وضع كهذا فإن فقدان الناقد الجاد المؤهل بثقافة نقدية عالية أفسح المجال للكثيرين بأن يسلكوا في عداد الشعراء وهم لا ينتمون إلى الشعر لا بالفعل ولا بالقول على حد تعبير الشاعر احمد عبد المعطي حجازي.1
شوقي والادب الاجنبي
من الطريف أن بعض شباب شعراء الحداثة، يرفض بعضهم بعضا، وهناك جيلان على الأقل من الشعراء الشباب منفصلان عن التراث ولا نجد في لغتهم ما يشير إلى أنهم قادرون على استيعاب التراث واستخلاص الجديد منه ليقدموه شعرا حديثا حداثويا أصيلا فأنا اتفق مع ادونيس عندما يقول أطالب بالانفصال عن الرماد، لاعن اللهب لكي يستطيع الشاعر أن يخلق صورة جديدة على حد تعبيره.2
ولكن قبل أن ينفصل الشاعر عن الرماد عليه أن يُكوى بالنار لكي يتحمل لهبها وقبل أن ينفصل عن التراث لابد له من معرفته له بعمق، لكي يتم كل شيء عن دراية ومعرفة وتأن وبدون ارتجال أو تأثير خارجي.
أعتقد أن البارودي وشوقي وحافظ والرصافي.بل والجواهري وبدوي الجبل والبردوني وغيرهم استطاعوا التوفيق بين الشكل التقليدي وحاجات العصر الذي ينتمون إليه، ولا يمكن في الوقت نفسه أن ننكر قدرتهم على الربط بين التراث والمعاصرة ومعرفة أذواق المجتمع، وإلا فكيف نفسر انتشار شعرهم في كل الوطن العربي؟
برأيي أن سبب نجاحهم يكمن في موهبتهم الشعرية وثقتهم بنفسهم في استخدام إمكاناتهم اللغوية وعدم انفصالهم عن تراثهم.
ومما لاشك فيه أننا لا نريد أن يُفهم من حديثنا هذا على أنه ضد الحداثة الحقيقية ورموزها الموهوبين أو أنها دعوة موجهة للشعراء الشباب لوصف الناقة كما فعل البارودي عندما وصف مغامرات وهمية في مجتمع قبلي لاعلاقة لمصر القرن التاسع عشر به، أو حافظ إبراهيم الذي وصف رحلته بالقطار كما يصور الشاعر الجاهلي رحلته وهو على ظهر ناقته، ولا ندعوهم أيضا إلى نظم الشعر كما فعل القدامى أو المحدثين، بل إن الذي نتمناه لهم هو العمل الجاد والدؤوب من أجل المعرفة المتعددة الجوانب كي يمكنهم تحقيق حداثة اصيلة. وألا يتصوروا أن كل ما يُكتب من خواطر وتداعيات وأفكار عن الممنوعات والتابوات بصوت عالٍ هو شعر حداثوي حقيقي. وإن اللغة المفتعلة والمليئة بالتلاعب بالألفاظ والمجازات والتوريه أو بالعكس البسيطة وغير الفنية يمكن ان تكون شعراً.
لا بد لنا أن نتذكر بأن شوقي كان على معرفة جيدة بالآداب الأجنبية إلا أنه لم يستعر منها غير المسرحية، التي كان الأدب العربي بحاجة إليها، واستطاع فعلا أن يدخلها ببراعة.
كانت ثورة مطران وغيره من جماعتي أبوللو والديوان مقبولة بل أصبح العديد من أفكارها وأهدافها مثل وحدة القصيدة وعصرنتها والاهتمام بالمعنى وعدم اللهاث وراء البيان والبديع والاهتمام بالذات والخيال وغيرها، من المسلمات في النقد العربي. وعلى الرغم من تأثر عبد الرحمن شكري ومطران وغيرهما بالآداب الأوروبية إلا أن دعواتهما لم تكن استفزازية بالنسبة للتراث، ولم ينفصلا عنه، كما فعل جماعة شعر باستثناء بعض المواقف المعتدلة التي طرحها الشاعر والمنظر الموهوب أدونيس.
أهم ما يمكن أن يثير الانتباه في نشاط الشعراء الشباب منذ الثمانينات، هو لهاثهم وراء التقليعات الأدبية والنقدية بدون معرفة حقيقية لها لدرجة أن نصوصا شعرية تدعي الحداثة تفتقد جماليتها بسبب الغموض المفتعل والرمز الدخيل على النص.. وكل هذا يحدث من أجل كسب سمة الحداثة، التي أصبحت تعني الغرابة بالنسبة لهم.
1 مجلة ابداع، العدد9»1985 صــ8.
2 ادونيس زمن الشعر، دار العودة، 1978 صــ228.

روابط ذات صلة:

9241

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
هموم الأصالة والحداثة وأدعياء الشعر العربي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البيت الآرامي العراقي :: الثقافية , الادبية , التاريخية , الحضارية , والتراثية Cultural, literary, historical, cultural, & heritage :: منتدى الشعر والادب بالعربية المنقول Forum poetry & literature with movable Arabic-
انتقل الى: