البيت الآرامي العراقي




البيت الآرامي العراقي

سياسي ِ ثقافي ِ أجتماعي


 
الرئيسيةالرئيسيةبحـثالتسجيلarakeyboardsyrkeyboardدخول

شاطر | 
 

 صلاح نيازي غصن مطعم فـي شجرة غريبة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
كريمة عم مرقس
عضو فعال جداً
عضو فعال جداً



الدولة : العراق
الجنس : انثى
عدد المساهمات : 24429
مزاجي : أحب المنتدى
تاريخ التسجيل : 31/01/2010
الابراج : الجدي
التوقيت :

مُساهمةموضوع: صلاح نيازي غصن مطعم فـي شجرة غريبة   الأحد 10 فبراير 2013, 3:58 pm


صلاح
نيازي

غصن
مطعم فـي شجرة غريبة


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]


تطالع صحيفة "العالم" قراءها بكتاب الشاعر والمترجم
العراقي صلاح نيازي المقيم في لندن، والكتاب الذي يحمل عنوان (غصن مطعم في شجرة
غريبة) هو سيرة ذاتية للشاعر يتناول فيها مراحل حياته التاريخية التي بدأت عام
1935، مشكلا في الوقت نفسه وثيقة ثقافية وسياسية عاش الشاعر أحداثها والتقطها عبر
تجارب غنية تشكلت خلالها تجربة إبداعية تعددت محركاتها وحواضنها ومجرات تأثرها
وتأثيرها.

إنه كتاب إبداعي بامتياز تنشره العالم في حلقات ومن
المؤمل صدور طبعته الثانية قريبا عن دار "ميزوبوتاميا" في بغداد.


الحلقة السادسة

توقف القطار عدّة مرات بين حلب وتركيا، وسمعنا إطلاقات
نارية تشتدّ وتخفت. عرفنا أن قتالاً معتاداً يدور بين الشرطة والرعيان والمهربين
على حدود البلدين، ولكن ما أن دخلنا حدود تركيا حتى وقف القطار وكأنه برك بلا
أقدام.

صعد البوليس التركي. وجوههم لا تقبل المساومة.

أطل ثلاثة شرطة على مقصورتنا وتفحصوا الوجوه. كنتُ أشعر
بطمأنينة، لا لأنهم تجاهلوني نهائياً، لكن عدم معرفتي بلغتهم أصبح حاجزاً أميناً
بيننا.

أشاروا إليَّ بالقيام، وانزلوني من القطار، وبعد دقائق
انزلوا السوريين الثلاثة والشاب الأحدب. ذهبوا بالأربعة إلى مخفر الشرطة. بقيت
واقفاً. انتابني شعور غريب حقاً وأنا بين القطار ومخفر الشرطة. مرّة أخرى شعرت
بأنني منقطع الجذور، وأن مصيري شيء لا يُؤبه به، شيء تافه ورخيص.

مضى على وقوفي بين القطار والمخفر حوالي ربع ساعة، كان
الجوّ بارداً إلى حدّ ما، لكن البرودة أخذت تزداد مع خوفي وانقطاع الأمل.

جاءني شرطي بابتسامة غليظة يحملها بعنف تحت شاربين كثّين
بثخن إصبعين، قال أشياء تركية، واشار لي بالصعود إلى القطار.

دخلت المقصورة فاذا كلُّ شيء قد تغيّر. كان ما يزال
شرطيان في المقصورة، منهمكين في فتح ألواح المقصورة الخشبية، ومن شباك النافذة
تكلموا إلى شرطة المخفر بصوت عالٍ سريع. أُنزلت عشرات أطوال القماش المهربة (كان
هذا بلاشك سبب منعهم لي من دخول المقصورة بحلب). أشاروا إلى البذلات الثلاث، فأومأت
أنها ليست لي. لم تبق إلا العجوز المتدثرة التي أخذ أنينها يزداد، بينما أخذت
لازمتها:”الله يفضحك” منحىً شرساً.

لم يرجع السوريون الثلاثة، إلاّ أن الشاب الأحدب، وعلى
وجهه إمارات خيبة عميقة، ظل حتى داخل المقصورة يتحدث إلى الشرطة بتوسل ويشير إلى
امّه التي غاص وجهها الآن تحت اللحاف، فأصبح الأنين مكموداً، وكأنها قررت الموت على
طريقتها الخاصة. نزل البوليس، وتحرّك القطار. بات وجه الشاب الأحدب منسحقاً. وقف.
راح ينظر في الممر، وقال لامّه المتدثرة:”يالله قومي”.

صاحت قبل أن تقوم:”الله يفضحك” بحرقة. دارت على نفسها
عدّة مرات، ونزعت أكواماً من لفات القماش المهربة الملفوفة على جسمها، فاذا هي
امرأة هزيلة الجسم ومعافاة. لم نتبادل أية كلمة بعد ذلك، وحين نزلنا من القطار لم
نقل وداعاً.

كنت في حالةٍ من الحذر والضياع عسيرة، وفي رأسي صداع داوٍ
كامد. كيف نزلتُ من القطار، كيف صعدت على الباخرة إلى اسطنبول، من دلّني على
الفندق، كيف وصلتُ إلى الفندق، هل وصلت إلى تركيا صباحاً، ظهراً، ليلاً؟

ما أذكره فقط انني ذرعت شارع “استقلال جادة سي” عشرات
المرّات في الليل. حركة الشارع مختلفة، الأضواء مختلفة، الازياء مختلفة، واجهات
المخازن مختلفة، اللغة مختلفة. في ذلك الليل كنت أعيش بداية حلمٍ وأنا صاحٍ، حلم لا
يمكن له أن يتحقق ببغداد، ولو غيّرت جلدي مئات المرات.

ها أنذا أعيش بداية حلمٍ وأنا صاح، لا أعرف أحداً، ولا
يعرفني أحد، أية نعمةٍ هذه! شعرتُ لاوّل مرّة أنني عثرت على طاقية الاخفاء، وها
أنني متخفٍّ، لا أعرف أحداً ولا يعرفني أحد، أية نعمة هذه! حتى للسكارى نكهة خاصة
في البلد الغريب. لاوّل مرة في حياتي أمارس دور المتفرج. لي حرية الفرح والحزن. لي
حرية النظر والسمع، والسير والوقوف كما أشاء. لاوّل مرّة أمارس حريّتي كما أشاء.
لاوّل مرّة أنتزع من حناياي، قيود اللغة. شعرت بانفلات.

في مسرح بغداد لا وجود لمتفرّج. كلهم ممثّل وكلّهم مسؤول
عن تمثيله.

اللغة ببغداد أكبر عائق للتفاهم. نؤلف لها الكتب، نقننها
نحواً وصرفاً. نعربها فعلاً وفاعلاً ومفعولاً به، نزيدها قيوداً فتثأر لنفسها
وتزيدنا قيوداً. شعرت باسطنبول بانفلات، ونمت تلك الليل وكأنْ على عشرين مخدة وفراش
من ريش وحرير. كيف صحوت، اين فطرت، كيف ذهبت إلى محطة القطار، في أية ساعة.

مرّت المدن التركية والقرى من نافذة القطار، وكأنها تومئ
بالسلامة. ركض رعيان صغار واصطفوا يومئون. بدأت الجبال تأخذ صفة دينيَّة كبيرة
وقورة. مساقط المياه، ضياء ذائب. لا شيء في الطبيعة أنبل من النهر، ولا شيء أجمل من
تعرّجاته. النهر اكبر معزوفة على الأرض.

خرج القطار من تركية فانغمرت بنشوةٍ فسيحة.

كنت أقيس سعادتي بقدر نجاتي. ها أنَّني نجوت الآن.
المسافة بيني وبين بغداد، تزداد بعداً، فازداد انتشاء.

“كانت امنيتي الوحيدة لا الوصول إلى لندن، لا العيش فيها،
ولكن الموت في مكان آخر، الموت بإرادتي، اردت “أن أحسّ اللذة السوداء في الوفاة”
... أردت ان اختار نوع موتي، كما اختار السهروردي موته. كان أشقَّ شيء عليَّ أن
يشفي قاتلي غليله. أن أموت تحت قدميه وآلات تعذيبه مهاناً مذلاً. أمنيتي أن أحرمه
من إشباع حقده”.

غمرتني النشوة ثانية، حينما تفتحت أمامي أوروبا خضراء
شاسعة. إذن ـ قلت لنفسي ـ هذه اوروبا وكلّها قبر لي، ومرّة واحدة شعرت بلذة
الانتصار، كَمَنْ يخاف المشنقة فيتلذذ بقرصٍ للموت. الآن استطيع أن أقرر مصيري في
أية لحظة. أصبحت إرادة موتي بيدي، وهو حق لا أريد لأحدٍ أن يفرضه عليَّ بالتجويع
والتعذيب والإذلال. قررت أن لا التفت إلى الوراء بعد اليوم. أحببت القطار لأنه كان
يخبُّ بقوة إلى الامام. يدخل في الأنفاق الجبلية المظلمة ويخرج بقوة إلى الامام.
هديرك ايّها القطار أجمل تهويدة أمّ في أذني اليوم.

في الممر الضيّق، اعترضتني أربعة عيون طفيليَّة، شيّعتني
إلى المراحيض، وعند عودتي وقفتْ في طريقي، فتعثرتُ بها.

الأخ عراقي. عرفناك رأساً.

كانا متلصقين بذلّ حيوانين تائهين. في الثلاثين من
عمرهما. تاجران في طريقهما إلى ألمانيا. لا يعرفان أية لغة. النعمة المتشنجة بادية
على وجهيهما وفي عيونهما حيل.

مع ذلك ذكرت العراق بحنان، وفاض جسدي حنيناً دامعاً.

غيّرا وجهتهما بـ “ميلان” وقررا المجيء إلى لندن بدلاً من
ألمانيا.

اقترحا بكرمٍ وأريحيَّة أن نبقى بميلان ليلتين للراحة،
على أن يدفعا مصاريفي، مقابل مساعدتي لهما في الترجمة.

عاثا فساداً بأجساد النساء المارّات، والنساء الواقفات،
والنساء الجالسات، ولم تسلم منهما حتى النساء في السيارات. يعلّقان على كل عجيزة،
وما من عجيزة استجابت، وشبعا احتقاراً. خافا من لحم الخنـزير فامتنعا عن أكل لحم
الضأن، وتصوّرا لحم الدجاج لحم غراب، وما من امرأة. تعبا من الاستمناء لدرجة اصفرار
الوجوه.

قال الأكثر تجارة منهما، ونحن في منتصف النهار:

ـ آه لو كنت ببغداد الآن، نائماً على حصيرة قرب الحائط،
وأنادي على أمّ الاولاد، بثوبها الرقيق الشفاف. أطلب منها قدح ماء. ثم اقول لها ما
هذا وراءك؟ وحين تلتفت إلى الخلف أرش الماء على ثوبها فيلتصق بجسدها.

قررا النوم مبكراً هذه الليلة، يتخذان قراراتهما في الأكل
والشرب والنوم والتعب والفرح والتعاسة معاً. يقرآن نفسية بعضهما بعضاً بيسر. ويعرف
كل واحد ما يدور برأس الآخر من أفكار. غداً عصراً سنغادر إلى لندن. كانا سناداً لي
من الوحشة التي كنت أشعر بها. تأخرا في النوم حتى الساعة العاشرة صباحا .سألت
المسؤول في الفندق عنهما:

ـ غادرا هذا الصباح في الساعة السابعة إلى ألمانيا.

ـ والحساب؟

ـ دفعا حسابهما فقط.

ـ لكنني لم آكل بنهم كما أكلوا، ولم اشرب خموراً غالية
كما شربا، ولم اطلب ساندويشات إضافية، كما طلبا.

دفعتُ حسابي، وأحسست ببكاء ما . لا فرق. جئت لأموت ولا
يهمُّ متى. أعيش هدنة مع الموت قد تطول وقد تقتصر.

لعقت الجرح، وقررت الذهاب لزيارة مبنى أوبرا “لاسكالا”
وكاتدرائية “دوومو”. لماذا؟ رغبة لا يحسها إلا المحتضرون الذين يريدون ان يتزوّدوا
ساعة الوداع برؤية ما كان عزيزاً عليهم . أو ربما أردت باللاشعورأن أغير خريطة
الماضي وأستبدلها بخريطة أخرى .

- أستاذ صلاح، استاذ صلاح. أنا تلميذك في المدرسة
“الجعفرية” هل نسيتني؟ جئت لإجراء مفاوضات لاستيراد أقمشة وبذلات وقمصان. استاذ
يبدو عليك التعب. استاذ هل تحتاج إلى خدمة؟ تعال معي إلى المعمل .سأهدي لك بذلة
راقية وقمصاناً.

استاذ يبدو عليك التعب يا استاذ، تعال أغدّيك.

ـ شكراً سأسافر إلى لندن بعد خمس ساعات.

دخل عليَّ ابن الحلال هذا نفسه مرّة إلى غرفة المعلمين،
وفي يده رشاشة حقيقيّة، محشوّة باطلاقات نارية حيّة.

ـ صلاح (بلا استاذ)، هل صلّحت دفتر امتحاني؟ درجتي لا
تقلُّ عن تسعين من مائة. فهمت؟ أحذرك.

قبل أن يخرج، التفت إليَّ مؤشراً باصبع واحدة ونظرة
مفترسة صلبة: أحذرك.

كانت لندن مكسوة بثلج عالٍ قياسي عام 1963. الثلج يغطي
الشوارع والأرصفة والسطوح والأشجار. السيارات مغطاة بالثلج، وكذلك المعاطف. البخار
يخرج من الأفواه كثيفاً. جئت من بغداد بملابس صيفية، وصداع آلاف الكيلومترات، وحيرة
بحجم عصور.

مع ذلك، أحدّث نفسي، ها انني أعيش يوماً إضافياً. يالله.
وليكن ما يكون غداً. زادت طمأنينتي نسبياً بتغيّر البيئة: رمادية سماء لندن لأيام
طويلة، ثلج حتى على المداخن.لغة جديدة على الأذن. شقرة شعر وزرقة عيون. سير
السيّارات إلى اليسار. بيئة جديدة تبرهن لي في كل منعطف وواجهة مخزن، أنني نجوت،
وأنني اعيش يوماً إضافياً.

نجوتُ من خطر، ووقعت في خطر الموت جوعاً. قلت سأطيل أيامي
بالتقتير وكسرة خبز. بكسرة خبز فعلاً أطلت أيامي. جوعي في طفولتي بالناصرية أعانني
على تحمّل الجوع بلندن. وما همَّ؟ مادام كل شيء حوالي غريباً، وليكن ما يكون غداً،
كانت سعادتي بمقدار غربتي.

نشف وجهي، ونشفت فلوسي، ولابدَّ من دفع الايجار؟ سيّدة
البيت وزوجها الوديع لم يطالباني بايجار لأسابيع. الثلج نابت في العظام. الجوع
يمتصُّ اللحم، ولا رسالة من بغداد. شعرت يتيماً بحاجة إلى نوم دافئ، وحنان وتهويدة
أطفال. التقتير على أشدّه، وكسرة الخبز عزّت.

ما الحلّ؟ عز الصديق وما من معيل. خطرت ببالي فكرة: أمرض
وأنام في المستشفى. أشبع معدتي الفارغة لأسابيع. أسمع لغة الرحمة من الممرضات
المعقمات. كم كنت بحاجة إلى من يناديني باسمي صلاح أو مستر نيازي، وان كان شفقة. أن
يسأل عني ويجسّ نبضي. من أين ينـزل عليَّ المرض؟ رحماك يا رب: أعطني رحمة المرض، لم
تبق لي من رحمة سواها. ألمَّ اعقاب السكائر من الشارع، ألقط بقايا الفواكه والخضر
من الأسواق الشعبية ليلاً. ليت الإقامة في المستشفى تطول. ليتني أمرض يا ربّ.

الأشجار عارية وتجاويف جذوعها محشوة بالسخام. استغربتُ من
البراعم المغلقة الكبيرة على الأغصان رغم الثلج. تمنيت أن أعيش إلى أن تتفتح
البراعم فقط، تفتّح براعم الأشجار بلندن، عسير وطويل. كنت اتفقدها كلَّ
يوم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
صلاح نيازي غصن مطعم فـي شجرة غريبة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البيت الآرامي العراقي :: الثقافية , الادبية , التاريخية , الحضارية , والتراثية Cultural, literary, historical, cultural, & heritage :: منتدى النقد والدراسات والاصدارات Monetary Studies Forum& versions-
انتقل الى: