البيت الآرامي العراقي




البيت الآرامي العراقي

سياسي ِ ثقافي ِ أجتماعي


 
الرئيسيةالرئيسيةبحـثالتسجيلarakeyboardsyrkeyboardدخول

شاطر | 
 

 تركيا.. مهمة ثقافية صعبة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
البيت الارامي العراقي
الادارة
الادارة



الدولة : المانيا
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 9451
تاريخ التسجيل : 07/10/2009
التوقيت :

مُساهمةموضوع: تركيا.. مهمة ثقافية صعبة   الثلاثاء 19 مارس 2013, 2:27 am

تركيا.. مهمة ثقافية صعبة


– March 18, 2013






تماس ثقافي مع العالم
ربيع الحافظ
تعود تركيا إلى جوارها العربي مثقلة بمعطيات قطيعة تسعة عقود؛ فكرية، وسياسية، واقتصادية، وثقافية، وقد قطعت أشواطاً قياسية في الإلتئام معه وفي تصدّر الركب الإقليمي، لكنها لا تزال يعوزها شعور إقليمي بملكية مشتركة لما تقوم به وما تمثله، والذي هو أساس أي بناء إقليمي معاصر، وبحاجة إلى آلية تترجم حقائق إقليمية علمية قائمة إلى ثقافة إقليمية مشاعة تعيد التوازن إلى المعادلة المختلة في الشارع الإقليمي، وتحفظ لها مكاسب إقليمية هشة على مسرح إقليمي شديد التنافس وعديم الاستقرار، كما يضع بين يديها أوراقاً استراتيجية جديدة تضعها في مصافات لا زالت خارجها، وتمهد لها أدواراً إقليمية سيطلبها العالم في عملية إعادة رسم الخرائط الإقليمية ويتحدد على أساسها مراكز القوى فيها.
تمر تركيا بمخاض إعادة توجيه البوصلة، وتضطلع بأدوار لم تكن على أجندتها قبل بضع سنوات، وتنكب على استحداث مؤسسات لإدارة واقع جديد قسم أساسي منه هو العودة إلى جوار غادرته منذ أمد، وانعطفت عنه ثقافياً بزاوية حادة تاركة معطيات مزمنة عبثت بتجانسها الفكري معه وبقدرتها على إعادة التكامل معه. هذه الظاهرة التي لا ينفيها مثقفون أتراك ويتابعها الجوار تستدعي استنفاراً ثقافياً إقليمياً يتداركها، ويؤمّن للمنطقة تعافياً سياسياً يضعها على الطريق الصحيح.
لا تحتاج تركيا في واقعها الجديد إلى إطراءات يقدمها إعلاميون وشعراء في احتفالات ذكرى فتح القسطنطينية، وتحليلات سياسية تطفح بالمجاملات. مكانة تركيا في النفوس معروفة ومحفوظة والتدليل عليها تبديد للوقت والمال. ما تحتاجه تركيا هو قليل من العاطفة وكثير من العمق الذي يضمن إبحاراً آمناً في مياه مضطربة.
إذا كانت أبسط طرق التقويم الإداري على مستوى الفرد هي مقدرته على تخيل نفسه جالساً في ركن من أركان الغرفة والنظر إلى نفسه من أعلى، فإن ما تحتاجه الدول لهذه الغاية هو شيء أكثر تعقيداً. ما تحتاجه تركيا هو حاضنة فكرية تنظر إليها من بعد، ترى أكثر مما تراه هي كلاعب في قلب الميدان أو مرابط على الصدوع السياسية، كمدير فريق كرة القدم الذي يتابع المباراة من نقطة قريبة إلى خط التماس مع المستطيل الأخضر لا يعمه منها نظره، أو لاعبيه المكلف الواحد منهم بمساحة محددة على المستطيل.
إن أول شيء يحرص المدير ولاعبوه عليه بعد المباراة هو مشاهدتها بعيون مستعارة كانت قد شاهدت عن بعد ما حجبه القرب عنهم، وسجلت أحداث المباراة مفصلة من زوايا مختلفة، تلك هي عدسات التصوير، فيتسمّرون أمام شاشة كبيرة تعرّفهم إبداعاتهم وهفواتهم. ولا تلغي العدسات دور الجمهور الذي تابع المباراة هو الآخر من المدرجات. بل إن دائرة العيون المستعارة تتسع لتصبح بقطر الأرض عندما تصبح شبكة تويتر ساحة عالمية لإبداء الآراء، وتتنافس الأندية على من يملك عدداً أكبر من المتابعين على تويتر وغالبيتهم في قارات أخرى، وللإنسان أن يتخيل ما مدلول أن يكون لدولة مناصرون طوعيون في دول أخرى ووقع ذلك المعنوي على نظامها السياسي.
لا تقف نجاحات أندية كرة القدم العملاقة عند تقويم الأداء على المستطيل الأخضر وإنما صناعته بادئ ذي بدء، فاللاعبون الذين يحصدون لها أرفع الجوائز لم يعودوا صبية المدينة ـ التي يوجد فيها النادي ـ الذين كانوا بالأمس يقذفون الكرة في أزقتها وحدائقها العامة، ولم تعد تلك الأزقة الحاضنة التي تدفع بالمواهب. لقد جعلت هذه الأندية أزقة العالم بأسره حواضن لها تدفع بمواهب لا تنضب ومهارات تتجدد وأنماط تتبدل، ما يكسبها عنصر المفاجأة أمام منافسيها. أما الأندية التي تعتمد على الأزقة المحلية لعجز مالي أو سوء إدارة فتحكم على أدائها بالرتابة والخلو من المفاجأة وبأنماط يسهل على منافسيها فك شفرتها قبل حدوث النزال، فتبقى حبيسة المضامير المحلية، وإذا ما ارتقت لحنكة مدرب جديد فهو ارتقاء موسمي تصعب إدامته.
آلية غائبة
تركيا لا ينقصها وجود حاضنة فكرية، الناقص هو آلية تصل الحاضنة بمؤسستها الفكرية تبدأ بسيطة ثم تتطور، كأن تكون ـ بادئ ذي بدء ـ عنواناً ألكترونياً يستقبل ما يصدر عن الحاضنة من رؤى، ويرد بما يشعر مُنشئ الرؤية باكتراث المؤسسة الفكرية به، بل بعلمها بوجوده حتى وإن لم تعتمد فكرته، ولا أدنى من قائمة بريدية تديم الصلة مع الأصدقاء.
أو أن تكون الآلية موقعاً على الشبكة الدولية على شاكلة فيس بوك ، يعرض فيه مفكرون عرب وأتراك نتاجاتهم الفكرية التي تصب في تأسيس مفاهيم إقليمية. وما لشيء الأولوية أن يكون حجر الزاوية لهذه المفاهيم من ترميم المفهوم الإقليمي العثماني من أعطاب مُقعِدة أصابته بها حرب الانفصال الحرب العالمية الأولى وإرهاصاتها الثقافية التي امتدت بعد الانفصال وجردته من الواقعية وأسكنته بطون الأراشيف. ومن أحجار الزاوية الغوص في الإرشيف العثماني باعتباره شاهد عيان على الشخصية الإقليمية العربية ـ التركية مدة خمسة قرون عاشت في كنفها أديان ومذاهب وعرقيات شتى، وتأسس فيها أرقى نظام اجتماعي تعددي، وأوت إلى واحتها الإنسانية شعوب مختلفة، واستكشاف مواطن القوة والضعف في هذه الشخصية وصولاً إلى صياغة شخصية إقليمية لعصر التكتلات.
ويتاح للمفكر ـ في الموقع ـ عرض مساحات فكرية خاصة به مما يرغب في إنضاجه مع نظراء له. وتطرح إدارة الموقع للتدارس من جانبها مساحات فكرية لا زالت بكراً، فتتشكل حول كل مساحة مجموعة مفكرين، ثم تكون مجاميع، ولن يمضي وقت طويل حتى يكون قد تم انجاز قدر متقدم من الانسجام الفكري ما يؤهل لعقد ورشة للاندفاع نحو مستويات جديدة من التكامل.
لا تقف الآلية عند الحدود التقليدية ممثلة بالكتابة والنشر، وإنما تتجاوزها إلى تطوير الفكر والانتقال به من حيز النظرية إلى التطبيق، كتطور علوم الرياضيات ـ مثلاً ـ من رياضيات محضة إلى تطبيقية، حيث الفرق الهائل، فالأولى معادلات وقوانين خالية من الروح، والثانية نابضة وهي الوجه الآخر للهندسة التي ترفع العمران وتبني الطائرة، وهكذا سائر العلوم كعلم الاجتماع التطبيقي، وعلم النفس، والتربية التي خرجت من بين صمت جدران الأكاديميات إلى ضجيج الشارع تخدم المجتمع في مناحىٍ يلمسها الإنسان العادي. ومن المفاهيم التي لا زالت عالقة في حيز النظرية في حالة بدائية في هذا المكان من العالم هو مفهوم الإقليمية .
كما تنتقل الآلية بشخصية المفكر من تقليدي يعد ظهور مقال له في موقع على الشبكة الدولية ذروة سنام مساره المهني، وينقضي العمر وهو بهذه القامة، إلى عنصر فاعل في مناخ من الطموح الاستراتيجي الذي لا يحده سقف، فتصبح الآلية رئة خارجية تتنفس المؤسسة الفكرية ـ ومن ورائها المؤسسة السياسية ـ من خلالها هواءً مثقلاً بالأوكسجين يأتي من مكان بعيد، كمن يفر من غرفة ـ أحكمت نوافذها واستنفد الجالسون الأوكسجين فيها إلى حيث الهواء الطلق.
هذه الآلية غائبة، وولوج الفضاء الفكري التركي مهمة شبه تعجيزية ما لم تتم بمساعدة صديق غير عادي، والوصول إلى الصديق مشقة بحد ذاتها. صحيح أن للدولة التركية اليوم نكهة إقليمية نافذة، لكنها نكهة تنبعث من مواقع محددة في الدولة فقط، أما منافذها الخارجية التي هي نقاط تماسها مع الأمم الأخرى فزهور بلا عبق، لا تحط عليها نحلة تبحث عن رحيق ترتشفه لعسل تنتجه، جامدة لا تثير فضول عابر أمامها للتفكير بدخولها في مهمة ثقافية استكشافية، لأنها بالنسبة له دوائر رسمية تخص المواطن التركي فقط.
هذه الحالة هي خلاف الزينة الدبلوماسية التي تخرج بها الدول على الأمم الأخرى، والخيلاء الثقافي الذي تبديه في محطات نابضة وواثقة من أطوارها السياسية ـ كمحطة تركيا اليوم ـ وتفننها في تقديم أنموذجها قدوة للأمم الأخرى. وقد كانت السفارات السوفييتية في حقبة الخمسينيات والستينيات تزكم الأنوف برائحة الشيوعية، ومثلها البعثات الإيرانية اليوم التي تفوح الطائفية، ما جعل لهذه الدول جاليات في بيئات المهجر من غير شعوبها تساند قضاياها في شوارع المدن العالمية وأمام الإعلام تمنحها ذراعاً إقليمياً.
وإذا ما قورنت الممثليات الدبلوماسية التركية مع نظيراتها البرازيلية مثلاً ـ التي تحرص تركيا على مقارنة دورها الإقليمي بها ـ فإن للأخيرة دلالة سياسية وثقافية لمواطن أمريكا اللاتينية أكثر مما لدى التركية بالنسبة للمواطن الذي يعيش في فضائها الحيوي. التفسير لا يقع برمته على كاهل تركيا، فبيئة أمريكا اللاتينية بيئة هامدة آيديولوجياً ودينياً، على عكس بيئة الشرق الأوسط الهشة سياسياً والمتهيجة طائفياً ما يخفف من أعباء الخطاب الإقليمي في بيئة أمريكا اللاتينية ويجعله أسهل رواجاً، ويزيد من أعباء الخطاب الإقليمي التركي وحاجته إلى آليات ترويج أكثر تعقيداً.
حال المفكر في الحاضنة الإقليمية أو المهجر بشكل عام الحريص على تركيا أشبه بعاشق يهيم بمحبوبته والمحبوبة لا علم لها بحاله، وربما انطوت ظاهرة العشق من طرف واحد هذه على طرف من إجابة على تساؤلات يطلقها مفكرون أتراك عن مدى كفاءة معاهد الفكر التركية في توليد أفكار وأوراق سياسية جديدة سيما عندما يتعلق الأمر بالفضاء العثماني، وعن طغيان الأفكار الفيزيائية العاطفية التي لا تؤثر في الخصائص البلورية للأشياء على حساب الأفكار الكمياوية المطلوبة لتغيير خصائص بلورية لواقع ثقافي إقليمي خامل، ومن هؤلاء المفكرين من يذهب بتساؤلاته إلى أبعد من ذلك.
معادلة حتمية
إن المعادلة الميدانية التي تجعل من توفير آلية ثقافية إقليمية مطلباً حتمياً هو أن تركيا لا تحكم جوارها اليوم كما فعلت الدولة العثمانية، وشعوب الجوار ليسوا رعايا عندها تضمن ولاءهم لأمنها القومي كما كان حالهم في العهد العثماني، لكن حاجتها إليهم لا تقل عن حاجة الدولة العثمانية وللأسباب نفسها، أي أن المعطيات تبدلت والحاجة لم تتبدل. أما الجوار فمختار لأنموذجها السياسي اختياراً قابلاً للتطور أو التقهقر كما كان قبل عام 2002، وبالتالي فثمة حاجة لصيغة تخدم هذه المصلحة المتبادلة تنبثق من المعطيات الجديدة لتلبية الحاجة القديمة، كالتي يحرص فيها بائع سلعة على ولاء زبون اختار سلعته من بين منافسين آخرين.
أما المناخ السياسي الذي يعزز المطلب الحتمي فهو مصادفته لقناعات جمعية ألانها ضغط وحرارة الأحداث الجارية وضاعف من قابليتها على إعادة التشكيل أضعافاً مضاعفة، وهو حيز زمني في حياة المجتمعات لا يدوم طويلاً ولا يتكرر على نحو متقارب، ويأتي مصاحباً للأزمات وشيوع الحيرة قبل أن تستعيد القناعات صلابتها من جديد. في هذا الحيز ترتفع في سماء الأمم لافتة تسد الأفق مكتوب عليها شعار قُدّت مفرداته من معطيات الواقع تقول الأزمات محطات مهمة في تاريخ الشعوب لاتفوّت، فيها تراجع القناعات، وتصنع المعجزات، وفيها يعاد رسم الشخصية الجمعية، وهي فرص نادرة الحدوث .
AZP09

روابط ذات صلة:

5625

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
تركيا.. مهمة ثقافية صعبة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البيت الآرامي العراقي :: الثقافية , الادبية , التاريخية , الحضارية , والتراثية Cultural, literary, historical, cultural, & heritage :: منتدى النقد والدراسات والاصدارات Monetary Studies Forum& versions-
انتقل الى: