البيت الآرامي العراقي




البيت الآرامي العراقي

سياسي ِ ثقافي ِ أجتماعي


 
الرئيسيةالرئيسيةبحـثالتسجيلarakeyboardsyrkeyboardدخول

شاطر | 
 

 وديع شامخ في «العودة الى البيت»عباس لطيف : عن الرواية العصية على كل منهج

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
كريمة عم مرقس
عضو فعال جداً
عضو فعال جداً



الدولة : العراق
الجنس : انثى
عدد المساهمات : 24429
مزاجي : أحب المنتدى
تاريخ التسجيل : 31/01/2010
الابراج : الجدي
التوقيت :

مُساهمةموضوع: وديع شامخ في «العودة الى البيت»عباس لطيف : عن الرواية العصية على كل منهج   الثلاثاء 19 مارس 2013, 7:11 pm


وديع
شامخ في «العودة الى البيت»

عباس
لطيف : عن الرواية العصية على كل منهج


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]


منذ زمن ليس بالقريب لم اصطدم بأثر أدبي لاسيما في
الرواية التي للاسف تشهد عصر انزياحها تحت ضغوطات الاجناس الادبية الاخرى، وشيوع
ثقافة الصورة، ولانها الفن الاصعب كونها فن بانورامي عصي على قدرة الالتقاط وتمثل
الواقع وموازاة الواقع الملتبس والمعقد، كانت الرواية هي إنجيل القرن التاسع عشر،
وزاحمت بتوهجاتها وذروتها السردية كل الايديولوجيات وكشوفات الفلسفة والاقتصاد
والسياسة.

لكننا ينبغي أن نعترف أن هذا النوع الادبي الاخطر تسرب
اليه كسل العقول القارئة بأنحسار دور الثقافة وتأثر بأيقاع العصر وهوس العقل
الاستهلاكي والغرائزي وعقل البراغماتيات الكبرى بدءا من موت العقائد الايديولوجية
وانتهاءا بالغزو العولمي.

أما الرواية العربية فأنها احترقت تحت حدوثات نجيب محفوظ
الذي كان توفيقيا وتعدديا وتحوليا مع متطلبات الواقع، ولقد دفع ثمن هذه التوفيقية،
لانه كان مهووسا بمسايرة الحداثة بأي طريقة اعتقادا منه أن المكوث في زاوية ما قد
يحوله الى تمثال بوذي قديم.

عذرا لهذا الاستهلال الذي أجد إنه يمثل ضرورة للوقوف في
تأمل نقدي حول رواية ( العودة الى البيت ) للمبدع الشاعر والروائي والروح الباسلة
وديع شامخ، فيكفيه شرفا ابداعيا انه استطاع ان يشفر لنا رواية ويؤطرها بهذه المساحة
المثيرة من الدهشة.

في كل مقارباتنا النقدية وجلساتنا قد نستهلك الكثير من
اللاجدوى وفوضى المصطلحات والمداخلات الملائية والنقد المنغولي، لكننا دوما لانجد
من تستوقفه الحقيقة المذهلة لكل تنويعات الكتابة، فالفن ينبغي الا يتمركز حول
المضامين المتكلسة والخطابات المتخفية، فمهمة المبدع هي البحث عن الشكل الفني
والاداء الجمالي، وليس ببعيد عنا مقولة تشيخوف حين قال (بأن الفنان صانع اشكال وليس
مضامين ) وكان ينصح الكتاب الجدد بأن يصعدوا قطارات الدرجة الثالثة، لانها وحدها
تنطوي على الحكايات الانسانية العميقة والشفيفة، وكأنه يتنبأ ببرولوتاريا القطارات
المهمشة. فأي قطار صعد هذه البصري المتعملق والشامخ والوديع الى حد المغامرة
الجنونية والمشاكسة الكونية بدءا من هدوئه الرواقي في اتحاد الادباء وصولا الى
هجرته الصامتة نحو المنافي البعيدة.

في جملة شفروية او كود سري تنبثق في مستهل الرواية (
الحياة كلها كيمياء) بينما استثمر وديع شامخ متنه السردي ليحيلنا الى كيمياء سردي
وكولاج استبطاني لدراسة المجتمع العراقي ذي التركيبة الغرائبية، لانه نتاج زواج غير
شرعي بين الغيبيات واليساريات والعشائريات والخيال القومجي . مجتمع بكى كثيرا على
الحسين وظل يمارس جلد الذات وهو مسؤول عن صناعة الاصنام والاشباح المتشخصنة ثم يسحل
هذه الكائنات المؤلهنة وكأنه يذكرنا بقريش التي كانت تصنع الالهة من التمر وحين
يصيبها الجوع تلتهم هذه الالهة لتسد رمق العوز البايولوجي.

لقد فعلتها ياوديع وقدمت لنا رواية كنت شخصيا اتمنى ان
اكتب مثلها، لانها قدمت الكثير من الاسئلة وتحدثت بلغة الصدق العجائبي وباتجاه
الصدمة الادهاشية واستطعت ـ دون مجاملة ـ ان تبتكر شكلا روائيا وفرضية للتماس
والاشتباك مع شخصياتك المهمشة وكأنك تؤسطر حياة الهامش وتضعها في مركز الانتباه
وانت تنظر الى الواقع بعدسة ذكية وبتحليق غريب وليس من ثقب باب ضيق كما فعل بطل
رواية (الجحيم) لهنري بارابوس. وعلى الرغم من انك وضعت رقيبا كطاهر المونتاجي، لكنك
في الحقيقة لم تعترف بأي مرجعية تقف ازاء تدفقك الذكي والاخاذ وانت تسبر اغوار
شخوصك وتقوم باركولوجية الامكنة وتؤسس لمنطق بارودي (وسخرية مرة) توصلنا الى رواية
تمزج بسحر عجيب بين ثالوث التراجيديا والكوميديا والفانتازيا. ولعل هذه الرواية
باستخدامها لهذه التقنية الاسترسالية والتقطيع السينمائي قد ابتكرت شكلا فنيا تماهى
تماما مع مأزقية وتشظي الواقع الفني والمحتوى الاجتماعي والسياسي والسايكولوجي الى
بيئة الادهاش وتحول المضمون بهذه الكيميائية الروائية الى شكل واندغم الشكل في
المضمون، فكان شكل الرواية مضمونها ومضمون الرواية شكلها. وقد تذكرنا هذه التقنية
السحروية بأعظم السرديات مثل (الصخب والعنف) لوليم فوكنر والاخوة كارامازوف وزوربا
اليوناني والنخلة والجيران.. كان البطل الحقيقي للرواية هو المكان بكل تنويعاته
وانزياحاته، المكان بؤرة الوجود البشري، المكان الاليف والمكان المعادي على حد
تعبير جاستون باشلار في كتابه (جماليات المكان) ولذا نجد انك لم تراوغ كثيرا حين
عنونت روايتك (العودة الى البيت) لكنك في كل الرواية قدمت لنا رثاء جنائزيا للمكان
الاوسع والذي يسمى على سبيل النكتة والسخرية بـ(الوطن) الذي تحول الى مفردة مفخخة
بالوهم والانتظار المر، وجمعت كل يوتيوبيات الخراب والعدمية والاناشيد الرومانسية
والحماسيات الفارغة . نحن فاقدون للوطن منذ وجدنا انفسنا في وطن يبتلعنا وفي ارذل
خريفاتنا لانجد سقفا فنرحل بحثا عن سقف يقع خلف مطارات الكون، لنمارس اغترابا
ونتآمر على ارواحنا وذاكرتنا للبحث عن بديل لوهم اسمه الوطن.

ابطالك ياوديع كانوا افرادا من الانتلجسيا ومن المثقفين
الوادعين مستهلكي الثقافة والفكر لكنهم يذبحون بسيف الطارئين والتافهين، كما كانت
احدى بطلات روايتك مشروعا للذبح والموت المجاني بسيف منقوع بالخرافة والدجل الديني،
هؤلاء المثقفون الذين لايعرفون قراءة خطاباتهم (الثورية) رغم الحركات الاعرابية
ورغم معاناة المصححين، فالحكام لايقرأون سوى التقارير السرية.

في رواية العودة الى البيت هناك مزاوجة كيميائية بين روح
السرد الروائي والتوثيق والاستبطان السايكولوجي والانتماء الى استراتيجيات الرواية
الحداثوية التي لم تعد تكترث ببناء الحدوتة والتسلسل الدرامي، بل تتعمق في اشتغالات
البحث عن الزوايا المنسية بتشتيت البنية واقامة ومضات متراسلة من الادهاش عبر
متوالية من التشفير والتلغيز والمشاكسة والابتكار في اطار من التراكم المتواتر
للتداعي الحر، فكسرت بهذه التقنية السائد والمألوف السردي وتقليدية البنية المباشرة
والتقريرية الفجة .

كنت متوهجا وانت ترصد كل الغسيل الاجتماعي والسياسي الرث،
وانت ترثي وتنتقد كل أدران الحقب الحديدية التي كنا سجناء فيها ولاأعتقد اننا سنرى
شيئا مما اوهمنا انفسنا وعقولنا به، فالتاريخ يعيد نفسه ولكن في المرة الثانية يكون
اكثر مهزلة كما يقول كارل ماركس .

كنت قد خططت للكتابة عن روايتك وفق منهجية نقدية، لكني
وجدتها عصية على كل منهج، لانها اسست لمبدأ الخروج على السائدية والمألوف وكسرت أفق
التوقع على حد تعبير هانز ياوس .

تحياتي لك ايها المفتقد النورسي وانت تحمل صليب رحيل
فاجئني، واشكرك لانك اعدت إلي روحك بهذه الرواية وعمقت جرح افتقادك بيننا..

ايها الوديع الشامخ .. كنت شاعرا ومضيا في هذه الرواية وربما مازجت بين قصيدة
الهايكو اليابانية وهذه المقطعات من رثاء الواقع، كنت اكثر واقعية من الواقع وشكرا
لانك بعثت في ضحكا معرفيا وسخرية ذهنية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
وديع شامخ في «العودة الى البيت»عباس لطيف : عن الرواية العصية على كل منهج
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البيت الآرامي العراقي :: الثقافية , الادبية , التاريخية , الحضارية , والتراثية Cultural, literary, historical, cultural, & heritage :: منتدى النقد والدراسات والاصدارات Monetary Studies Forum& versions-
انتقل الى: