البيت الآرامي العراقي




البيت الآرامي العراقي

سياسي ِ ثقافي ِ أجتماعي


 
الرئيسيةالرئيسيةبحـثالتسجيلarakeyboardsyrkeyboardدخول

شاطر | 
 

 الرفض بين الايجاب والسلب ... للدكتور فخري الدباغ

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
العراقي الأصيل
عضو جديد تازة
عضو جديد تازة



الدولة : العراق
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 59
تاريخ التسجيل : 26/03/2013
الابراج : الثور
التوقيت :

مُساهمةموضوع: الرفض بين الايجاب والسلب ... للدكتور فخري الدباغ    الأحد 14 أبريل 2013, 12:05 am

الرفض بين الايجاب والسلب ... للدكتور فخري الدباغ

القاعدة تقضي أن يهب الإنسان ما يملك ، لا ما يملكه الآخرون . . والمنطق أن يرفض الإنسان ما يعتقد أنه ضار أو فاسد أو باطل . . .أما أن يعرف الإنسان ما يملك ، فهذا أول متطلبات الحكمة . . ومن لا يعرف مقدار ملكاته وماهيتها كان مخلوقا ساذجا أو جاهلا ، وأما أن يعرف الإنسان الضار والفاسد والباطل ، فهي أدق متطلبات الحكمة ، ومن يريد رفض شيء قبل اكتساب حكمة المعرفة تلك ، كان أيضا مخلوقا ساذجا أو جاهلا .

أقول هذا ، لأنني أرى- كما لا يرى غيري- أن كثيرا من الناس يهبون ما لا يملكون ، ويرفضون ما لا يعرفون . وأصبح (الرفض) سلوكا مرحليا براقا كمستحدث الأزياء مثلا . . وأصبح الرفض مفخرة ولازمة لأعمال قسم من الأدباء والشعراء والنقاد وكذلك - وهو الأسوأ والأخطر- في تصرفات بعض الشباب .

الرفض البناء :

ولا أريد الادعاء أن الرفض عمل منكر أو مستهجن ، لان أروع الأعمال وأعاظم السير وأخلد الحوادث تكونت من نطفة الرفض ومن طاقاته ، الأنبياء رفضوا أوضاعا فاسدة أو ضارة أو باطلة . . المخترعون والعلماء والرواد رفضوا نظريات جامدة أو ناقصة . . المكتشفون رفضوا العيش ضمن جغرافية محدودة وحياة رتيبة مملة . . مشاهير الكتاب والأدباء ، والمجددون في القصة أو الشعر رفضوا بعض الأساليب الوضعية المتكررة الخاملة . . وأخيرا المصلحون في كل مكان رفضوا النظم والسياسات التي كانت تذل الإنسان أو تسيء إلى تمتعه بديمقراطية اجتماعية واقتصادية وثقافية ، والجميع رفضوا وحاربوا الرياء والدجل في كل شيء .

الرفض إذن هو لب أعاظم الأفعال ، إلا أنه رفض مشروع ومعقول ، وشرعية هذا النوع من الرفض أنه ترعرع بفعل عوامل ملحة ، وكان مهضوما ومدروسا لا اعتباطيا أحمق ، وكان يرمي إلى الإصلاح والفائدة الأعم أو دفع الأذى ومكافحة الشر الخطير ، ومعقولية هذا النوع من الرفض أنه في البناء الحضاري للمجتمع وللعالم .

الرفض الطفولي :

إن بعض الأطفال يرفضون الذهاب إلى المدرسة مثلا ، وأصبح هذا النوع من الرفض مرضا نفسيا يدعي بـ (رفض المدرسة) وللمرض النفسي أسباب ودوافع لا ريب فيها . . وقد تكمن في المدرسة نفسها فتنفر التلميذ من الاقتراب منها ، وقد تكمن في البيت والأسرة التي تجذبه إليها وتعرقل اندفاعه أو مودته نحو المدرسة ، ومعظم الدوافع والأسباب يمكن معالجتها بالوسائل النفسية ، وينقلب الرفض بالنهاية إلى ألفـة وانسجام ، ويغدو الرفـض المدرسي وأمثاله من الأمراض النفسية للطفولـة ظاهرة مرضية تستوجب العطف والرعايـة الطبية - النفسية .
وما يروعنا ويثير اهتمامنا ، هو الرفض الطفولي الأرعن ، الرفض الذي يمارس علنا وبوعي وإصرار . فرافض المدرسة يستاء من سلوكه ويتعجب لتوجسه وإحجامه . . أما الرافض المعاصر فانه يبارك نفسه ، ويتعجب من توجس الآخرين وإحجامهم عن مجاملته أو تشجيعه ! .

الرفض المعاصر المريض .

والرافض المعاصر المقصود هو واحد من منتمي الجماعـات الجديدة التي أطلقت على نفسـها (الهيبيز) والـ (بيتلز) - الخنافس – والـ (بيتنك) والـ (البروفوك) . وهو ينسلخ ويتبرأ من أسرته ومجتمعه والنظم السائدة فيه ، لينساق وراء أسرة وجماعة ونظام آخر يتميز باللامبالاة واللاإرادية والممارسات الجنسية الفاضحة والإدمان و العنف والإجرام .

يقول (الرافض المعاصر) : أنا أرفض التعليم ، واسخر من العلم ، ولا أكترث بالأخلاق ، وأتحدى السائد المزيف ، وأتنكر للعادات والتقاليد البالية ، وأحارب الظلم والاستعمار والتفرقة ، وأتبرأ من رجعية آبائي وأجدادي وجمودهم ، يقول ذلك ولا يفعل شيئا جادا تجاه ذلك . هو يرفض التعليم الجامعي لأنه فاشل . . ويسخر من العلم ولا يطعمه بالأخلاق . . وينتقد النظم والتقاليد ولا يقترح كيف يريد أن تتطور وكيف يجب أن تكون . . ويحارب الاستغلال والتفرقة وهو مستلق على أعشاب حديقة أو حقل منعزل وبجانبه فتاته التي تتبعه كالشاة الراكضة وراء خروف .

أفكار مثالية وحلول خيالية . . مبادئ عالية وممارسات دنيا . . اقتراحات مبهجة وأعمال تعسة . عالم من المتاهة والضياع والتذبذب . . مجتمع من المتراجعين الناكصين . . جزر بشرية تطفو على بحار من الأمجاد والتضحيات القديمة . . وأعجب ما في هذه الجزر البشرية أنها تعوم على أذرع الآباء والأجداد المساكين ، وترقد في أحضان الحضارة والحنان التليد . . وتقتات بل وتستجدى من تلك المدنية التي يتنكرون لها ، ومنظر الرافض المعاصر وهو يستجدي القروش القليلة من المارة (غير الرافضين) يجسم ازدواجية الرافض المعاصر وانحلاله ، ويصور هامشية حياته وتطفله على الناس والمدنية التي يدير لها ظهره .. ولكن ، يمد إليها يده !! .

الأدب الغاضب :

والحديث عن الرفض يجرنا إلى أدب الرفض الذي يضم كتابات لمجموعة من الشباب الغربيين أطلق عليهم (الجيل الغاضب) من الكتاب ، وأصبح بعضهم من كتاب (اللامعقول) ومسرح (اللامعقول) ، وهم موزعون بين ألمانيا وفرنسا و انكلترة وأمريكا . . وأحدث إنتاجهم صدى مقبولا لدى القراء ، واحتل مكانا مرموقا في الأدب المعاصر . وما يجب أن يقال عن هذا النوع من الأدب أنه لا يمت بصلة أو يتجاوب مع حياة الرافضين الهاربين الآنفي الذكر وآمالهم وأفكارهم ، كما أن كتابه لا ينتمون إلى تلك الجماعات لا بالهيئة ولا بالمضمون ، ولم يؤلفوا فيما بينهم جماعة أو اتحادا أو اتفاقا منهجيا ، بل إن كتاباتهم تواجدت وتجاوبت بطابع تلقائي عام . ومثل هؤلاء يصح أن يطلق عليهم (الرافضون الهادفون) لما في إنتاجهم من تجديد وبناء ومعنى وعمق ، وقد ذكرنا سابقا أن الأعمال المجيدة لم تكن إلا نوعا من الرفض المنتج ، فغضبهم هو تعبير عن إدراكهم العميق لتناقضات مجتمعهم ، وأدبهم ومسرحهم هو صراخهم وتحديهم وتمردهم ، ولا معقولهم هو تصوير صادق للامعقولية مجتمعهم ، إنهم يتعاملون بشيء جدير بالاهتمام والدرس مقابل ما يرفضون خلافا للرافضين المعلولين الذين يرفضون ويتعاملون دون مقابل .

الرافضون المقلدون :

وهنالك (الرافضون المقلدون) الذين ابتلى بهم مجتمعنا العربي النامي في شتى ميادينه الفكرية والاجتماعية ، فمن (شاعر- ناثر) يفهم الرفض كلاما نابيا مفتقرا للذوق . . أو سليطا منمقا غريب التعابير ، ومن أديب رافض ينحو نفس المنحى في مقاله أو قصته أو نقده - ومن شاب مراهق يحاول رفض أي شيء بارتدائه غرائب الأزياء أو بإرخاء شعره واكتناز قذارته .

هؤلاء الرافضون المقلدون مجموعة من السذج أو الجاهلين الذين لا يعرفون ما يملكون ويرفضون ما لا يعرفون ، فلا المطبوعات ولا الأفلام السينمائية يمكن أن تجعل الفرد العربي غربيا حقا إلا في الخيال ، والمجتمع الغربي ليس مجرد صورة في صحيفة أو واجهة مخزن تجاري كبير ولا هو بظاهرة هينة يتمتع بها السائح العابر ، الحياة الغربية تجربة عميقة لا يحسها إلا الغربي الأصيل . فالتقاليد . . والإنتاج غير الأصيل . . والرفض الساذج . . كلها أشياء ممجوجة ومنفرة وغريبة على المجتمع العربي . وهنا يكمن الداء الذي يجب أن نشخصه ونعالجه على مستويات الفرد والجماعة والدولة .

ولو اعتبرنا ظاهرة الرفض مرضا نفسيا ، لهان علينا الأمر . . ولكن البلية أن الرافضين من هذا النوع يجادلون ويتبارون في النقاش والدفاع عن إنتاجهم أو سلوكهم ، ويتذرعون بالحرية الشخصية . . وما أكثر ما للحرية من معان وتفسيرات ! . .


سيكولوجية الرفض والمريض :

أقول لو اعتبرنا ظاهرة أو (موضة الرفض) مرضا نفسيا، لكان الواجب علينا أن نستقصى أسبابه ، فالظواهر المرضية تنبع من ظروف تبررها ويمكن معالجتها . وقد تكون الأسباب واحدة أو أكثر مما يلي :

1- الشعور بالفراغ والخواء الفكري والعاطفي ، ويعزي ذلك إلى ارتخاء الضبط التربوي ، وإلى الحرمان وتفكك الأسرة وسيطرتها .

2- الفشل والخيبة في الحياة العامة .

3- الشعور بالنقمة تجاه الناجحين واللامعين .

4- الانفعال العدائي ضد السلطة والآباء والذين يمثلون القانون والنظام والعرف السائد .

5- التحدي - بالفعل أو القول - لكل كيان منظم ومنسق .

6- الإصابة بأمراض نفسية مزمنة كالقلق والعصاب ، والتي تمهد للانجراف نحو الإدمان والإجرام والى الهرب الاجتماعي .

7- عدم الثقة بالذات والمواطنة و بالانتماء الطبيعي ، مما تدفع بالمرء إلى المحاكاة والتقليد والى الاحتماء بالجماعات الشاذة أو العصابات الإجرامية .

8- رفض الإحسان ونكران الجميل الذي يقدمه لهم مجتمعهم أو مؤسساتهم الإنسانية كنتيجة حتمية لشعورهم بالإثم والتقصيـر . أي أنهم - علاوة على إثمهم - يريدون حفظ ماء وجههم ومواراة خجلهم بالنكران والاستعلاء ! .

9- انعدام الوازع الديني والأخلاقي الذي يشد الفرد إلى المجتمع والأسرة ، ويحثه على العمل والكفاح .

هل من علاج ؟

لعل في قول يوجين يونيسكو - أحد زعماء مسرح ألامعقول - التصوير الدقيق لأوضاع المجتمع الغربي إذ يقرر : (المجتمع اللامعقول هو الذي لا غاية له .. وهو المجتمع المنفصل عن جذوره الدينية وتقاليده .. وفيه يكون المرء ضائعا .. ولا معنى لكل ما يصدر عنه ، ولا فائدة ترجى منه) .

والرافضون الهاربون الذين تحدثنا عنهم هم الجيل الضائع المنفصل عن جذوره التاريخية والدينية وتقاليده ، وما يصدر عنهم لا معنى له في الحقيقة ، وفقدان المعنى وغموضه أحيانا هو ما يحاول عرضه وتجسيمه الكتاب الغاضبون ، أو تمثيله على مسرح اللامعقول ، لكن ما الذي يحاول تجسيمه وتصويره الكتاب المقلدون وهم لا يزالون في مجتمع يعيش مرحلة تختلف بكثير عن المجتمع الغربي ؟ . لقد تسرع يونيسكو عندما جزم بانعدام الفائدة وفقدان الرجاء .. إذ لو صح ذلك لتلاشت الفروق بين الرافضين التائهين والناس الآخرين ، بل لأصبح سلوك الضائعيـن والمقلديـن أقرب إلى الصواب من سلوك الراشدين الملتزمين ، وهنا يتجلى الفرق بين اليـائس المهزوم من جهة والمتفائـل الصامـد من جهة أخرى .

ان التجديد والإصلاح ، وأبحاث التربية وعلم النفس والاجتماع تحاول بجد وتفاؤل تعديل الأوضاع الفاسدة وتقويمها وإزالة التناقضات وإعادة المجتمع الإنساني إلى دروب الخير والعدل قبل أن تربكه وتعكر صفوه تلك الجماعات (اللاعاقلة) .والجواب على ذلك كامن في التربية البيتية ، في التعاليم الأخلاقية والدينية ، في احترام القانون ، في الأصالة ، في الاعتزاز بالتراث ، وفي الانتماء القويم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الرفض بين الايجاب والسلب ... للدكتور فخري الدباغ
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البيت الآرامي العراقي :: الثقافية , الادبية , التاريخية , الحضارية , والتراثية Cultural, literary, historical, cultural, & heritage :: منتدى قرأت لك والثقافة العامة والمعرفة Forum I read you & general culture & knowledge-
انتقل الى: