البيت الآرامي العراقي




البيت الآرامي العراقي

سياسي ِ ثقافي ِ أجتماعي


 
الرئيسيةالرئيسيةبحـثالتسجيلarakeyboardsyrkeyboardدخول

شاطر | 
 

 في ذكرى رحيل علي الوردي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Dr.Hannani Maya
المشرف العام
المشرف العام



الدولة : العراق
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 37598
مزاجي : أحب المنتدى
تاريخ التسجيل : 21/09/2009
الابراج : الجوزاء
التوقيت :

مُساهمةموضوع: في ذكرى رحيل علي الوردي   الخميس 25 يوليو 2013, 3:01 am

في ذكرى رحيل علي الوردي
– July 24, 2013




[img(299.79999999999995px,209.8px)][ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
الموضوعية وقصور العقل البشري
حسين سرمك حسن
جزء من مخطوطة كتاب للكاتب عنوانه علي الوردي عدوّ السلاطين ووعّاظهم سيصدر عن دار ضفاف الشارقة هذا الأسبوع.
لم يربط الوردي معضلة الموضوعية الشائكة في الحياة عامة وفي العلوم الإنسانية خاصة بنسبية الحقيقة الاجتماعية أو بزاوية النظر إلى الحقيقة الهرم متعدّد الأوجه ، ولكنه غاص عميقا في بنية العقل البشري ليكشف أن العجز البشري عن الإمساك بالحقيقة المطلقة يعود إلى نقص متأصل في بنية العقل البشري نفسها. إن ما أسماه بـ النظرية الجزئية يعود إلى قدرة العقل المحدودة رغم أن العقل هو من الفروق التي يتميز بها الإنسان عن أخيه الحيوان حسب قوله. يقول الوردي إن من الخطأ أن ننكر أهمية العقل البشري وكذلك من الخطأ أن نثق به ثقة مطلقة. ولا بد أن يكون هناك حد وسط بين هذين الطرفين. وهو لا يعيد هذا القصور إلى عوامل بايولوجية أو عرقية ولكن إلى عوامل اجتماعية. فـ العقل في حقيقة أمره نتاج اجتماعي، وهو صنيعة الثقافة الاجتماعية التي ينشأ فيها الإنسان. فإذا وجدنا إنسانا خرج بتفكيره عن الإطار الذي فرضته عليه الثقافة الاجتماعية فسبب ذلك أنه تأثر بثقافات أخرى. وهو في تأثره هذا يجري على قوانين لا يستطيع التحرّر منها إلّا قليلا. ولو أنه عاش في بيئته المنعزلة، ولم يعرف عن غيرها شيئا، لوجدناه منسجما إلى حدّ كبير .
التنويم الاجتماعي
و التنويم الاجتماعي هو واحد من أهم السبل التي تروّض العقل البشري للرضوخ ليس للحقيقة النسبية حسب بل لممارسته الانحياز دون أن يعلم . فالمجتمع يسلّط على الإنسان منذ طفولته الباكرة ايحاء مكررا في مختلف شؤون العقائد والقيم والاعتبارات الاجتماعية وهو بذلك يضع تفكير الإنسان في قوالب معينة يصعب الخروج منها . وكما يقول لاندس أن تسعة أعشار ما نعمل وما نقول وما نفكر وما نشعر منذ استيقاظنا في الصباح حتى رجوعنا إلى فراش النوم في المساء يجري طبق ما يوحي إلينا المجتمع به من قواعد وقيم وآداب وعادات. وبالمناسبة لم يلتفت الوردي إلى أن المثل الذي يضربه لاندس مشتق من مثل كلاسيكي في أدبيات التحليل النفسي التي ترى أن ما يحكم سلوكنا ليس عشر جبل الثلج الطافي من عقلنا بل التسعة أعشار اللاشعورية الغائصة . ويعلّق الوردي على افتراض لاندس بالقول نقوم بكل ذلك ونحن نعتقد بأننا مخيرون فيما نعمل وأننا أردنا ذلك وقصدنا إليه وفكرنا فيه قبل البدء به إلى آخر ذلك من أوهام. الواقع أننا نفعل ذلك بناء على ما أوحى به إلينا المنوم الأكبر، أي المجتمع . وهذا يحيلنا طبعا إلى معضلة هائلة هي معضلة المخيّر والمسيّر في الحياة الإنسانية معرفة وسلوكا.. وفوق أننا نسيّر من قبل المجتمع وهو المنوم الاجتماعي الأكبر كما وصفه الوردي فنحن نسيّر وبدرجة أشد قوة من قبل قوة منومة أخرى هي العقل الباطن أو اللاشعور. فنحن بحق مخيّرون بالشعور لكننا مسيّرون باللاشعور.
يقول الوردي إن دراستنا لمحتويات اللاشعور قد تقلب أمام بصرنا وجه العالم فنحن بعد اكتشافنا ما فيه من خفايا سوف نرى الأمور على غير ما كان يراها الآباء والأجداد رحمة الله عليهم. إن اعتماد أسلافنا على العقل الواعي أدّى بهم إلى مساوىء جمّة. فجهلهم بما في اللاشعور من حوافز وكوامن وقيود جعلهم يؤمنون بأن الإنسان قادر على نوال النجاح والفضيلة والحق.. متى أراد وسعى وفكّر.. فهم كانوا يقولون للفاشل من جد وجد، وللمجرم ارجع إلى عقلك، وللظالم أليس لك ضمير ؟ وهم في أقوالهم هذه كلها مخطئون إلى حدّ بعيد .
ومن الأطروحات الريادية للوردي في هذا المجال هي موضوعة القوقعة الفكرية التي تضيق زاوية نظر الفرد إلى الحقائق وتجعله متصلبا في التمسك بما يعده حقائق قاطعة ونهائية من وجهة نظره. وقد بدأ الوردي طرح هذا المفهوم تحت مصطلح الإطار الفكري في عام 1952 وذلك في كتابه خوارق اللاشعور حيث أشار في مقدمة الكتاب إلى أن ما نلاحظه من خلافات مستعرة بين البشر حول الحقيقة التي من المفروض أن تكون واحدة وثابتة تعود إلى الإطار العقلي الذي يحيط بعقل الفرد ويحدد الكيفية التي ينظر بها إلى الكون من خلاله، ولذلك نجده لا يصدق بأي أمر يقع خارج هذا الإطار. وهذا الإطار متماثل في جميع الناس وسيان في ذلك بين المتعلمين منهم وغير المتعلمين. ويستعين الوردي بمقولة للإمام الغزالي ردّدها الأخير كثيرا في كتبه وهي
إن الإنسان يستغرب ما لم يعهده، حتى لو حدثه أحد أنه لو حك خشبة بخشبة، لخرج منها شيء أحمر، بمقدار عدسة، يأكل هذه البلدة وأهلها، ولم يكن رأى النار قط، لاستغرب ذلك وأنكره .
ثم يخصص الوردي الفصل الأول بأكمله من كتابه هذا لتناول موضوعة الإطار الفكري وفيه يحدد أولا الكيفية التي يتميز بها المثقف عن المتعلم من خلال مرونة الإطار الفكري الذي يحمله كل منهما، فالمتعلم هو الذي يتعلم أمورا لا تخرج عن نطاق الإطار الفكري الذي اعتاد عليه منذ صغره، وبهذا فهو لا يزداد من العلم إلا بما يزيد في تعصبه ويضيق من مجال نظره. أما المثقف فهو الذي يمتاز بمرونة إطاره الفكري وحيوية أفكاره المستعدة لتلقي كل فكرة جديدة والتأمل فيها ولتملي وجه الصواب منها. ووفق مرونة هذا الإطار يضع الوردي مقياسا لدرجة ثقافة المثقف حيث يرى أن هذا المقياس يقوم على درجة تحمل هذا الشخص الذي نسميه مثقفا الآراء المخالفة لآرائه وكيف يستوعبها ودرجة الحساسية التي يبديها تجاهها. ويتكون الجزء الأكبر من الإطار الفكري الذي ينظر الإنسان من خلاله إلى الكون من المصطلحات والمألوفات والمفترضات التي يوحي بها المجتمع إليه ويغرزها في عقله الباطن. فالإنسان إذن يتأثر بها من حيث لا يشعر , فهو حين ينظر إلى ما حوله لا يدرك أن نظرته مقيدة ومحدودة. وكل يقينه أنه حر في تفكيره. وتترتب على هذا اليقين نتيجة خطيرة تتمثل في أن الإنسان ما يكاد يرى أحدا يخالفه في رأيه حتى يثور غاضبا ويتحفز للاعتداء عليه. وهو عندما يعتدي على المخالف له بالرأي لا يعد ذلك شيئا ولا ظلما إذ هو يعتقد بأنه يجاهد في سبيل الحقيقة ويكافح ضد الباطل. ويرى الوردي أن أغلب الحروب والاضطهادات التي شنها البشر بعضهم على بعض في سبيل مذهب من المذاهب الدينية أو السياسية ناتجة عن وجود هذا الإطار اللاشعوري على عقل الإنسان. وقد أكد الوردي كثيرا أن هذا الإطار هو سبب ظاهرة التعصب في السلوك البشري. ويصل الوردي إلى القول أن الإنسان متعصب بطبيعته. يقول الوردي
استعادة الجاحظ
ظن القدماء بأن التعصب أمر طاريء على العقل البشري حيث اعتقدوا بأن العقل ميال بطبيعته إلى الحياد في النظر والنزاهة في الحكم. فإذا رأوا إلى إنسان يتعصب لرأيه غضبوا عليه ولعنوه. وما دروا بأنهم مثله متعصبون، وأنهم في هذا كمثل ذلك الغراب الذي يعيب غرابا آخر بسواد وجهه، وهو مثله أسود الوجه. تشير الأبحاث الحديثة إلى أن التعصب صفة أصيلة في العقل البشري وأن الحياد أمر طاريء عليه… فنحن لا يجوز لنا أن نعجب إذن من مثل هذا التعصب في عقل الإنسان. الأولى بنا أن نعجب من وجود الحياد فيه 336 .
ولعل الفصل السادس من كتاب الوردي مهزلة العقل البشري والذي حمل عنوان القوقعة البشرية يمثل التناول الأشمل والأكثر دقة لأطروحته هذه. فهو يرى أن الإنسان في الوقت الحاضر وعلى توالي الدهور الماضية، أناني يعيش داخل قوقعته الذاتية، وهو لا يرى الحقيقة إلا من خلال هذه القوقعة المحصنة. ثم يتناول جانبا مهما من هذه المعضلة يتمثل في التساؤل هل تستطيع الثقافة الصحيحة أن تفتح عين الإنسان على قوقعته ليقدر نفسه حق قدرها فلا يغالي بها ولا يباهي بمحاسنها الموهومة، ويجيب الوردي بتساؤل مقابل عن حدود وسمات الثقافة الصحيحة، لأن الكثير من الناس يدعون أنهم هم المثقفون وحدهم من بين الناس. ويذكرنا بأن لا ننسى أن كل طائفة من الناس تعتقد أن ثقافتها هي الصحيحة وأن قيمها الاجتماعية هي المعيار الثابت الذي يمتاز به الحق عن الباطل، وهذا سينعكس على الفرد الذي يعيش ضمن هذه الجماعة، لأن الإنسان الذي ينشأ في مجتمع معين لا بدّ أن يتأثر بمقاييس ذلك المجتمع من حيث يشعر أو لا يشعر. ثم يصل الوردي إلى نتيجة حاسمة تقول أن لا فرق بين المثقف وغير المثقف من ناحية تأثير القوقعة الفكرية إلا من حيث الدرجة، أما من حيث النوع فالجميع سواء. ولا مراء كما يقول أنه كلما ازدادت خبرة الإنسان وكثر اتصاله بالناس وتوالت عليه التجارب المرّة، صار قريبا من الحقيقة الواقعية في نظرته إلى نفسه. ولكنه لا يصل ولن يصل إلى تلك الحقيقة وصولا تاما 337 .
وإذا تابعنا تطور هذه القوقعة البشرية الفكرية خلال سني عمر الإنسان فسنجد أنها تكون في أوج قوتها في أثناء سنوات الطفولة الباكرة. فالطفل يرى الدنيا بمنظار عواطفه وملذاته، وهو لا يستطيع أن يفرق بين الحقيقة الموضوعية وبين عاطفته نحوها. فالحسن لديه حسن لأنه محبوب لديه أو لذيذ. والحسن ينقلب قبيحا حالما يصير مكروها أو مؤلما. والطفل يرى نفسه محور الكون وكل ما يجري من حوله من حوادث يرتبط به وبأفعاله وعواطفه. ولكن عندما يكبر الطفل وقد يصبح حكيما أو محنكا فإن بقية من هذه النظرة القوقعية تبقى في قرارة نفسه قليلا أو كثيرا. وكلما زادت تجارب الأنسان وعركته تجارب الحياة ضعفت فيه تلك النظرة ولكنها لن تموت أبدا. فهي باقية في الإنسان ما بقي الإنسان. ويصعب على الإنسان أن يتخلص من قوعته الذاتية مهما حاول. فهي تكتنفه من حيث لا يشعر بها، وهي تجعله يضخم محاسنه الخاصة في الوقت الذي يضخم فيه مساويء منافسيه وخصومه.
نحوي فسوف لا أتمكن من الحصول على الحقيقة تماما. إنها تبقى بجزئها الأكبر مكتومة عني. فالغربال اللاشعوري يمنعني من اكتشافها كلها على أي حال .
ويستعيد الوردي ببراعة رأيا فريدا وخطيرا للجاحظ طرحه الأخير في القرن الثالث الهجري يقول فيه إن الله لا يعاقب الكافرين على كفرهم إلا من كان منهم معاندا حقا، وهو الذي يقتنع بصحة الدعوة ولكنه يؤثر الكفر عليها بدافع من مصلحته الشخصية. ففي رأي الجاحظ كما يقول أحمد أمين في كتابه ضحى الإسلام إن الإنسان وعقائده ليست إرادية، بل هي مفروضة عليه فرضا، وأنها نتيجة حتمية لكيفية تكوين عقله وما يعرض عليه من الآراء. فمن عرض عليه دين فلم يستحسنه عقله فهو مضطر إلى عدم الاستحسان. وليس في الإمكان أن يستحسن. وهو إذن ليس مسؤولا عن اعتقاده، إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها. فمن أصيب بعمى الألوان فرأى الأحمر أسود فلا لوم عليه في ذلك. إذ ليس في استطاعته إلا أن يفتح عينيه أو يغلقهما، أما أن يرى هذا أسود أو أحمر فلا دخل له فيه. وكذلك الشأن في المعقولات.
روابط ذات صلة:


5937
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
في ذكرى رحيل علي الوردي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البيت الآرامي العراقي :: الثقافية , الادبية , التاريخية , الحضارية , والتراثية Cultural, literary, historical, cultural, & heritage :: منتدى اعلام الطب والفكر والأدب والفلسفة والعلم والتاريخ والسياسة والعسكرية وأخرى Forum notify thought, literature & other-
انتقل الى: