البيت الآرامي العراقي




البيت الآرامي العراقي

سياسي ِ ثقافي ِ أجتماعي


 
الرئيسيةالرئيسيةبحـثالتسجيلarakeyboardsyrkeyboardدخول

شاطر | 
 

 نزيهة الدليمي الطبيبة العراقية التي عشقت السياسة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
البيت الارامي العراقي
الادارة
الادارة



الدولة : المانيا
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 9446
تاريخ التسجيل : 07/10/2009
التوقيت :

مُساهمةموضوع: نزيهة الدليمي الطبيبة العراقية التي عشقت السياسة   الجمعة 15 نوفمبر 2013, 1:31 am

اقتباس :


   نزيهة الدليمي الطبيبة العراقية التي عشقت السياسة

 





اقتباس :


اقتباس :


الوزيرة رقم ( 1
نزيهة الدليمي الطبيبة العراقية التي عشقت السياسة.. دخلت حكومة عبد الكريم قاسم عام 1959 وماتت منسية في المنفى الألماني
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
باريس: إنعام كجه جي منذ سنوات، وقدر العراقيين أن يموتوا بالجملة. ومن نجا بنفسه وهاجر بعيداً عن بلاد الويلات، مات بالمفرد وهو يطبق الفم على مرارة الغربة، والجفنين على حلم لم يتحقق بالعودة الى الأرض الأُولى. هكذا رحلت عن عالمنا قبل أيام، منفية في ألمانيا، الدكتورة نزيهة الدليمي. وبين تلك الطبيبة السمراء الخجول التي استدعاها عبد الكريم قاسم الى وزارة الدفاع ليبلغها بقرار اختيارها وزيرة للبلديات، عام 1959، وبين المرأة المريضة التي أمضيت ثلاثة أيام من شتاء 2004 في ضيافتها بمدينة بوتسدام الألمانية، خمسة عقود تقلبت فيها أحوالها وأحوال العراق بشكل لا يكاد يصدّقه العقل.
حين اتصل بها، في ذلك الصيف البغدادي القائظ، مرافق الزعيم طالباً اليها الحضور الى وزارة الدفاع، لم تكن الطبيبة الشيوعية تملك ثمن التاكسي. لقد فتحت عيادتها للفقراء مجاناً وكانت تشتغل بالسياسة أكثر من عملها في الطب. لذلك ركبت الباص رقم 4 الذاهب الى الباب المعظم، حيث تقع وزارة الدفاع، ثم نزلت وسارت مسافة طويلة تحت الشمس الحارقة، من البوابة الخارجية حتى بلغت مكتب قاسم، وهي تتساءل عن السبب الذي دفعه لاستدعائها. لم يكن المنصب يخطر ببالها. فلما قال لها الزعيم إنه بصدد استحداث وزارة جديدة للبلديات ويريد منها أن تقترح هيكلاً لها وتكون وزيرتها، نظرت اليه بدهشة وقالت له: «أنا مواطنة بسيطة وطبيبة لا تفهم شيئاً في الوزارات». لكنه ضحك وشجعها قائلاً إنه يثق بها وبقدرات النساء على المشاركة في بناء البلد.
صارت نزيهة الدليمي وزيرة. وكانت أول وزيرة، لا في العراق فحسب بل في كل البلاد العربية. ولما أُعلن خبر تعيينها نزل رفاقها الشيوعيون الى الشارع وأطلقوا الهتاف الذي ارتبط باسمها في أذهان أجيال سابقة من العراقيين: «نزيهة صارت بالحكم موتوا يا بعثية».
ذهبت اليها في بوتسدام لعمل فيلم وثائقي عنها. ورأيت سيدة أنهكتها المنافي بدون أن تخدش طيبتها وحنانها وذكاءها وحس النكتة الكبير لديها. بل إنها ما زالت تلك المتطوعة للنضال، المهمومة بمصير الشعب، الساعية لمعرفة كل أحداث العالم، بدون أن تتمكن من استيعاب أن الجيش الأميركي دخل بغداد أو أن تصدّق أن الشيوعيين صاروا في مجلس الحكم.
ولأنها تجاوزت الثمانين وضربتها جلطة أعاقتها عن السير بدون سند، كانت هناك ممرضة ألمانية تأتي لرعايتها وإعداد الطعام لها، مرتين في النهار، والعناية بنظافة شقتها. وشكرتُ، بيني وبين نفسي، الألمان على هذا الكرم الانساني الذي لم يقدر عليه العرب، فبدون هذه الممرضة ما كان يقدّر لنزيهة الدليمي أن تجد من يلقي عليها تحية الصباح، ولا من يعرف من جيرانها في ذلك البرج الاسمنتي الكالح أن العجوز نزيلة الطابق الحادي عشر كانت وزيرة في بلدها وناشطة نسوية يعود اليها، والى رفيقاتها، الفضل في صدور قانون للأحوال الشخصية يضمن للنساء الكثير من حقوقهن الأساسية.
روت الدكتورة نزيهة حكايتها مع الحزب الشيوعي وهي جالسة في مطبخها الصغير مثل أي جدّة لم يسعدها الزمان بزوج ولا ولد أو حفيد. وقالت إنها تأثرت في المدرسة الابتدائية بمعلمتها سعدية سليم التي تزوجت، فيما بعد، من حسين الرحال، وكان مؤسس الحلقات الماركسية وصاحب جريدة «الصحيفة». ولما انتقلت الى المدرسة الثانوية لم يتوقف فضولها في متابعة أحداث البلد، فقد كانت منبهرة بجدتها، تلك الفلاحة الأُمية القادمة من عشيرة من عشائر الدليم، في ريف المحمودية، والتي وهبتها الطبيعة ذكاء فطرياً بحيث كانت تتردد على نساء العائلات البغدادية القديمة وتتوسط المجالس وتحكم بينهن في منازعاتهن وتقول رأيها في سياسة الحكومة وفي قرارات نوري السعيد، أشهر رؤساء الوزارات في تاريخ العراق.
كان البلد يغلي بالأحداث السياسية. فقد وقعت حركة رشيد عالي الكيلاني قبل أن تنهي نزيهة الدراسة الثانوية ببضعة أسابيع، وهرب الوصي على العرش من العاصمة، وتصوّر الناس أنها نهاية النفوذ البريطاني. وفي تلك الأيام نزلت الطالبة نزيهة الى ساحة المدرسة لتهتف ضد الاستعمار. لكن المديرة استدعتها ونصحتها بالابتعاد عن السياسة «لأنها تقضي على من يشتغل بها». وكانت المديرة، صبيحة ياسين الهاشمي، تعرف ما تقول، فهي ابنة رئيس الوزراء الذي اغتيل في وقت سابق. لكن الطالبة المندفعة لم تكن تفهم معنى كلمة سياسة ولا تدري أن الهتاف ضد الانكليز سياسة. وهي قد تخرجت من الثانوية بمعدل عال، الأمر الذي أتاح لها دخول كلية الطب التي لم تكن تقبل، قبل تلك السنة، سوى أبناء الأطباء والعائلات الميسورة. في الكلية تعرفت نزيهة الى جمعية نسائية لمقاومة الصهيونية والفاشية وانضمت الى صفوفها بدعوة من رفيقتها طالبة الحقوق فكتوريا نعمان. وهي الجمعية التي تحول اسمها، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، الى رابطة المرأة العراقية. وكانت أثناء دراستها الطب تنخرط في حلقات النقاش السياسي بين الطلبة، فالكلية كانت بؤرة تعكس ما كان يدور من صراع بين الحركة الوطنية في البلد وبين أهل الحكم. حتى إذا أنهت الدراسة، كان رأيها قد استقر على أن تدخل حزب «التحرر». وهو حزب كان يلقى هوى في نفوس طائفة من الطلبة. وتقول إنها حضرت اجتماعاً واحداً لذلك الحزب وأخبرهم المسؤول أن وزارة الداخلية لم تجزه وترك لهم حرية الانتماء الى الحزب الشيوعي الذي كان سرياً أيضاً. وهكذا كان. وأصبحت نزيهة الدليمي، مع أواخر الأربعينات، عضواً في الحزب الذي ستعطيه كل حياتها وسيعطيها مقعداً في لجنته المركزية ومنصباً وزارياً وسنوات طوالاً في المنافي.
لم يكن أحد من أُسرتها يعرف بنشاطها. لكن إلقاء القبض على أحد رفاقها وإدلاءه بأسماء الناشطين في الحزب ترتب عليه استدعاؤها للتحقيق أمام بهجت العطية، مدير الأمن آنذاك. ولم يكن أمامها مفرّ من أن تخبر والدها بالأمر، وتقول إنها قرأت على وجهه الخوف للمرة الأُولى، ولم يتركها تذهب وحدها بل رافقها الى دائرة الأمن «لأن بنات العائلات لا يدخلن تلك الأماكن بمفردهن».
تدهشني المرأة العجوز وهي تستعيد وقائع لقائها ببهجت العطية. فهذا الرجل الذي كانت الأدبيات الثورية قد صوّرته على هيئة ذئب من الذئاب البشرية، كان حسب وصف المناضلة الشيوعية رجلاً كيساً ومثقفاً و«هواية حبّاب». لقد ناقشها في مبادئها وخاطبها بحنان أبوي وقال لها إنها بنت من عائلة مستورة تحتاج الى عملها وإنها تستطيع أن تخدم البلد من خلال الطب. ثم صارحها بأن هناك من وشى بها فأنكرت علاقتها بأي نشاط سياسي. وكانت النتيجة حرمانها من التدريب ونقلها الى مستشفى الكرخ، ثم الى السليمانية، ثم الى كربلاء، لإبعادها عن الحزب.
تفرغت الدكتورة نزيهة للطب وخاضت حملات لمكافحة الأمراض السارية في الريف طوال النصف الأول من الخمسينات. وكان عملها في القرى النائية وفي الأهوار فرصة للتعرف على أحوال النساء ومعاناتهن ومشاهدة الفقر والمرض على الطبيعة. وهي تذكر أن الأهالي كانوا يقاطعون البعثة الطبية إذا قصد أفرادها بيت شيخ المنطقة، لذلك كانت تفتح صناديق الدواء في أول كوخ تصادفه فيأتي الفلاحون بالعشرات لطلب العلاج.
حين قامت ثورة 14 تموز (يوليو) 1958، كانت نزيهة في بغداد، تنام فوق سطح بيتهم في شارع المغرب مثل كل العراقيين في أشهر الصيف. ومن هناك سمعت صوت الراديو يلعلع بالبيانات في بيوت الجيران وشاهدت المظاهرات تنطلق من الأعظمية وتتجه نحو الباب المعظم وبعضها يحمل صورة جمال عبد الناصر. ووسط الجموع شاهدت سكرتير الحزب الشيوعي، سلام عادل، وكانت تراه لأول مرة غير متنّكر، وقال لها إنه قادم من دائرة بريد الأعظمية بعد أن أرسل برقية تأييد للثورة باسم اللجنة المركزية للحزب. وهي تشرح لي أن تلك البرقية كانت علامة لخروج الحزب من العمل السري الى العلني، كما أنها كانت اشارة عن موقف الحزب موجهة الى الجهات الخارجية. صارت رابطة المرأة العراقية جمعية علنية تضم 40 ألف فتاة وسيدة. وعقد أول مؤتمر لها في ربيع العام التالي للثورة، وانتُخبت نزيهة الدليمي رئيسة لها. ولم يشهد أبوها ولا جدّتها تلك المناسبة لأنهما كانا قد فارقا الحياة، لكن والدتها ذهبت الى المؤتمر وجلست بعباءتها سعيدة بين الصفوف.
في عمر الخامسة والثلاثين تسلمت نزيهة الدليمي مديرية البلديات العامة لتجعل منها وزارة تتبعها كافة المؤسسات المتخصصة في الخدمات البلدية. ولم تكن المهمة سهلة، فقد كانت الوزيرة تجوب العراق وتعقد الاجتماعات مع كل رؤساء البلديات. كما جاءت بهيئة قانونية لوضع مسودة قانون ينظم انتخاب أعضاء المجالس البلدية باعتبارها مستقلة عن الحكومة. لكن عبد الكريم قاسم لم يسمح بذلك المشروع، في حين وافق على مشروع آخر تقدمت به رابطة المرأة لقانون جديد للأحوال الشخصية، الهدف منه إصدار تشريع مدني موحد لكل الأديان والطوائف، ينظم قضايا الزواج والطلاق والنفقة والإرث وحضانة الأبناء وغيرها.
تتعب محدثتي من الذكريات، فتقترح عليّ أن نطبخ رزاً وفاصوليا للعشاء لأنها سئمت من الوجبات الألمانية عديمة المذاق. وكانت لديها في البراد أسياخ من الكباب الجاهز، أعدتها لها ابنة أخيها المقيمة في برلين، في زيارتها الأخيرة. وبعد الشاي قمنا للنوم على أمل استكمال الحديث في الصباح التالي. وكانت مثل شهرزاد معاصرة تقسّم قصصها الشيقة على مراحل، ولا تسكت عن الكلام الذي صار مباحاً بعد تقادم الزمن عليه.
أقامت الرابطة لجاناً في الأحياء السكنية، في بغداد وباقي المدن، لدراسة مشكلات المرأة وأخذها بنظر الاعتبار في القانون المقترح. وأشرفت على المشروع الناشطة روز خدوري (توفيت في بغداد قبل سنتين) وعملت معها تربويات وقانونيات وطبيبات وسيدات من كبيرات السن والخبرة، يعرفن التقاليد الاجتماعية وما يجوز ولا يجوز. ونقلت تلك الملاحظات الى اللجنة المكلفة بصياغة القانون والمؤلفة من مشرعين ورجال دين وممثلين عن الوزارات المعنية.
هكذا صدر القانون رقم 188 لسنة 1959 ورحبت به الأوساط المتنورة بينما هاجمه آخرون بضراوة لأنه ساوى في الميراث بين الذكر والانثى. وكانت نزيهة الدليمي هي كبش الفداء. وهي تقول إن الذين حاربوها كانوا من «الخصوم السياسيين ومن الرجعيين». الأوائل لأنها شيوعية والتوالي لأنها امرأة. أما الزعيم فقد أخذ منها البلديات وجعلها وزيرة بلا حقيبة حتى خريف 1960.
كان رذاذ الحملة عليها قد بلغ أُسرتها وأصاب والدتها وأُخوتها، فارتأى الحزب أن تغادر العراق، وذهبت بالفعل الى موسكو وظلت هناك لحين قيام انقلاب البعثيين على عبد الكريم قاسم في 1963، فانتقلت الى براغ وساهمت في تشكيل حركة الدفاع عن الشعب العراقي، مع الشاعر الجواهري، والدكتور فيصل السامر، وشاكر خصباك، وأرسلت الحركة برقية الى الرئيس عبد الناصر تطالبه باستخدام نفوذه لوقف ما يجري في العراق من تصفيات، وردّ الرئيس المصري ووعد خيراً. وفي تلك الفترة كتب الجواهري قصيدته الخالدة «يا دجلة الخير». كما دفعت الحركة الرفيق خروتشيف لكي يرسل برقية الى بغداد للتوسط في تخفيف الحكم على ثلاث شيوعيات حكمن بالاعدام، هن سافرة جميل حافظ، وزكية شاكر، وليلى الرومي. وتم إنقاذ حياتهن.
أواسط ستينات القرن الماضي، بعد انقلاب عبد السلام عارف على البعثيين، بدأ الحزب الشيوعي بإعادة كوادره الموجودة خارج العراق، وكان اسم نزيهة في آخر القائمة، فعادت بشكل سرّي في بداية 1968 وفوجئت بعزاء مقام في بيت الأُسرة. لقد توفي أخوها بسكتة قلبية تاركاً ثلاثة أبناء، وكانت قد حضرت عقد قرانه قبل تركها العراق. ورغم أن الحزب كان قد أعاد النشاط لرابطة المرأة العراقية وتمت استعادة كوادرها، لكن انشقاقاً فيه دفعه الى وقف نشاطها تلافياً للمشكلات في صفوفها. بقيت الدليمي في الوطن عشر سنوات. وهي لم تتزوج لأن الجيدين من رفاقها كانوا في السجون، حسب قولها، ولأن النضال التهم أجمل سنوات عمرها. وفي عام 1977 غادرت العراق ولم تعد إليه. وهي قد درست، في منفاها، تاريخ بلدها في مراحله المختلفة، وتاريخ الحركة الوطنية فيه، على أمل أن تؤلف كتاباً يحمل نظرة نقدية لتلك الحركة. كما ظلت تتلقى، في بوتسدام، مطبوعات الحزب الشيوعي، وكانت تقرأ كثيراً وتشاهد التلفزيون وشاركت في ملتقيات قليلة قبل أن تصاب بالعارض الصحي الذي أقعدها. وعلى المنضدة الصغيرة، بجوار سريرها، شاهدت مصحفاً وكتاباً عن حياة لينين. ولما لمحت استغرابي من اجتماعهما قالت «لا تعارض بينهما طالما أن لينين كان يريد خير البشرية». وقالت أيضاً إنها نادمة لأنها لم تمارس الطب بشكل كاف، تلك المهنة التي أحبتها، لكنها أحبت الوطن أكثر منها. «كيف أشتغل في الطب ووطني يخضع للحماية البريطانية؟».
عاشت نزيهة الدليمي 85 عاماً وماتت، والعراق تحت الاحتلال الأميركي، والقوات البريطانية عادت الى البصرة بعد نصف قرن من الجمهورية. ماتت وفي العراق اليوم، من الأجيال الجديدة، من لم يسمع باسم نزيهة الدليمي.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
نزيهة الدليمي الطبيبة العراقية التي عشقت السياسة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البيت الآرامي العراقي :: الاخبار العامة والسياسية General and political news :: منتدى المنبر السياسي والحوار الهادئ والنقاش الجاد الحر Political platform & forum for dialogue & discussion-
انتقل الى: