البيت الآرامي العراقي




البيت الآرامي العراقي

سياسي ِ ثقافي ِ أجتماعي


 
الرئيسيةالرئيسيةبحـثالتسجيلarakeyboardsyrkeyboardدخول

شاطر | 
 

 قراءة في فكر العالم النفسي فخري الدباغ

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
البيت الارامي العراقي
الادارة
الادارة



الدولة : المانيا
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 9457
تاريخ التسجيل : 07/10/2009
التوقيت :

مُساهمةموضوع: قراءة في فكر العالم النفسي فخري الدباغ   الإثنين 28 يونيو 2010, 7:15 pm

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
قراءة في فكر العالم النفسي فخري الدباغ

-
صادف ظهور كتاب فخري الدَّباغ الموسوم:ـ (السُّلوك الإنساني ـ الحقيقة والخيال)، في سنة 1986م، قـُبَيْلَ أو بُعَيْدَ رحيله ومفارقته هذا العالم بحادثٍ مفجع ومؤسف.
والدكتور فخري الدَّباغ هذا عالم عراقي وطبيب متخصِّص بالأمراض النفسية والعقلية شغل مناصب مرموقة في الدَّولة العراقية، وتنقل بين الموصل موطن نشأته وبغداد حيث تبوأ كرسي الأستاذية واضطلع بالمهام التدريسية في كليتي الطب بكليهما وحظي بحفاوة ذوي الشَّأن به وتوقيرهم لعلمه، وذاع صيته خارج الوطن، حتي أنَّ ملك الأردن الرَّاحل الحسين بن طلال يستقبله بالأحضان ويستبشر بلقائه ويبتهج لقدومه ويخالجه إحساس أنـَّه قبالة امرئ غير عادي كما أوحَتْ لي بذلك صورة تجمعهما، فهو إذ يجله فإنـَّما يجلُّ في شخصه الحكمة والعقل والحصافة، ويمحضه إعجابه وإكباره لهذا النفر المجهود المستوعب لمأثور الأمة العريق ومذخوراته النفيسة من المعرفة والعلم والخبرة بالنفس البشرية وتعرف نوازعها وميولها، فلا غرو أنْ أودع نتائج تفحصه وتمحيصه للسُّلوك الإنساني أكان منحرفاً عن الجادة أم سائراً في دروب الاستقامة، قوالب لفظية تغلب عليها الفصاحة ورشاقة البيان،
وتغري بالمداومة والمضي في قراءتها لنهايتها، دون أنْ يعتري هذا المطالع المجتلي سأم أو كلال، فلغته أدبية محكمة ومجانبة للتنميق والتفصح، وتعني بالعلم وتـُبسِّط دقائقه العويصة من غير اعتزام وتجهز لذلك، ممَّا نستذكر معه كتابات خيرة الناثرين الممتازين من الأطباء المسلمين والعرب، أمثال :ـ الفارابي، ابن سينا، وابن رشد، وسائر مَنْ استغرب الرِّوائي المصري يحيي حقي لاستبعادهم من مفردات المناهج الدِّراسية المقررة في مدارسنا واستهجنَ خلوَّ كتبنا المدرسية وافتقادها لشواهد وعينات من آثارهم ولقياتهم للدَّلالة علي أصالة لغتنا وغناها وثرارتها إلي جانب ما تحتويه وتزخر به من المقامات والرَّواسم المثقلة بالبهارج والزَّخارف فهذه أدلُّ علي أدب الصَّنعة وتلك أحري أنْ تعد من الأدب المطبوع.
ينتظم الكتاب في أربعة محاور، ولنا أنْ نعتد الموضوع الأول من كلِّ محور هو المدار الذي يوليه عنايته وينزع لشرحه وتحليله وتفسير غوامضه وفكِّ رموزه وإشاراته واصطلاحاته وتقريبها من الفهم، من قبيل الحس العام ممَّا شاع في الثقافة الغربية ويعني في عرف الجماعات هناك " استخدام العقل والفطنة في حلِّ المشاكل وتسيير أمور الحياة "، ومن ثم يمضي في افتراض وإيجاد ما يناظر هذا المعني أو يقابله ويزيده سهولة أو يدنيه من الأذهان الكليلة والمدارك المحدودة، فيستنبط أو يزجي علي الفور معاني أخرَ من قبيل أنَّ الحس العام هذا مفاده " الحكمة في إدارة الأمور "، وغايته " استخدام الفكر والخبرة لفكِّ العقد والمعضلات الآنية أو كيفية الرَّبط وإيجاد العلاقات المختلفة لتجاوز الأزمات والمشاكل "، أو سداه ولحمته في تحصيل حاصل هي " الأسلوب المنطقي المعقول في استجابة الإنسان لحوافز الحياة ومؤشراتها "، وكلُّ ما يباين ذلك ويناقضه من ضروب السُّلوك يؤدي بطبيعة الحال إلي الإصابة بأمراض نفسية شتي من قبيل الحمق والطيش والعناد والمكابرة، وبالتالي يقود إلي ما أسماه علماء النفس بمرض السايكوباثية، ومن أعراضه تلك السلائق المذمومة من انقطاع التواصل والتلاؤم مع الأفراد المحيطينَ بالمرء إنْ لم تنتهِ به إلي أطباع غريبة من الشُّذوذ والإجرام والتشرُّد وانبتات صلته بالمجموع، وكذا يتضح رائد الباحث المرحوم فخري الدَّباغ في الإيفاء بناسنا علي الصَّفو وراحة البال والبعاد قدر الإمكان عن التوترات واحتمال الهموم، وتجنيبهم مآتي الغمِّ والكدر وتعكير المزاج في حالة تجاوزهم في تصرُّفاتهم عن كثير ممَّا ينزله الآخرون بهم، ولعلَّ مشارفة ذلك بحكم المحال لأنَّ الآخرين هم الجحيم كما يقول الوجوديون، فكلُّ منـَّا شئنا أم أبينا مُبتلي أو مصاب بعقدة نفسية مستعصية أو بضربٍ من الكبت لعواطفه يوماً ، فاته وقت الإفضاء بها والإفصاح عنها بفعل إحجامه وتردُّده عن البوح لسببٍ وآخر، فعوَّض عنها بهذه الأضغان التي تساوره من آنٍ لآن.
وفي المحور الثاني يسلط أضواءه علي النفس البشرية، فيفيض في معارفه ومجانيه من ثقافة الغرب من خلال إحاطته بسير وجبلات وأطوار رعيل من أعلامها :ـ فان كوخ، نيتشه، دستوفسكي، أوسكار ويلد، وكير كجارد ؛ ممَّن اتسمَتْ حياتهم بشتي الأكدار والمنغصات نتيجة ما عانوه وكابدوه من قلق وتمزُّق واضطرابٍ حالَ بينهم وبين التمتع بمباهج الحياة ومنعهم من الانسجام مع مجتمعاتهم والتصالح معها، ودفعهم إلي التمرُّد علي مواضعاتها وتحديها، فغالوا في استعلائهم واحتقارهم وازدرائهم لكلِّ ما يعج به محيطهم من مألوفاتٍ، وما ذاك إلا بسبب ما نكبوا به من الابتلاء بالتشاؤم والكآبة والقنوط والاضطراب الوجداني وبالتالي أودي ببعضهم أو اقترب بهم من المرض العقلي، غير أنـَّا لا ننفي أنَّ أدواءهم هذه علي سوء وقعها في النفس وكانتْ مجلبة لشقائهم واغتمامهم وإظلام عيشهم، فإنـَّها كانتْ من نحو آخر مصدر إلهام لما ابتدعوه من الرَّوائع الأدبية والأعمال الرِّوائية المتميِّزة بواقعيتها وفنيتها وجمال تصويرها.
ويلمُّ من خلال المحور الثالث بما صار معروفاً لدي الأوربيينَ بالرَّفض وهو عين التحلل والانفلات من التقييدات التي أجلبتْ بها الحضارة الإنسانية مع تفاقم مشكلاتها واشتداد مصاعبها، وألزمَتْ الإنسان بالجري وراء ما يبقي له توازنه وتماسكه وسط هذه الحياة المحفوفة بالمعاضل والتبعات الثقال، فتنوَّعَتْ سبله ووسائله وأسبابه في تلمس الخلاص ورضي بالعيش خارج المدن المكتظة بالزِّحام مؤثراً الطبيعة علي ما عداها من الأمكنة، وأخيراً جنح لاصطناع الرُّقي والتعاويذ والإيمان بها والتعويل عليها في الخروج من أزماته، وبالتالي عشقه وهيامه وهو يصوغ نتاجاته الأدبية إنْ كان من أرباب مهنة القلم، بمذهب أو مدرسة اللامعقول كأحد ألوان الخرافة !.
ومن مفردات محوره الرابع والأخير المكرَّس للتفصيل بماهية غسل الدِّماغ ومعناه ثم العلاج النفسي وأنواعه المعروفة ومَنْ جرَّبه ومارسه وبرع فيه وأوفي منه علي نتائج طيبةٍ وأفلح في تهيئة " حياة مستساغة للمريض وخالية من التعقيدات والمشاكل له ولغيره من الناس "، قلتُ من مفردات هذا المحور الختامي إسهابه بعض الشَّيء في التعريف بالمدرسة التكاملية أو الجشتلت أو الجشتالط كما طالعتنا التسمية الأخيرة في مراجع ودوريات أخري، وما نحيط به من أركانه ودخلتْ شياتٌ منه في النقد والدِّراسات الأدبية، هي أنْ ننظر إلي الشَّيء نظرة إجمالية ومن ثمَّ نقيِّمه ونكوِّن فكرة عنه، لا أنْ نلجأ إلي النظر له جزءاً جزءاً ، ولعلَّ ما يقرِّب هذا المفهوم المشوب والمُلفـَّع بشيءٍ من التفلسف هو اعتمادنا في تعليم الصِّغار مبادئ القراءة علي الطريقة الجملية بدلاً من الهجائية.
وأخيراً فهذا الكتاب الشَّائق الذي صنـَّفته مجلة (العربي) واختارته من بين مأثورات الرَّاحل فخري الدَّباغ ينماز بالتجانس في أغراضه ومقاصده، وحتي في ما استرفده وأتي به واستوحاه من قراءاته لنتاجات العلماء الأوربيينَ، دلل علي اطلاعه الواسع الجم ومعرفته الغزيرة بكلِّ ما يخصُّ مهنته ويتعلق بها بوصفه أستاذاً عاملاً ومحاضراً متمرِّساً وطبيباً نطاسياً كما يقال في امتداح أضرابه وأخدانه من الخيرين والمخلصين، فكان غيابه المفجع وهو في أوج تألقه وشخوصه في المحافل بمثابة خسارة فادحة لشعبه ووطنه كما ندبه يوماً مواطنه الموصلي الرَّاحل بعده بزمنٍ الأديب واللغوي محمد صالح حياوي.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
قراءة في فكر العالم النفسي فخري الدباغ
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البيت الآرامي العراقي :: الثقافية , الادبية , التاريخية , الحضارية , والتراثية Cultural, literary, historical, cultural, & heritage :: منتدى اعلام الطب والفكر والأدب والفلسفة والعلم والتاريخ والسياسة والعسكرية وأخرى Forum notify thought, literature & other-
انتقل الى: