البيت الآرامي العراقي




البيت الآرامي العراقي

سياسي ِ ثقافي ِ أجتماعي


 
الرئيسيةالرئيسيةبحـثالتسجيلarakeyboardsyrkeyboardدخول

شاطر | 
 

 زيد الحلي فارس الصحافة المتوثب يشرب قهوته من قعر الفنجان

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Dr.Hannani Maya
المشرف العام
المشرف العام



الدولة : العراق
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 37598
مزاجي : أحب المنتدى
تاريخ التسجيل : 21/09/2009
الابراج : الجوزاء
التوقيت :

مُساهمةموضوع: زيد الحلي فارس الصحافة المتوثب يشرب قهوته من قعر الفنجان   الإثنين 16 يونيو 2014, 10:46 pm

زيد الحلي فارس الصحافة المتوثب يشرب قهوته من قعر الفنجان
– June 16, 2014

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
أكثر من صراع في محتوى غير محتدم
سهام الشجيري
حين ينفرط عقد التاريخ وينزلق على السنة صادقة، ينساق مثل حبات الدر واللؤلؤ في نهر صاف لا يغلفه طمى السدود المفترضة، ذلك ان الانفراط من ذاكرة نقية يتطاير مثل نثيث المطر في أول الغيث، ينث هنا وهناك، وتنزوي منه شذرات زرقاء لا نستطيع ان نحبس أنفاسنا لالتهامها، بل قد تتدلى فوق أشجار انثيالاته بعض سنوات تطيح ببعض بنود الذاكرة، لكن ذاكرة الحلي زيد الصحفي اللامع، -الذي ألقم بكر حماس حروفنا في الصحافة حزمة خلقه وحرفنته قناديل وشموع- حشدها رغم صهيل الوقت كي يمسك بإطراف بعض تلك السنين، هذا لكل الناس طبعا، اما الحلي زيد فقد جمع خزين ذكرياته ونتاج مسيرته الصحفية في بودقة صافية بلورية، ذات نكهة مشتعلة بالصدق، لأن سنوات عقده بكر صلبة يقظة مستريحة، فحين انفرطت بين أصابعه، جمعها مرة واحدة في كم قميصه، وربطها مثل راهب قديس في ناقوس ديره، يلوك القدر ويرسم صولجان الزمن بين خطوط يده.
 بالتأكيد الحلي زيد يملك اكثر من كم قميص مربوط بذاكرة ناعمة مثلما يملك اكثر من عباءة لتغطية الغث من سنواته لا خوفا او خجلا بل كبرياء وعفة قلم، وترفع عن الصغائر والصغار وهي وهم كثر، لم يمرغ ذاكرته بالصدفة، بل اتكأ على ماء نقائها، ذاكرة ناعمة، شفافة، راصدة، نقية، صافية، نذيرة، لذيذة، حلوة رغم علقم مراحلها المر، حاضرة، متيقظة، أمينة، متأهبة، صادقة، زجاجية، ماسية، فسفورية، مملوءة بالمحبة، محبة النور والصفاء، باكر لم يمسسها لظى الكره وحريق الانتقام، بيضاء مثل كف طفل وليد، ذاكرة ليست خشنة، بل لها ملمس الحرير، ليست متشظية، وغير مغفلة او غافلة، ليست خائفة، ولا شامتة، وغير متوعدة، ولا مهددة، بل متحفزة، ذاكرة رفيعة مترفعة، متصالحة، بعيدة عن الغلظة والتشفي، لا تكظم الغيض بل تقظمه، تغفو بين أصابع الحلي حكايات تمتلئ بشغاف التجلي ولا تسير إلا باتجاه الحقيقة، لم يستحلب ذاكرته، ولم تلح عليه باستحضار السواد من المحن بل بياضه الذي يغشاه كظله، وهو يلتمسها، ويتوسلها المزيد من البياض الناصع ولا ذكرى غير البياض، بل نثر عطرها بين أصابعه وأفرط نقاءها من سمرة انتمائه لعالم الصحافة في مطبوع ثمين معنون(50عاما في الصحافة-ذكريات صحفي في أربعة عهود) أصدرته دار أمل الجديدة بدمشق بطبعته الأولى لسنة 2012، إذ وضعه الحلي بين يدي مدوناً إهداء لي: (سهام الشجيري.. تاريخ ممتد من الجذور)
بلا عكازات وبلا رتوش
لم يلمع مبراته حين بدأ أول السطر، بل موسق جمله، لأنه يؤمن ان المهنية الصادقة هي كالنهر اندفاعا، والعاصفة هبوبا، والصباح القا، والنسمة بوحا، واستغنى عن ممحاة تريد ان تمحي التوهج، توهج ذاكرته، وتدلي سنواته مثلما يتدلى عنقه للإبداع والتواصل، لكنه استعمل ممحاته لمحو ما لصق به من أدران حاسديه، وكأن التاريخ ليس ببعيد، بل جعلنا نعيشه ونلمس دقائقه، وساعاته، وسنواته، بل كنا نحمل معه أوراقه أينما حل ونهرول معا حتى نستنطق سطوره ونلحق به اين قاده إبداعه، وأين أوصله إصراره وطموحه، هي ليست ذكريات عابرة، وليست حكايات عن عالم مليء بالحكايات الغريبة والعجيبة، وليس حديث سرد عن مهنة وصفت بمهنة المتاعب وبالسلطة التي يقيس العالم بها درجة حرارة الشعوب، كان الحلي يقيس بالصحافة درجة حرارة الناس والسلاطين وروحه، ترى ماذا اضمر بعد؟ وهل كان محراره يجس نبض التاريخ كي يأتي بعد خمسين عاما ليقول لأجيال الكترونية بان طعم الصدق والأمانة هو مذاق فاعل لتوصيل الغايات بالأهداف، وهو الصحفي وكاتب المنوعات ومعد برامج إذاعية، رصد فيها ما تنشره الصحافة العراقية، ومن يقترب منه يتعلم الكثير في فنون الصحافة، إذ نقش على أطراف أصابع الشباب حرفة الصحافة حينما غمس أطراف أنامله بين أوراقهم، وهم يذهبون إليه لاستجداء نصيحة تنتشلهم من فوضاهم وتخبطهم في بداية مشوارهم الصحفي باختيار الموضوعات الصحفية، ويبحثون عن مؤتمن ناصح فكانت نصائحه خرز يتلامض في طريقهم، منحهم رحيق حرفيته ومهنيته، بدماثة خلقه المعهودة يشجعهم على الدخول من الباب الحقيقي للصحافة، وهو باب الصدق والموضوعية والحقيقة، فكانت نصائحه قلادة تأبطها جيدهم وهم يتلمسون موقعهم في مملكة صاحبة الجلالة، وهو ما دعاه ليأخذ بيد كل من يعتقد بإبداعه وان له مستقبل ما في العالم الذي اختاره، وشواهده في ذلك كثيرة جاد في سرد تفاصيلها بين طيات مؤلفه الثر.
كتب عنه رباح ال جعفر(إذا كان للحقيقة وجهان كما يرى الشاعر الفلسطيني محمود درويش في قصيدته سلام الأوهام فان لزيد الحلي وجها واحدا في الحياة فلا عكاكيز ولا ملكات ولا رتوش، وهو مثل أي إنسان لا يستطيع ان ينكر نفسه ولا يهدر تجربته التي بدأت في سنة 1964 حين دخل جريدة العرب البغدادية وكان عمره 17 سنة) والحلي صحفي وظف تجاربه في رحم ذكرياته، وهو صاحب قلم متميز في تحقيقاته او في صياغة الخبر او كتابة العمود اليومي او الأسبوعي مع قوة اختياره عناوين الأخبار والتحقيقات الصحفية مما يدلل على خبرته وتجربته الطويلتين، واستحق بجدارة لقب الصحفي اللامع ومع اشتعال الذاكرة، فأن فراشات سنواته بقيت يافعة متطلعة للمزيد بعد ما يقرب من خمسين عاما، ظل قلمه مشرعاً، يتغنى بما تيسير له من بوح المفردات، وحين أتصفح سنواته واغبش من انتظاري في لج إبداعه لعلني الاحق عبير أيامه، لم يجادل فقد جانب الجدل سرده ولم يسرد فقد جانب السرد جدلياته ورؤاه، حفر سنواته مبتعدا عن الزهو والغرور، رغم اعترافه انه لربما مسه بعض جنون الغرور لكن صدمة ما أوقفت زحف ذلك في روحه، فكان رمز للعطاء.
ثورة روحية
كأني بملايين الحروف انتفضت على قلم الحلي الرشيق، لكنه لجمها بمداد روحه وإبداعه، لان مدن كلماته صافية مثل حبة خردل شفافة، مستيقظ في كل حروفه، غير قلق ولا أهاب، حتى حينما تمر رياح ذكرى الألم بين صدغيه وفي خاطره، كان قد اقترب اكثر مما ابتعد عنه الآخرون، ينبت زيتونا وأبا، نلمس بين طيات ذاكرته أضواء باهرة مرة وظلام دامس أخرى، لكن الأضواء الباهرة احتوت الظلام الدامس بل حسرته في أقبية استطاع الحلي ان يكممها بكم قميصه الإنساني دون ان يلتفت، وحين راح قلمه يسطر ما تمليه ذاكرته من أسماء كانت هناك أسماء أخرى بقيت عصية عليه، واعتقد هنا ان الحلي قبل ان ينوي او يشرع باستحضار ذاكرته وسنواته، دخل في ثورة روحية، استحم بالقرفة والقرنفل وماء الورد والنعناع، وارتدى أجمل ثيابه، وتعطر بالياسمين والمسك، مثلما رايته أول مرة، كان أنيق الهندام والروح وما زال، لأنني حين لمست عبير حروفه عندما نطقت الكلمات وكأني به يمسح عبير ماء الورد والنعناع بجسد الحرف، حين وقفت حروفه أمامي وأمسكت بأطراف الذكريات، كنت أهدهد أصابعي، واغرس عيوني في محجر الأوراق، علني اقرأ ما يقوده لي بشكل غير الذي عرفته، لكن حروفه نبأتني إنهما لا يفترقان أبدا، ماسات مجلوة تنتظر البريق في غبش الأيام.
يسحب الحلي قراء ذكرياته من عضد قلوبهم كأنهم سياح، جابوا معه المدن والدول والأمسيات، واللقاءات، وقاعات التحرير، وأفكار الموضوعات، وطيات الكتب التي يحملها للقراءة مرة وأخرى ليهديها سواء السبيل الى قارئ عابر، صافحوا معه الرؤساء والفنانين والناس العابرين في زوايا الحياة، حضروا معه المؤتمرات والدعوات والغزوات، دون ملل، هاتفوا شغله وحبيباته المفترضات، تداهمهم أفعى هندية كما داهمته في الهند او يتلبسهم الفضول لرؤية غرائب المشاهير مثل فضوله لدخول الحمام الخاص بالممثلة المشهورة جينا لولو بريجيدا، ويجالسونه وهو يضحك بملء شدقيه مع عتاة الكوميديا العربية، يجول بنا في المدن والمطارات العربية والأجنبية، وطأت أقدامنا معه في ديار بلاد الله الواسعة وانبهرنا مثله في ديار الأندلس ومصر واليمن وفرانكفورت وباريس والهند، وكل بلاد الله الواسعة، واتكأنا معه على سور الصين العظيم متأملين مثله قدرة الإنسان على البناء، ولم نتملل من القراءة، ذلك ان الحلي ظل محافظاً على رونق حروفه وبريقها طيلة (290) صفحة، إذ أبعد سرده عن التقليدي من المؤلفات ولم يحصرها بفصول ومباحث، بل منحها عنوانات منفصلة لكل حكاية لكنها تتوشج بعرى الاستمرار كأنها حكاية واحدة، شأنها شأن السير الذاتية للمبدعين، وهو المؤمن بأهمية العنوان لأنه مثل وجوه الصبايا وما عداه فهو تحت الثياب، حثته خطاه باتجاه تقديم دروس وعبر مجانية للأجيال التي تلج عالم الصحافة، فهو يتحدث عن الموهبة والمهنية والحرفنة وكنت اعتقد وانا اقرأ إهداء الكتاب لولده البكر الذي فقده مبكرا، ان ذلك اجتر رحيق إبداعه لكنه حين امتشق وجعه، غلفه بين طيات قميصه ليوسم حزنه برسوم كانت خير ابتهاج للرابض في خيلاء المقبرة، لذلك ارتضى ان يستمر ويكتم صراخه، ويداوي آهاته بآهات الحروف عله يشفى، فهل تشفي الحروف الجروح؟ ربما؟ لكن للحزن أنياب لا يرتد إليها طرفها أبدا.
تماماً مثلما نقلب صفحات الذكريات فأننا نعتقد للوهلة الأولى ان ذاكرته سرقها الألم والوجع، مثلما سرق دجلة أحلام ولده البكر، لكن الصبر كان اكبر من ضياع اختطاف ضوء القمر والنجوم كما يصفه، إذ لم تتعكز ذاكرته على عضد هش، ولم تتوسل بهذا الخيط او ذاك، وحاول في هذه المذكرات-الذكريات، كما يحلو له ان يسميها، ان لا يجعل الغبار يتطاير عنها، فيصيب البعض بالعطاس او الاختناق كما قال في مقدمته، لذلك قام برش سطوره بالماء ليحول دون ذلك، تحاشيا لزعل هذا او ذاك، محاولا ان يكون في ذكرياته مثل جبل لا يهتز، وبالمقابل يكون مثل طفل وديع رقيق يهتز لكل شيء، هو لم يستدن من الغد الهارب ولم يحرك الساكن المجهول، ولم يدفع ديون الأمس رغم كثرتها، ولعله يتوكأ على ما تبقى من رحيق العمر، لكن ذاكرته بكر شابة لم يداهما الهرم، ولم تنشبها سهام الأيام، ولذا حين أراد ان يكون صحفيا، عاش الاحتراق بوهج التجربة وكان بجنون الشباب وعقل الشيوخ، الكلمة عنده يجب ان تكون مثقلة مثل شجرة مثقلة بثمارها، وان لا تكون سطحية لا تعني أحدا، وكلما ثقلت الكلمة بالمعاني ازدادت شفافية ورونقا، حاول مسك خيوط القمر في الليل، لينسجها من جديد لكن الليل أعمى، تزود من ناي آهاته، نغمات حاول  بها إعطاء فرح قد زال، والعمر يسقط من سقف جمجمته شعرة شعرة، هل تجرع نخب النهايات؟ يسأل أوراقه وهو يدنو منها بصمت، أم ان روحه تنز من بين أصابعه، فيتلو نجواه واحتراقاته ويصفيها أشواقه ولهفته، هل كانت محاريث خشبية؟ أم أسلحة مهنية، متمرسة، يفخر بها، وكأنما أرواح الذين تعرف عليهم في قراءته البكر، شكلوا دروعا مطمئنة حوله، ولم يخف اندهاشه من تلك الصور والرسوم، التي افترشها أمامه وبدأ  يلتقط منها حكايات تليق بعصامي مثله، لكنه وصفها  بخربشات السحرة وكتبة التعاويذ، ولم يغريه أبدا طيلة مشوار حياته المرتقى السهل، إذا كان المنحدر وعرا فالزمن يمشي بقطار اللاعودة، وعلى المرء ان يغذ السير الى تحقيق مبتغاه بقوة، كان حلمه بان يقرأ الناس اسمه، وكبر الحلم مثل بالون في سماء المخيلة، فالصحافة كما يصفها وعاشها لاحقا جميلة جذابة وخفيفة كالفراشة البيضاء التي لا تحط إلا على الأزهار في المساكب النظيفة.
شارع الصحافة
شخوص ذاكرته تقترب من رسغه، فيلثمها ويتحسس أنفاس دفئها، يتعلق بذيولها خوفا من ان تنسحب وتتركه، حجز تلك الشخوص في جوف ذاكرته التي ضاقت وتضيق ذرعا بالرغبات والأحلام والأسئلة العصية على الإجابات، هو متصالح مع الزمن، محاولا إعادة بعث ما خزنته ذاكرته من ثقب صغير فيها، دون القفز عليها، ففي ثنايا قلبه حكايات وقصص، دونها حرقة الحزن ولوعة الأسى وسطرها على وجناته دموعه التي لم تنفك عن مقلته، إذ ان ذاكرته هي فعل استحضار مؤقت للزمن الماضي، بكل مكوناته وانفعالاته وشجونه وشخوصه، ولعلنا حين  نتصفح هذا الألبوم والمضي في الاستذكار كأننا كمن ينبش القبور ويعيد بعث الحياة في تلك الذكريات وتحويلها الى أجساد متحركة ومتكلمة تلاحقه مثل قناص، بدأ حياته محررا وسيبقى محررا كما يقول بفعل التواضع وسيماء المتواضعين، إذ امن ان الصحافة ليس لها مواعيد والصحفي لابد ان يكون يقظا، حتى وهو نائم، وان يشرب قهوته من قعر الفنجان، لأنه متوثب دائما، وكثيرا ما سال نفسه عن معنى ان يطل بعد نصف قرن من رحلة الصحافة على ماض محرضا ذاكرته المتورمة بالأحداث، لان تبوح بما تختزنه بين جنباتها.
وها هي الذاكرة تقوده الى شارع الصحافة الذي يعشق، لان ذاكرة البشر قد تبلى لكن ذاكرة الأمكنة تظل عالمة بتفاصيل الأشياء وهو حال شارع حسان بن ثابت شارع الصحافة العراقية في عصرها الذهبي، ينقل لنا مشاهده بأسلوب نقي، وكانت صورة المشهد الصحفي الذي دخل اتونه إذ يصفه لنا بأنه مشهد متماسك وقوي ولا يسمح بدخول عنصر جديد إلا لمن تلامس روحه خلاياه وقد أعانه طموحه على دخول ذلك المشهد بقوة وهو الذي امتلك ناصية الموهبة في كتابة الخبر الصحفي لأنه واسع الاطلاع كثير الأسفار، متعدد الثقافات والتجارب، بانورامي الرؤى، شبابي التوجه، تكتنف شخصه الألفة والتعاون، والتنقل الدائم بين الإذاعات بحثا عن الأخبار العربية والدولية وتسجيلها ومن ثم تحويلها الى الورق وإرسالها للتنضيد، ذلك ان ميزة العمل الإعلامي الدقة والمصداقية، وقد علمته التجربة ان الصحافة ليست آلات طباعة وقصاصات ورق وأداة شهرة، وليست حروفا او خطوطا وألوانا على ورق، إنما في الأساس والأصل الصدق والدقة والحرية ففي ذلك الثالوث تحيا الصحافة ومن دونها تصبح قصاصات ورق وحروفا بكماء، خرساء لا تشع ولا تضئ ويكون لصاحبها شهرة عرجاء، إذ ان الفخر ليس ان لا تكبو، بل الفخر ان تنهض كلما كبوت، لقد كادت بعض الحوادث التي سردها الحلي، ان تخمد حرائق الاندفاع المهني في دمه وتسكن الجليد في أروقة شرايينه لكن ذلك لم يحدث، فلم يهرب، بل بقي واقفا بصلابة، لان الإنسان والصحفي على وجه الخصوص الذي يصر على عدم تجاوز الخطأ سيبقى يراوح في ذات المكان الذي بدأ منه وكأنه توقف على حائط الحياة، ولكن روح المغامرة تبقى إحدى جينيات الصحفي تسري في دمه، إذ تنبه مبكرا لألوان العمل وإلا أصبح أسيرا في حلقة ضيقة في فضاء الصحافة، انه بمثابة رسالة تحمل ضياء للسائلين وزادا للمسافرين وأنغاما للمكتئبين وغذاء للجوعى ودواء للمرضى وشرابا للعطشى، غير انه بالرغم من ذلك كان يحمل نوعا من الرغبة لممارسة دوره كصحفي مسؤول، وهذه هي الصحافة، الخدمة العامة هي مبرر وجودها والصحفي الحق هو من ينشد الخلق ويبشر به لا الرصد فقط والكشف لا التسجيل وإعادة التكوين لا النقل.
ان الإنسان بنى الكثير من الجدران وتجاهل ضرورة بناء الجسور لكنه في مشواره المهني حاول بناء العديد من الجسور كان من أهمها تلك الأسماء التي كانت مخبأة في جدران ذاتها حتى جاء من يجلوها لتصبح معلما في دنيا الثقافة العراقية وسره مساهمته في بناء تلك الجسور الفنية، وتعلم كيف يكون تلميذا في محراب من هم أسن منه في التجربة والحياة، وحين عاد الى أوراقه القديمة وجدها اصفرت وتقصفت، وتهرأ بعضها بفعل الزمن وتداعياته ممسكا بعصاه السحرية حتى يلملم سطورا تؤرخ حضوره في مملكة صاحبة الجلالة، والحلي كان دائما تتفوق لديه غريزة الصحافة والسبق فيها على دعوات السياسيين وهو هنا حاول تجميع شتات أفكاره وحزم حقائبه لإنهاء مرحلة اللاقرار واللامكان وهو ما تجسد في تشابك عمله بين الإذاعة والصحافة وهو تشابك لم تكن له يد فيه بحسب وصفه، إنما للظروف أحكامها كمن يخرج يوميا من مسرح ليذهب الى مسرح آخر غير انه توقف أمام مسرح لم يقدم لجمهوره سوى الدراما التراجيدية توقف في ساحة حياته الحقيقية الصحافة المكتوبة وهي بمثابة خطوط متحركة متسلسلة تأخذ من الحياة ثم تبلور ما تأخذه وتنسقه لتقدمه بعد ذلك عطاء حسنا جديدا يستهوي العقول والقلوب وقد فعل، كما ان التجاذبات السياسية كانت في ذلك الحين على أوجها وقد مارست الصحافة  دورها في تنوير الرأي العام وأصبح الإقبال  على الصحافة وقراءة الصحف لازمة يومية لآلاف  المواطنين ومنهم السياسيين والمثقفين والقارئ لما بين سطور تلك الصحف يجد ان بعضها كان يمثل اتجاهات ورؤى سياسية معروفة وهي ممثلة لأحزاب وحركات سياسية دون ان تعلن هذه الصحف عن ذلك، حيث العمل اليومي الذي رافقه مثل ظله عقودا كان حلوها ومرها يسيران سواء بسواء على سكة قطار حياته دون كلل، حيث تبدأ مسارات حياته المهنية في أوسع مدى وأعمق تأثير في فترة مهمة في تاريخها المعاصر واعتقد ان متابعة تلك المسارات ربما تفيد في قراءة حوادث هي ابعد مما جاءت به سطور الحلي وخير من تفيده صفحات هذه التجربة الحياتية والمهنية هو من يبرع في قراءة مابين السطور والحاذقون في معرفة علم تحليل المضمون، لكنه إنسان لم يركن يوما الى أوهام وأحلام اليقظة ولم يقترف سوى صولات فرسان الصحافة وهو فارسها الفذ.
الصحافة عيون الناس
كان إيمان الحلي شديدا بان الصحافة هي عيون الشعب التي ترى وآذانه التي تسمع، ولذلك ينبغي ان تكون تلك العيون ثاقبة وواضحة يشع منها الصدق وان تجعل من الأذان آلات لاقطة مرهفة الحس تأخذ الأنباء عن قرب لتردها الى القراء نورا وصدقا، هو لم يكتب عن الذين وقفوا بالضد منه او وضعوا حجر عثرة في طريق طموحه المهني، لأنه يسمو على العتاب، يبتعد عن الغلظة، ويقترب من التسامح، لان الفرق بين أغنى الأغنياء وأفقر الفقراء يوم جوع وساعة عطش ومثل هذا النموذج لم يستطع مسايرة التطور وهو قصير النظر ويملؤه الحسد، وحين احتفظ الحلي بأرشيفه فهو خزنته وخزينته مثلما احتفظ بصور كبار السياسة والأدب والفن والعلوم والتاريخ، كما انه منذ ولج الصحافة استهواه العمود الصحفي ولذلك فقد أسهب في بلاغته عنه، حين يكتب أيا كانت أفكار تلك الأعمدة ينقحها بحرق الأعصاب حرقا نازفا صبورا، إذ يذكر بان ولادة عمود صحفي ناجح عسيرة ومخاضه صعب، انه نمط من الكتابة يكره التعبيرات المتوارثة، ويبحث عن المفردات الرفيعة راقية المورد والجريان والمصب، سامية الإيراد والموضع والمنزلة، والعمود الناجح هو من يحفل بالصور الحياتية، المشحونة المؤتلفة الملونة المفعمة بالعواطف وباللفظ المتفجر المعبر الموحي جميل النسق في أنماطه وبناه الأسلوبية بلغة متدفقة برعشة الانسياب والاندهاش في صياغاته التعبيرية بكل حيثيات الجمل القصيرة السهلة الممتنعة وأدواتها الايصالية.
واللغة الصحفية في كتابة العمود مطلوبة بل هي أساس الأساس فإذا استعملها الصحفي المتمرس بكتابة العمود بذكاء ومهارة وموهبة وإتقان يتلهف لقراءة ما جاء في ذلك العمود، وسر أسرار العمود المقروء ان لا يكتب كتابة خمس كلمات ان كانت ثلاث تكفي، فالاقتصاد في الجمل مطلوب مع دقة التعبير ورشاقة في سرد المعاني، إذ ان الكلمات هي النقود التي يتعامل بها الصحفي، فلم يسرف بهذه النقود ولم يعرضها بكثرة خشية تدنيها من كثرة الإسراف، كما ان العمود الصحفي ضد القوالب والمساطر الجاهزة، انه يطير كفراشة ملونة في سماء الإبداع الصحفي يصهر المرتجل مع المنسق الأفقي مع الشاقولي التقاطع مع التوازي يصخب كالبحر ليهدأ كالنسيم ويترقرق شاعرية وعذوبة وصفاء ليعمق فلسفة وأفكارا وأراء ربما يموت في البداية ليحيا في النهاية او العكس ليؤلف قوس قزح ساحر الألوان، ومهما يكن موضوع العمود فلابد ان يكون موجزا قويا متماسكا في عباراته وذا حضور جمالي مع البساطة ويمتلك قوة الحجة مع السلاسة ودقة التعبير والوضوح والتجرد عن الهوى الشخصي والبعد عن التذبذب والتلون وعرض الأشياء بغير حقيقتها فالقارئ شديد الذكاء وشديد الحساسية في هذا الجانب والحذر من الإطالة عند الكتابة فإنها تقف عقبة أمام قوة البلاغة وهو احد أهم أسس العمود الصحفي المقروء، ان كاتب العمود ينبغي ان يسعى لان يكون عموده مثل زهرة أينعت وشجرة أثمرت أعظم ما يكون الزهر والثمر، والعمود مجال مفتوح للتأويل وبحره عميق الأسرار، ومسالكه وعرة لكنه يبقى عالما جميلا ساحرا إذا امتلك كاتبه أدواته ووظف تجاربه وثقافته توظيفا بعيدا عن القصدية، تعلم الحلي في وقت مبكر من حياته اختيار مسميات لتلك الأعمدة تدلل على معان وإشارات ذات أبعاد باطنية مثل (همس وصراخ) و(فم مفتوح..فم مغلق) و(للذكرى) وهي وسيلة باعتقاده تلفت انتباه القارئ والمسؤول في وقت واحد.
ثم يمضي بنا للحديث عن فن أخر من فنون الصحافة، التحقيق الصحفي، إذ أن أدوات كتابة التحقيق الصحفي إذا لم تتوفر للصحفي فلم يستطع ان يلم بعدة أساسيات مهنية، قبل ان يلج هذا الباب المهم فهو يجب ان يكون مندوبا صحفيا بالدرجة الأولى وضليعا باللغة ومتفهما لسيناريو مايريد تناوله، ذكيا في اختيار لقاءاته، متفهما لمهنة التصوير، فيتعاون مع زميله المصور في اختيار اللقطات التي تخدم موضوعه، وهذا درس مهم لشباب الصحافة الجدد الذين يرغبون اقتناء مثل هذا الفن.
وعن طباع وأساليب معاصريه في العمل الإعلامي، يذكر عن بعض رؤساء التحرير الذي عاصرهم وعمل معهم، بان منهم من كان يرى العاملين في الصحيفة مثل نحلة للسع فقط وينسى ان لها عسلا وبعضهم يرى فيهم نحلة للعسل فقط وينسى إنها تلسع وبعضهم أدركوا ان للنحلة لسعة وعسلا في آن واحد، وكان آخر مشبوب العاطفة، صادق الوجدان، من طراز البناة، وله رؤى مستقبلية وتفهم دور الصحيفة في الريادة الإعلامية، فيما وصف غيرهم بأنهم أصحاب أقلام رشيقة، وهذا هو شان الصحفيين الكبار أنهم يمتلكون ذاكرتين ذاكرة إنسانية مدربة على الحفظ وذاكرة مكتوبة بشكل رؤوس أقلام عن الكلام او بشيء من التفصيل ان الصحفي هو الذاكرة الجمعية للمجتمع وهو شاهد عيان على عصره، ان التجربة، نبات بطئ النمو، فلا تغتر بتجربتك، فسيكون زملاؤك قريبا بمثل تجربتك وربما أحسن منك، كما ان الأحماض القوية تأكل أوعيتها ، لان الصحفي الواعي ينتزع مشروعية شهرته من وعيه وطموحاته وقدرته على تطوير نفسه والقدرة على حث الآخرين للتعاون معه في إيصال الإبداع الى حيث الوجود، وبذلك تنمو عنده رشاقة الأسلوب في الكتابة. في لقاء منشور يقول الحلي:الصحافة والحياة، صنوان لا يفترقان، كلاهما ، يكمل الآخر، فإذا ما نظرت الى الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والأمنية في بلدنا العزيز العراق، فستراها مضطربة بشكل كبير لان الصحافة هي انعكاس لكل الحياة لكنها الآن اختلفت، إذ ان ثقافة الدماغ والاستيعاب قلت فيما اتسعت ثقافة العيون. خمسون عاما من تجربة فارس الصحافة العراقية، على النشأ الجديد ان يتوقف عندها للتأمل والعبر، واستلهام الدرس، سيقرأ عن أدق تفاصيل الذكريات عن حقب في الصحافة لها معنى، ورجال لهم ادوار تستحق ان يقبل الناس على قراءتها
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
زيد الحلي فارس الصحافة المتوثب يشرب قهوته من قعر الفنجان
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البيت الآرامي العراقي :: الثقافية , الادبية , التاريخية , الحضارية , والتراثية Cultural, literary, historical, cultural, & heritage :: منتدى النقد والدراسات والاصدارات Monetary Studies Forum& versions-
انتقل الى: