البيت الآرامي العراقي




البيت الآرامي العراقي

سياسي ِ ثقافي ِ أجتماعي


 
الرئيسيةالرئيسيةبحـثالتسجيلarakeyboardsyrkeyboardدخول

شاطر | 
 

  قباني والبردوني وحجازي ولميعة عباس عمارة في مرايا الذاكرة الموصلية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Dr.Hannani Maya
المشرف العام
المشرف العام



الدولة : العراق
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 37598
مزاجي : أحب المنتدى
تاريخ التسجيل : 21/09/2009
الابراج : الجوزاء
التوقيت :

مُساهمةموضوع: قباني والبردوني وحجازي ولميعة عباس عمارة في مرايا الذاكرة الموصلية   السبت 10 يوليو 2010, 5:13 am

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
قباني والبردوني وحجازي ولميعة عباس عمارة في مرايا الذاكرة الموصلية
معد الجبوري
لقطات من ذاكرة عمرها 40 عاماً عن مهرجان أبي تمام الشعري في الموصل
.
.
في كانون الأول من عام 1971 أقيم في الموصل المهرجان العربي الكبير، مهرجان أبي تمام الشعري، وكانت مجموعتي الشعرية الأولي (اعترافات المتهم الغائب) قد صدرت في ذلك العام وأنا بعد في الخامسة والعشرين من عمري، وفي الشهر نفسه من العام نفسه، كنت أنتظر أن تنشر لي مجلةُ الآداب البيروتية، في عددها الثاني عشر، ردا علي ما نشرَتْه من نقد للأستاذ الشاعر بلند الحيدري، في باب (قرأت قصائد العدد الماضي) في عددها الحادي عشر، تناول فيه قصيدتي (أهل الكهف) التي كانت قد نشرَتها في عددها العاشر.. وكنت أدري أن الحيدري من المدعوين للمشاركة في مهرجان أبي تمام، وعدد مجلة الآداب لم يكن قد وصل العراق بعد.
ومما أتذكّره من طرائفِ ذلك المهرجان، أن البردوني لم يتخلَّ عن معطفه وهو قي البصرة، مع أن الجوَّ فيها، في مطلع شهر تشرين الثاني لم يكن باردا إلي حدٍّ يستدعي ارتداء المعاطف، كما أن الشاعر العراقي نعمان ماهر الكنعاني، لم يتخلَّ هو الآخَر عن حَملِ العصا، مع أنه كان قويَّ البنية منتصب القامة لا يحتاج أن يتوكأ عليها، مما دعا أحد الصحفيين الظرفاء أن ينشر في جريدة المهرجان تعليقا ظريفا حول معطف البردوني وعصا الكنعاني، يقول عن المعطف (لم نعرف إلي الآن من كان وراء إقناع البردوني بأن الشتاء قد نزل عندنا.. لكننا نعرف أن معطفه الذي يحمله حيثما سار، أصبح من أبرز معالم المربد). وعن العصا يقول (أضيفت عصا الشاعر نعمان ماهر الكنعاني لمأثورات المربد الخامس فهو يحملها حيثما حل.. سألناه: أهي علامة الكِبَر؟ فقال: بل هو تقليد مربدي).
وفي حوار مع البردوني، نُشر في جريدة المهرجان نفسها، تحدث عن مشاركته في مهرجان أبي تمام قائلا: هي أول مرة اٌقرأ فيها علي منبرٍ عالٍ وبين أيدي جمهور الموصل لحساسيته الفنية وثقافته المعروفة.. وسميت القصيدة التي قرأتُها بـ (قصيدة الضجّة).
ما أجمل لقاء لي مع البردوني، فقد كان في مدينة صنعاء عام 1989 ضمن الأسبوع الثقافي العراقي الثاني في اليمن.
ففي صباحيَّةٍ شعرية حاشدة أقيمتْ في جامعة صنعاء للشعراء العراقيين المشاركين في ذلك الأسبوع، وهم كلٌّ مِن (نعمان ماهر الكنعاني، عبد الرزاق عبد الواحد، معد الجبوري، محمد حسين آل ياسين، علي الياسري، جواد الحطاب.) كان الشاعر عبد الله البردوني، والشاعر الدكتور عبد العزيز المقالح رئيس جامعة صنعاء، والسيد حسن اللوزي وزير الإعلام والثقافة اليمني، وحشد من الأساتذة والطلبة، في مدخل قاعة الجامعة لاستقبالنا والترحيب بنا، وكان من المقرر أن يقوم البردوني بتقديمنا للجمهور عند إلقاء قصائدنا.
وحين تقدم منا للترحيب بنا، قلتُ له وأنا أصافحه: إنني من مدينة الموصل، فتذكَّر وضمني قائلا: (أهلاً بابن الموصل المدينة الأصيلة الجميلة التي لن أنساها ما حييت، ولن أنسي تذوق أبنائها العالي للشعر، ففيها عُرفتُ كصوتٍٍ شعري، وأخذ اسمي ينتشر في الساحة العربية.)
وعلي خشبة المسرح قرب المنبر بمواجهة جمهور القاعة، توسَّطَ الشاعر عبد الله البردوني جلستَنا خلف طاولة طويلة، ثم قَدّمَنا واحدا واحدا للجمهور، ولم يفُتْهُ أن يذكرَ ضمن تقديمي أنني من مدينة الموصل، وأخذ يُعقِّبُ علي كلِّ قصيدةٍ بعد إلقائها، بعباراتٍ موجزة دقيقة.

قلبي علي وطني
ما أن علمنا أن الشاعر السوداني محمد مفتاح الفيتوري، سيشارك في مهرجان أبي تمام، حتي عادت بنا الذاكرة إلي قصيدته الشهيرة التي حفظناها وتعاطفنا معها ونحن بعد علي مقاعد الدراسة المتوسطة:
يا أخي في الشرق في كلِّ سكَنْ
يا أخي في الأرض في كل وطنْ
أنا أدعـوك ، فهـل تعرفنـي
يا أخـاً أعرفـهُ ، رغـم المِحَنْ
في صالة فندق الإدارة المحلية بالموصل تعرفنا عليه، نحن الأدباء الشباب، قبل افتتاح المهرجان، فأصغي إلينا بمحبة وتواضع، معرباً عن اهتمامه بالشعر الجديد الخارج علي القوالب التقليدية الكلاسيكية الجامدة، وفي حوارنا معه اتفق معنا علي بعض آرائنا واختلف مع بعض الآراء المتطرفة سواء ما يتعلق منها بالمحاولات الجديدة أو القصيدة العمودية، وكانت له وجهات نظره النقدية الخاصة.
وفي الأمسية الشعرية الأولي، ألقي الفيتوري قصيدته، فبدأ بوقفةِ صمتٍ، ثمَّ أغمض عينيه في تأمّل واسترسل في شبه غناء:
حين يأخذُكَ الصمتُ مِنّا
فتبدو بعيدا كأنكَ رايةُ قافلَة غرقَتْ في الرِّمالْ
عشبُ الكلماتُ القديمةُ فينا
وتشهقُ نارُ القرابين، فوقَ رؤوسِ الجبالْ
عندها صفق الجمهور بحماس، فقد فوجَئَ بحضور جذَّاب علي المنبر، وبشاعرٍ لديه طريقةٌ نادرة في الإلقاء، فأداؤهُ أداءُ ممثّلٍ بارع بحركات يديه ونظراته، وبما يُضْفِيه من تلوينٍ علي نبرات صوته، متنقلاً بشكل خاطف بين السرعةٍ والإبطاءِ، والجَهْرٍ والهمس، في تناغم بين موسيقي النص وموسيقي الأداء، مع وقفاتِ صمتٍ عميق لها إيقاعُها الخاص، عبرَ غنائيةٍ عالية تنبضُ في ثنايا نصِّه الشعري.
أكثر من مرة، قاطع الجمهورُ الذي كان يملأ قاعة الإدارة المحلية (الربيع) الشاعر الفيتوري بالتصفيق حتي وصل إلي مقطع، تلاه بحسم ونبرة عالية:
لماذا يظنُّ الطغاةُ الصغار، وتشحبُ ألوانُهُمْ،
أنَّ موتَ المناضلِ موتُ القضيّة،
أعلم سِرَّ احتكام الطغاةِ إلي البندقية،
لا خائفاً.. إنَّ صوتيَ مشنقةٌ للطغاةِ جميعاً
ولا نادما.. إنَّ روحيَ مثقَلةٌ بالغضَبْ.
كلُّ طاغيةٍ صَنَمٌ، دُمْيَةٌ مِنْ خشَبْ.
فضجَّت القاعة، بالتصفيق وصياح (أعِدْ)، فأعاد، ثم واصل والمتلقّون منسجمون مع إلقائه، ليصل إلي هذه الصورة الشعرية:
لا تحفروا ليَ قبرا، سأصعد مشنقتي،
وسأغلق نافذة العصر خلفي،
وأغسل بالدم رأسي،
وأقطع كفي، وأطبعها نجمة فوق واجهة العصر،
فوق حوائط تاريخه المائلَهْ..
وسأبذر قمحي للطير والسابله..
ثم اختتمَ قصيدته بهذا المقطع، الذي توالي التصفيق بعده للشاعر، وهو يغادر المسرح وينحني للجمهور:
قتلوني، وأنكرني قاتلي،
وهو يلتف بردان في كفني.
وأنا مَنْ ؟.. سوي رجلٍ واقفٍ خارج الزمَنِ.
كلَّما زيفوا بطلاً،
قلتُ: قلبي علي وطني
بعد انتهاء الأمسية، وعند الحديث عن إلقاء الفيتوري، قيل: إنَّ (آسيا) زوجتَهُ، وهي ممثلة، تُدرِّبُه علي الإلقاء، فيُجري التمارين أمام المرآة قبل أن يقف وراء المِنَصّة، وسواء كان ذلك صحيحا أو أنه محضُ افتراء، فقد ظل الفيتوري فيما بعد في العديد من المهرجانات التي سمعتُه ورأيتُه فيها، بارعا في الإلقاء.
وهنا أري أنَّ ما ينطوي عليه أيُّ نص شعري من عناية بالإيصال إلي شرائح المتلقين شتي وليس إلي النخبة فقط، وبإلقاءٍ هو جزء من تلك العناية، هو الذي يقف وراء استقطاب جمهور القاعات والمناسبات، وهذا ما ينطبق علي قصيدة الفيتوري، وعلي قصيدة الشاعر نزار قباني، التي ألقاها قي الأمسية نفسها، والتي ألهبت حماس الجمهور، في وقتٍ لم تستقطب فيه نصوصٌ ألقيت قي المهرجان نفسه ولها ثقلها الفني، سوي النخبة وهم القلة من الجمهور.. نذكر منها، علي سبيل المثال، قصيدة الشاعر المصري الرائد محمود حسن اسماعيل (سجدة علي قبر أبي تمام) وقصيدتَي الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي (السَّفَر، ومرثية للعمر الجميل) وقصيدة الشاعر محمد عفيفي مطر (وشم النهر علي خرائط الجسد).. وقد تناول تلك النصوص المتفوّقة المجددة فيما بعد، العديد من النقاد والدارسين باهتمام بالغ.
والفيتوري في مهرجان أبي تمام كان حريصا علي حضور أمسيات الشعر التي كانت تنقلها محطة تلفزيون الموصل نقلا حياًّ، ومنها الأمسية التي كانت مخصصة للشعراء من أبناء الموصل، ومنهم: (ذنون الشهاب، أرشد توفيق، سالم الخباز، معد الجبوري، أمجد محمد سعيد،عبد الوهاب اسماعيل، بشري البستاني، عبد المحسن عقراوي، محمد علي الياس العدواني، عبد الوهاب شاهين، وعد الله ابراهيم..) وقدمها القاص والإعلامي سعد البزاز.
ظل الفيتوري حتي نهاية الأمسية يصغي بانتباه إلي قصائد الشعراء، وبعد انتهائها جمعتنا في الصالة جلسة معه ومع الباحث والناقد اللبناني محمد عيتاني أحد ضيوف المهرجان، والذي كان قد خاض في ذلك العام معركة نقدية مع الناقد المصري محمد النويهي علي صفحات مجلة الآداب البيروتية استغرقت العام كله، وكانت، وهي معركة حامية، قِمَّة في الحوار المهذَّب ومدعاة لتعزيز شهرتهما.
في تلك الجلسة أثني كلٌّ من الفيتوري وعيتاني، علي ما ألقي من قصائد حديثة في الأمسية، وفيما يتعلق بقصيدتي، فقد وعدني الناقد محمد عيتاني بالكتابة عنها، ثم وفي بوعده فنشر عنها قراءة نقدية في مجلة الطريق اللبنانية، أما الشاعر محمد مفتاح الفيتوري، فقد بدا، من خلال حوارنا، أن مقطعاً من قصيدتي لفت انتباهه بشكل خاص أكثر من المقاطع الأخري، أقول فيه:
كلما صار قلبي مُصلّي
وصارَتْ ذِراعي مَنارَهْ
تُصبحُ الأرضُ مبغي
فأختار ثوبَ الدَّعارَهْ
أمّا كون بعض شعراء تلك الأمسية كانوا قد أطالوا من وقوفهم خلف المنصة ولم يلتفتوا إلي عدم انسجام الجمهور مع قصائدهم، وهذا ما أشار إليه الفيتوري وعيتاني وغيرهما من الأدباء العرب والعراقيين، فقد كان من بعض أسبابه، تدخل إداريين غير معنيين بالإبداع بإضافة عدد من الأسماء إلي أصل قائمة المقرر مشاركتهم من شعراء الموصل، فانتهز الفرصة مَن اعتبر أنّ المشاركة في مثل هذا المهرجان فرصة نادرة له، فقرأ خلالها ما شاء من مطولات (شعرية) برتابة، دون مراعاة للوقت، ودون أيِّ إحساس بما أصاب الجمهور من ملل ، وما حلَّ في القاعة من نفور.. ولقد كان لهذا الأمر، تأثيره السلبي علي تلقي القصائد الجميلة والجديدة التي ألقيت في الأمسية.

محمد عفيفي مطر
وأدباء الموصل

ظلَّلَتني مِن جَناحيها سحابهْ
وصلتني بالدمِ الهاربِ مِن شقٍّ لشّقٍّ،
وضعتني في الرّبابهْ
وترا ممتلئََ الصوتِ، بكنزِ الصَّرَخاتْ
وأنا فزَّاعَةُ الطير بأرضِ الغُرباءْ
كنت في قلبِ العراءْ
مستحماًّ بعراك الطيرِ في الرّيح،
ومَحشواًّ بأوراقِ التقاويم ـ الجسَدْ
هذا ما علق في الذاكرة من قصيدة الشاعر محمد عفيفي مطر (وشم النهر علي خرائط الجسد) التي ألقاها في إحدي أمسيات مهرجان أبي تمام
وصلتي بالشاعر مطر تمتد، من خلال قراءتي لنتاجه الشعري، إلي النصف الثاني من ستينات القرن الماضي، ولم أكن قد التقيت به شخصيا، و لم أعلم ، وضيوف المهرجان كانوا قد حلوا في الموصل أنه سيكون واحدا منهم.
كان محمد عفيفي مطر قد شدَّني إلي شعره بقوة دون الكثير من الشعراء الذين كنت أقرأ لهم، ومنذ عام 1970 أيام بدأتُ أنشر علي صفحات مجلة الآداب التي كان ينشر فيها، ازداد إعجابي به كصوتٍ متفرّد، كان له صدي عميق في نفسي، فهو صوت الرؤيا العميقة والمغايرة والاختلاف والبصمة الخاصة، حتي في عناوين قصائده المثيرة، مثل(شهادة البكاء في زمن الضحك، نزع القمع عن فراشة الدمع، سهرة مع الأشباح) وغيرها..
وفي اليوم الأول لمهرجان أبي تمام، وقرب مدخل الجامع الكبير في الموصل عند زيارة الضيوف له، جاءني صديقي القاص نجمان ياسين ومعه شخص ينظر إليَّ ويبتسم، وقف كل منهما أمامي، فقال نجمان : انظر جيدا إلي هذا الرجل.. أتعرف من هو؟ فتأملت فيه، وقبل أن أنطق، صاح نجمان: إنه محمد عفيفي مطر، فقفزت من الدهشة وأنا أعانقه وهو يعانقني، وتعرف حينها علي أدباء الموصل الشباب. ومنذ تلك اللحظة عاف عفيفي أروقة المهرجان وضيوفه ونزل بصحبتنا طيلة أيام المهرجان إلي شوارع الموصل وأزقتها.. تناولَ الكباب الموصلي معنا في المطاعم الشعبية، وشاركَنا الجلوس في المقاهي وتحدث إلي عشرات الناس بين أسواق المدينة، واستمع إلي قصائدنا وقصصنا واهتماماتنا وهمومنا.ودخل بيوتنا وتناول من موائدنا، نحن الأدباء(عبد الوهاب اسماعيل، نجمان ياسين، أمجد محمد سعيد، سالم العزاوي، وكاتب هذه السطور) ومما أذكره أنه أطلق عليَّ لقب الشاعر دو السن الذهبية، وعلي عبد الوهاب اسماعيل الشاعر البدوي، وظل يراسلنا بمحبة عميقة بعد أن غادر القطر.
ومنذ لقائنا في (أبي تمام) حتي يومنا هذا لم تنقطع صلتنا بالشاعر محمد عفيفي مطر، فقد ظل صديقا حميما التقينا به، عشرات المرات في العراق يوم عمل فيه محررا في مجلة الأقلام وفي القاهرة، وفي العديد من الملتقيات والمهرجانات.



لميعة عباس عمارة تفتح طريق القصيدة أمام البردوني


في عام 1971 الذي أقيم فيه مهرجان أبي تمام الشعري في الموصل، كان قد رحل علم من أعلام العراق هو المؤرخ الموصلي الدكتور عبد الجبار الجومرد، فاستُهِلَّ افتتاحُ المهرجان مساء يوم 11 ــ 12 من ذلك العام. بوقفةٍ ودقيقةِ صمت علي روحه.
وألقيت في الأمسية كلمات، مازلتُ أذكر أنَّ أبرزها كانت كلمة أدباء الموصل التي ألقاها الشاعر أرشد توفيق فقد كانت كلمة شابة شفافة تنبض بالصور ومفردات الإبداع، ومما جاء فيها: (نلتقي هنا وقد نتفق جميعا أن العالم لم يعد جميلا وأن السماء ليست زرقاء وأن الأغنية مطوّقة ومخضَّبة بالدم ما دامت الكلمة ممنوعة في البلاد التي تقارع غزاتها ومحتليها.. ولأننا نكره أن نموت مرتين علينا أن نرفع كلمتنا صرخةً أو شهادةً أو احتجاجاً أو رفضا، أن نقول أي شيء لا يلغي دورنا التاريخي.. لتخرجْ كلمتُنا إلي الشمس، خطوطاً علي الجدران، مناشيرَ في شوارع المدينة.. ولنرفضْ معا ممارسة الطقوس الورقية، ولنرفض أيضا ذلك الصمتَ الذهبيَّ المسالم. )
المُلْكُ أساسُ العدل
مع أن مهرجان أبي تمام شهد حضور عدد من الشعراء الرواد، إلاّ أنهم باستثناء الشاعر بلند الحيدري لم يشاركوا في أمسيات المهرجان.
ولئن كان من المعروف أن عبد الوهاب البياتي لا يلقي في المهرجانات، فلا ندري لماذا لم يشارك سعدي يوسف في الإلقاء، ولا لميعة عباس عمارة التي عرفنا فيما بعد أنها أشارت علي الشاعر عبد الله البردوني أن يلقي في الأمسية الأولي التي يحضرها عادة كل المدعوين من الأدباء والشعراء، ويبدو أنها كانت علي معرفة بقدرته الشعرية، وواثقة من أنه سيفاجئ الجمهور بما لا يتوقع.. وهذا ما كان.
أما الشاعر بلند الحيدري، فقد ألقي قصيدة تميزت بصورها الجديدة وقدرة شاعرها علي التكثيف والإيصال، ومنها اخترنا هذا المقطع الذي شد الجمهور إليه:
القاعة ذاتُ القاعَهْ
نفسُ الياقاتِ البيضاء،
ونفسُ الأحذيةِ اللمَّاعَهْ
واللوحةُ ما زالتْ نفسَ اللوحةِ،
منذُ العهدِ التُّركِي
(العدلُ أساسُ المُلْكِ )
ماذا ؟!.. صَهْ.. لا تَحْكِ
كَذِبٌ.. كذبٌ.. كذبٌ.. كذبٌ
المُلْكُ أساسُ العَدْلِ
إنْ تَملكْ سكِّيناً تملكْ حقاًّ في قتلي

محمود حسن اسماعيل..
لقائي الثاني والأخير
عند زيارة ضيوف مهرجان أبي تمام لمعالم وآثار الموصل، كان الشاعر محمد عفيفي مطر ينحني لرجل من ضيوف المهرجان تجاوز الستين من عمره ويحتضنه باحترام بالغ، وهو يعرِّف مَن لا يعرفه عليه، قائلا: هذا هو شاعرنا الكبير محمود حسن اسماعيل، إنه أستاذنا جميعا في مصر، وليس من شاعر من جيله أو جيلنا إلا وتأثر به.
بالنسبة لي، كنت قد قرأتُ له بإعجاب، ورأيته واستمعت إليه قبل لقائنا به في مهرجان أبي تمام.. ففي عام 1965 عندما كنت طالبا في الصف الأول بكلية الشريعة في جامعة بغداد، عُقد المؤتمر الخامس للاتحاد العام للكتاب والمؤلفين العرب وأقيمت معه أمسيات شعرية علي قاعة الشعب في بغداد، وكنتُ حينها لم أزلْ أتهجي أوليات الشعر، فواظبتُ علي حضور تلك الأمسيات..ومما أذكر أنَّ من أهم ما ألقيَ فيها: قصيدة (بغداد) للشاعر العراقي مصطفي جمال الدين، وقصيدة الشاعر المصري محمود حسن اسماعيل، وهي عن بغداد أيضا، ومازلت أتذكر منها المقطع الذي استهله بها، والذي يقول فيه:
لو ألهَمتْنِي طيفَ صوتٍٍ مِنْ صدي التاريخ حول بابِها
أو وشَّحتْني بِسَنيً مِنْ سجدةِ النورِ علي قِبابِها
لجئتُها بِسَيْكَبٍٍ مِن مهجتي، من الغناءِ لم تَرَهْ
وسقتُها ملاحماً للشعر، مِن تاريخها مُعطَّرَهْ
تقصُّ ألفَ ليلةٍ لألفِِها... ومعذِرهْ
في الأمسية الأولي لمهرجان أبي تمام، ألقي الشاعر محمود حسن اسماعيل، قصيدته (سجدة علي قبر أبي تمام)، لكنها لم تحظَ بما حظيتْ به قصيدتُه في بغداد من استجابة الجمهور لها.. ومن قصيدته في أبي تمام اخترنا هذه الأبيات:
أنا والمنجِّمُ، يا ابنَ أوسٍ، فوق قبرِكَ ساجدان، مُسبِّحانْ
وترانِ من نغمِ الخلود، علي ثراكَ يُغَرِّدان، يُصلِّيانْ
جئناكَ مَزمُورَينِ مَخمُورَينِ، مِنْ دَهش المدي يتعجَّبانْ
يتنقَّلانِ علي صداكَ مع الخلود، ويشربان.. ويسقِيانْ
قُمْ واملإ الأقداح ثانيةً، وجَلجِلْ في الصفوفِ بلا أوانْ
وأعدْ نفيرََ الأرضِ.. عمّوريّة أخري.. تَشوَّقُ للأذانْ
ومما تجدر الإشارةُ إليه، أنَّ الرواد الأوائل للشعر الحر مثل نازك الملائكة وبدر شاكر السيَّاب، كانوا قد تأثروا بالشاعر محمود حسن اسماعيل، منذ أن نشر دواوينه الأولي: (أغاني الكوخ) 1935 و (هكذا أغني) 1937 و (أين المفر؟) 1947 فهو صوتٌ رومانسي مجدِّد ٍمتفرِّد، وشعره ذو أبعاد رمزية عميقة.
وهو شاعر أقبل الموسيقيون والمطربون الكبار علي تلحين وغناء العديد من قصائده، فمِنْ شعره، سبعٌ وأربعون قصيدة مُغنّاة، أشهرها (النهر الخالد) و(دعاء الشرق) و(مصر نادتنا) التي غناها الموسيقار محمد عبد الوهاب، و(بغداد يا قلعة الأسود) غناء كوكب الشرق أم كلثوم، وهي من ألحان رياض السنباطي و(نداء الماضي) للمطرب عبد الحليم حافظ، وأنشودة (يد الله) للمطربة نجاح سلام، و(أغلي شعاع) التي غنتها شادية
وهنا أتساءل: لقد زار الشاعر محمود حسن اسماعيل، بغداد والموصل، فلماذا لم يطلب منه أحد الملحنين أو المطربين كلمات لتلحينها وعنائها ؟!.. تُري هل طلب أحد ذلك، واعتذر الشاعر؟.. لا أدري.

يا جيرةَ الحدباء
من المعروف عن الشاعر أبي تمام أنه وليَ أواخرَ حياته بريدَ الموصل، فاستقرّ في المدينة وتوفي ودُفِن فيها.. وحين ألقي الشاعر العراقي حافظ جميل قصيدته في الأمسية الشعرية الأولي لمهرجان أبي تمام (12/12/1971) قدمها بقوله إنه يشترك مع الشاعر أبي تمام في أنه كان يعمل في بريد الموصل فترة من الزمن.
ولأنَّ الشاعر يحمل ذكريات جميلة عن مدينة الموصل، وحنينا إلي ربوعها، فقد ناجاها وخاطب أهلها في مقطع طويل من قصيدته، معلنا أنه كان يؤثر أن تطول إقامته فيها حتي تحينَ وفاتُه.
غزل بالمدينة
وكان الشاعر حافظ جميل معروفا بغزلياته، فاستهل قصيدته بغزل آخر، هو غزل بالمدينة التي أحبها، وقد اخترنا من قصيدته هذه الأبيات:
مالي أهيمُ، ولاتَ وقت هيـامِ أيكونُ في السـتين بدءُ غرامي
يا جِيرةَ الحدبـاء، أيّ معرَّةٍ إن قلتُ: أعشـقُكمْ، وأيّ ملامِ
عشتُ السنينَ بأرضِكمْ، لم أدَّكِرْ غيـرَ الرِّضا، والحبِّ والإكرامِ
كم كنتُ أوثرُ أن تطولََ إقامتي مـا بينكمْ، حتي يحينَ حِمامي
سأطلُّ أذكرُكمْ وأطري فضلَكمْ والشـاهداتُ مِن السنين أمامي
يا ملهمََ الشعراء، ما قد دبَّجُوا في شـعرِهمْ، مِن ذلكَ الإلهامِ
نمْ في ثري الحدباء أنجب بقعةٍ ضمَّتْ رفاتَكَ، يـا أبا تَمَّـامِ

من نصوص أمسية شعراء الموصل
تنوعت قصائد أمسية شعراء الموصل، في أشكالها ومضامينها، فكان بعضها ينهل من مدارس شعرية مختلفة وبعضها له بصماته وتفرّده.
وهنا سأقف عند نصوص الشاعرين سالم الخباز وعبد المحسن عقراوي، لأن تلك النصوص كانت مختلفة عن نهج وسياق نصوصهما الني عُرفا بها آنذاك، وهذا لا يعني أن ما ألقوه كان هو الأفضل بين ما ألقي من قصائد..
قبل أسبوع أو أكثر من بدء المهرجان كان الشاعر سالم الخباز، حائرا بين رغبته في إلقاء ما يستقطب جمهور القاعة، أو التوجه بنصوص حديثة إلي الأدباء المشاركين يؤكد فيها قدرته علي الابتكار والحضور الشعري من خلال قصيدة غير تقليدية.. ثم قرر قبل أن تقام الأمسية المخصصة لشعراء الموصل، إلقاء قصيدتين الأولي عمودية والثانية من الشعر الحر (شعر التفعيلة) ليصل إلي جمهور الحاضرين وإلي النخبة في وقت واحد، فأدرج القصيدتين تحت عنوان (صوتان).. العمودية: صوت أبي تمام، والحرة: صوت الحلاج..
وكان الشاعر سالم الخباز منصرفا إلي قصيدة التفعيلة، منذ أن رأي أن للأصوات الشعرية الجديدة التي ظهرت بعده، حضور بارز في ساحة الإبداع بشعر التفعيلة.
بدأ الخباز في الأمسية بإلقاء قصيدته العمودية، فكانت نصاًّ محبوكا اتسم بقوة سبكه وصوره المحتشدة وغنائيته العالية.. ومنه انتقينا هذه الأبيات:
آنسـتُها، كخيول الليل، زاحفـةً نحوي لتنزعَ من ذي رعشةٍ عصَبا
وما برِمتُ، وهل يُجدي فتيً حَرِداً إلاّ التجلّي، علي هاماتهـا، خبَبَـا
ليحتويها، ويسـتصفي مرارتَهـا حلاوةً، يتسَـقّي مُرَّهـا طربـا
أكاد أصرخ من قبري وقد عبرت (ألفٌ ) علينا، بأناَّ لم نَعُـدْ عرَبا
فإنَّ محنتَنـا، دكَّـتْ معاقلَنـا وإنَّ ألـفَ زعيـمٍ قادنـا... كذبا
متي تحـسُّ نفوسٌ، أنَّ محنتَهـا مِنْ حِطَّةِ النفس، لا مِن غاصبٍ غصَبا
كفرتُ بالحرف، مزهواًّ بأخيلَـةٍ وحولَه السَّـاحُ، مملوءاً دما سَرِبا
وقد استجاب جمهور القاعة لهذه القصيدة أكثر من استجابته للثانية (صوت الحلاج) التي كانت علي شكل مقاطع قصيرة تنطوي علي حس صوفيّ رمزي.
أما الشاعر عبد المحسن عقراوي الذي كان معروفا بقصائده الوطنية الحماسية وقصائد المناسبات، فقد ألقي في الأمسية، علي غير عادته، قصيدةً وجدانية تجري علي بحر (الخفيف) الذي لم تُنظَم عليه علي ما أذكر أي قصيدة من قصائد المهرجان.. وفي هذه القصيدة يخاطب الشاعر مدينتَهُ الموصل، ويبوح لها بما يعانيه من مرض وألم وعذاب، بكلمات تنساب بسلاسة وهي تنضحُ وجعا وحزنا وشكوي.. ومع أنه ينتقل في القصيدة إلي مخاطبة أبي تمام والبوح بالهم الوطني والقومي، إلا أنَّ صوتَ الذات ظل هو الصوت الأعلي المهيمن علي سياق نصه الشعري، وقد اخترنا من قصيدة عقراوي هذه الأبيات:
يا ابنةَ الحُلم، يا عروسَ الزَّمانِ الصِّبـا فيـكِ، فاتِنُ الريعـانِِ
أنا قلبٌ، تعاورتْـهُ الرَّزايـا ظامئُ الحلمِ، واهنُ الخفقَـانِ
ينهشُ الداءُ منـهُ، فهو بقايـا صبَواتٍ، بسـاحةِ الحِرمـانِ
وجهيَ الأصفرُ الكئيبُ حروفٌ رسـمتْهـا أناملُ الأشـجانِ
في الثلاثيـن، والعذابُ يمصُّ الرُّوح مِنِّـي .. كَدَبَّـةِ الأفعُـوانِ
كلما قلتُ: ها هنـا طيفُ حُبٍّ هربَ النّورُ، والظلامُ احتواني
وهنا، لابد لي أن أشير إلي أنَّ أول شاعر عَرضتُ عليه أول محاولة شعرية لي، هو عبد المحسن عقراوي... يومَها لم يكن يعرفني، لكنني كنت أعرفه وهو يلقي قصائده في التظاهرات والعديد من المناسبات..كان ذلك في الموصل عام 1964 في (مقهي علي) بمنطقة (باب الجديد)، ومع أنَّ ما استمعَ إليه كان أول أبيات أنظمها علي الفطرة قبل معرفتي بأوزان الشعر، فقد شجَّعني عقراوي، قائلا: هذا شعر، والأبيات من بحر (الكامل). ثم قرأ لي عددا من قصائده. ومرت السنين ليصبح الشاعر عبد المحسن عقراوي صديقا طالما جمعتني به مهرجانات شعرية وجلسات أدبية وقرأتُ له وقرأ لي، وظل كما عرفتُه وعرفَه المجايلون له، رجلاً عليلاً متسكعاً مشرَّداً يفاجئك بحضوره هنا وهناك، وشاعراً متفرِّغاً للشعر بكل جوارحه.




لماذا غائب شاذل طاقة عن مهرجان مدينته الشعري؟


عندما أقيم مهرجان أبي تمام الشعري في الموصل عام 1971، كان الخلاف السياسي بين بغداد ودمشق علي أشده، وقد انعكس ذلك علي الواقع الثقافي، ففي اليوم نفسه الذي أقيم فيه المهرجان، كان المؤتمر الثامن للأدباء العرب منعقدا في دمشق ولم يتنازل أيٌّ من الطرفين للآخر بتأجيل أحدهما: المهرجان أو المؤتمر، إلي موعد آخر، لتتسنّي لِمَنْ دُعيَ هنا وهناك المشاركةُ في كليهما.
ولقد أحسستُ ثم رأيتُ كم كان الأدباء ممتعضين متذمّرين، خاصة مَنْ كان عليهم حضورُ مؤتمر اتحاد الأدباء العرب، ولم يتخلوا عن حضور مهرجان أبي تمام، مثل الدكتور سهيل ادريس وزوجته عايدة مطرجي ادريس وعدد من الشعراء في مقدمتهم الشاعر نزار قباني الذي كان علي عجل من إنهاء مشاركته في الموصل لأنه علي موعد آخر في دمشق.

قباني.. هل جمع
أوراقه واعتذر؟
في تلك الأيام كانت آثار نكسة حزيران 1967 ما تزال مخيمة بقوة علي الساحة العربية، والمرارة التي خلفتها تنهش في الأعماق، وتجد صداها المدوّي في نتاج الأدباء والكتّاب، وفي قصائد الشعراء بشكل خاص.. فشاعتْ موجةُ تقريع الذات والبوح بالوجع حد البكاء.. وامتدتْ إلي ما ألقيَ من قصائد في مهرجان أبي تمام، ومنها قصيدة الشاعر نزار قباني الذي كان قد نشر في أعقاب الهزيمة (هوامش علي دفتر النكسة) قصيدته الشهيرة التي يقول فيها:
إذا خسرنا الحرب، لا غرابَهْ
لأننا ندخلُها بكل ما يملكه الشرقيُّ،
من مواهب الخطابَهْ
بالعنتريَّات التي ما قتلَتْ ذُبابَهْ
لأننا ندخلها،
بمنطقِ الطَّبلةِ والرّبابَه
وفي القصيدة هذه ينعي قباني اللغة القديمة ونهاية الفكر الذي قاد إلي الهزيمة، ويواصل فيما تلاها من قصائد، وقوفه بوجه الجمود والتقليد والتقوقع علي النظم السائد في الشعر، وانشغال الشعراء بالزخارف اللفظية وإشكالات اللغة بعيدا عن التجديد والتطور ومفردات العصر، ودون النظر بعيون أخري إلي الهموم المعاصرة للأمة العربية
ولم تخرج قصيدته ( قصيدة اعتذار إلي أبي تمام) التي ألقاها في الأمسية الأولي لمهرجان أبي تمام عن إطار هوامشه علي دفتر النكسة، فهي قصيدة منبر تدغدغ العواطف، لغتها وصورها عصرية، وأسلوبها يتوخّي الإيصال عبر العناية بالإيقاع والتقفية والضربات التي تستدعي التصفيق.. وقد استهلها بمخاطبة الجمهور، قائلا:
أحباتي
إدا جئنا لنحضر حفلة للزار منها يضجر الضجرُ
إذا كانت طبول الشعر يا ساده
تفرِِّقُنا وتجمعنا.. وتعطينا حبوب النوم في فمنا
وتسطلنا.. وتكسرنا
كما الأوراق في تشرين تنكسرُ
فإني سوفَ أعتذِرُ
سأجمع كل أوراقي وأعتذِرُ
واستجاب الجمهور، الذي تلقي هذا الاستهلال بإعجاب، وهو يصغي إلي إلقاء خاص واضح كأنه يخرج من ستوديو إذاعي لا تنقصه سوي موسيقي مُصاحِبة، ولعل في أداء قباني وإيقاع قصيدته ما عوَّض عن الموسيقي.
ويواصل قباني إلقاء قصيدته التي لم تكن بالقصيرة، والجمهور يقاطعه بين حين وآخر حتي يصل نهاية مقطع يقول فيه:
إذا كانت هموم، الشعر يا ساده
هي الترفيه عن معشوقة القيصَرْ
ورشوة كل من في القصر من حرسٍ ومن عسكرْ
إذا كنّا سنسرقُ خُطبةَ الحجَّاج، والحجاج، والمنبَرْ
فأكبرُ شاعرٍ فينا هو الخنجرْ
ويدين الشاعر وهو يعرِّج علي الاحتلال التطبيل والتزمبر والشعراء الذين لم يشعروا والثوار الذين لم يثوروا، وهو يختتم القصيدة مخاطبا أبا تمام بقوله: أبا تمام.. إنَّ الناسَ بالكلماتِ قد كفروا
وبالشعراء قد كفروا
وبالتمثيلِ، والتطبيلِ، والتزميرِ، قد كفروا
فقل لي أيها الشاعر
لماذا شعرُنا العربيُّ قد يبستْ مفاصلُهُ
من التكرار .. واصفرَّتْ سنابلُهُ
وقل لي أيها الشاعر
لماذا الشعرُ حين يشيخُ لا يستَلُّ سكّيناً وينتحِرُ؟
ويغادر نزار قباني المنبر والجمهور يصفق له بحرارة، لكنه لم يجمعْ أوراقه ويعتذر، أما الشعر الذي شاخ، فإنه لم ينتحر حتي يومنا هذا.
وبموازاة هذا الاتجاه الذي كان أحد ممثليه الشاعر نزار قباني، كان هناك اتجاه آخر في حالة نُموٍّ وتصاعد.. فللخروج من حالة اليأس واجترار الألم، بدأت بوادر المقاومة تلوح علي الأرض.. وتصدَّرَ شعرُ المقاومة واجهةَ المشهد الثقافي العربي، فبرز شعراء مثل محمود درويش وتوفيق زياد وسميح القاسم.. وكان لنزار قباني حضوره في هذا الاتجاه أيضا.. ومما كتب، قصيدته (أصبح عندي الآن بندقية) التي غنتها المطربة أم كلثوم.

حجازي: لم يبقَ إلا الفراق
قبل أن ألتقي أول مرة بالشاعر أحمد عبد المعطي حجازي في مهرجان أبي تمام، كنت منذ النصف الثاني من ستينات القرن الماضي قد قرأت له كشاعر مجدد من رواد الشعر الحر في مصر، يرفض التحجر والتقليد، ويسعي أن يكون له صوته الخاص بين الأصوات الشعرية الجديدة في الساحة العربية، وقد توقفت عند العديد من نصوصه الشعرية، واطلعتُ علي مواجهته للكاتب عباس محمود العقاد عندما (اعترض علي اشتراك الشعراء المحددين في مهرجان الشعر الذي عُقِدَ بدمشق عام 1961 مُتَّهِماً إياهم بأنهم لا يعرفون أصول الشعر العربي ، وهدد بالانسحاب من المجلس الأعلي لرعاية الفنون والآداب احتجاجا علي اشتراكهم في المهرجان) ، فقد تعمَّدَ حجازي نظم قصيدة عمودية علي بحر (البسيط) عنوانها (إلي الأستاذ عباس محمود العقاد) ليؤكد بها تمكّنَه من الشعر العمودي، وليسخر من اتهام العقاد، والقصيدة من ثلاث مقاطع ينهي كل مقطع منها بذكر تفعيلات (البسيط) يقول حجازي:
مِن أيِّ بحرٍ عصيِّ الريح، تطلبُهُ
إن كنتَ تبكي عليه ، نحن نكتبُهُ
يا مََنْ يحدِّثُ في كلِِّّ الأمور، ولا
يكادُ يُحسـِنُ أمراً ، أو يقِّربـُه
تعيشُ في عصرِنا ضيفاً وتشتمُنا
أنَّا بإيقاعِهِ نشـدو ، ونُطرِبُـهُ
مستفعلنْ فاعلِنْ مستفعلن فعِلُنْ
مستفعلنْ فاعلِنْ مستفعلن فعِلُنْ
في الأمسية الأولي لمهرجان أبي تمام، وفي إطار الجو الذي يتصل بالنكسة، ألقي الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي قصيدتين الأولي في رثاء الكاتب المصري وحيد النقاش والثانية في الذكري الأولي لرحيل الرئيس جمال عبد الناصر.. والقصيدتان كأنهما قصيدة واحدة، فهما تجريان علي إيقاع بحر واحد هو (المتدارك) ويجمعهما جو واحد وأسلوب واحد.
ونقف هنا عند ( مرثية للعمر الجميل) التي أطلق الشاعر اسمها فيما بعد عنوانا لإحدي مجاميعه الشعرية، فهي من أجمل ما كُتب في ذكري عبد الناصر وهزيمة حزيران، ففي هذه القصيدة، التي استجابت لها النخبة في المهرجان أكثر من جمهور القاعة، يذكِّرنا الشاعر بمراثي المدن والأبطال في التراث القديم، إذ ندخل مع حجازي، وكأننا في حلم أو رحلة ملحمية، إلي جوٍّ من الرثاء لم نعهده من قبل، فنحن أمام رثاء غرناطة أو قرطبة من جديد، والشاعر هو المغني الذي يمشي وراء دمه ويضرب أوتار قيثارته راحلا وراء حلمه (البطل) من مستحيلٍ إلي مستحيل، ثم يسقط حلمه وتسقط غرناظة في المحيط..
في مستهل قصيدته يبدأ حجازي من نهاية ذلك الحلم الجميل ـ عبد الناصر:
هذه آخر الأرض، لم يبق ّإلاّ الفِراقْ
سأسوِّي هنا لك قبرا، وأجعلُ شاهدَه› مِزقةً من لوائِكَ،
ثم أقول: سلاما
زمنُ الغزوات مضي.. والرّفاقْ
ذهبوا.. ورجعنا يتامي
هل سوي زهرتين أضمُّهما فوق قبرِكَ،
ثمَّ أمزّقُ عن قدمَيَّ الوثاقْ؟
............
تلك غرناطةٌ سقطتْ،
ورأيتُكَ تسقطُ دونَ جراحٍ،
كما يسقط النجمُ دون احتراقْ
والقصيدة طويلة تتشابك فيها الرموز، وتتداعي الصور وتتداخل العصور والأمكنة ويتصاعد فيها حوار عميق بين المغني والبطل، من العناق إلي اللوعة إلي الندم إلي تزاحم الأسئلة، عبر غنائية حزينة عذبة، وأسلوب له بصماته الخاصة التي هي بصمات حجازي.. وهذا مقطع آخر منها:
مَنْ تُرَي يحملُ الآن عِبءََ الهزيمة فينا
المغني الذي طافَ يبحثُ للحلم عن جسٍد يرتديهْ
أم هو المَلِكُ المدَّعي أنَّ حُلْمَ المغني تجسَّدَ فيهْ؟
هل خُدِعتُ بمُلْككَ، حتي حسبتُكَ صاحبيَ المُنتظَرْ
أم خدعتَ بأغنيتي
وانتظرتَ الذي وعدتْكَ به، ثم لم تنتصِرْ
أم خُدِعنا معاً بسرابِِ الزمانِ الجميلْ؟

شاذل طاقة: الغائب الحاضر
لم يفتْنا، نحن الأدباء من أبناء الموصل، ونحن نري الرواد يشاركون في المهرجان، أن نفتقد حضور شاعر رائد من أبناء المدينة هو شاذل طاقة أحد مؤسسي المدرسة الشعرية الجديدة في العراق، وحين سألنا عنه قيل: لقد تعذر عليه الحضور فمسؤوليته ومهامه كوكيل وزارة الخارجية تشغله عن الأمور الأحري.
وشاذل طاقة الذي كان له تأثيره في جيل من المجددين في المدينة، ظلت الموصل حاضرة في شعره، كما ظل حاضرا في قلوب المبدعين فيها.. فهو أول صوتٍ فتح الباب لاتجاهٍ شعري جديد، في زمن كان الخروج فيه علي السائد والتقليدي لا يُواجَه إلاّ بالاستنكار والسخرية.. ففي حديث إلي مجلة الإذاعة والتلفزيون نُشر في تشرين الأول عام 1975 وأشار إليه الكاتب والإعلامي سعد البزاز في كتابه (شاذل طاقة ـ المجموعة الشعرية الكاملة) يقول الشاعر والباحث هاشم الطعان: ( في عام 1950 عاد شاذل طاقة من بغداد مباشرة بالشعر الحر وألقي محاضرة عنه في الموصل أثارت ضجة ولكنها فعلت في الشباب فعل السحر فإذا بنا من غلاة الداعين إلي الشعر الحر.)
وهكذا، وبفضل شاذل طاقة، شهدت الحركة الشعرية في الموصل انتعاشَ تيار شعري مجدِّد دخل ساحة الإبداع آنذاك، ولكي يشقَّ هذا التيار طريقه بين المتراكم من الشعر التقليدي، ويحفّز الصحف علي أن تفتح أبوابَها لأصحابه دون تردد، أصدر أربعةٌُ من الشعراء الشباب في الموصل أواسطَ الخمسينات مجموعة شعرية مشتركة أطلقوا عليها اسم ( قصائد غير صالحة للنشر) يتصدَّرُها إهداءٌ نَصُّه: (إلي الصحف التي لم تنشر لنا هذا...) والشعراء هم ( شاذل طاقة، عبد الحليم اللاوند، هاشم الطعان، يوسف الصائغ ). أما بالنسبة لي، فقد التقيتُ بالشاعر شاذل طاقة عام 1967 وعام 1968 وأنا طالب في الصف الثالث ثم الرابع، في كلية الشريعة بجامعة بغداد ، عند حضوره مهرجان الكلية الشعري الذي كنتُ مشاركا فيه في العامين المذكورين، والتقينا علي صفحات مجلة الأقلام التي نشرتْ في الجزء الثالث من سنتها الرابعة( تشرين الثاني 1967) قصيدتين إحداهما له والأخري لي. وعندما نشر أحد الكتاب تعليقاً علي القصيدتين في العدد السادس( شباط 1968) مستعرضا ما توهَّمَ أنَّه من الأخطاء العروضية فيهما، أرسلتُ تعقيبا إلي مجلة الأقلام نُشر في العدد الثامن (نيسان 1968) فَنَّدتُ فيه زعمَ الكاتب، وأشرتُ إلي أنه هو المُخطِئ وأنَّ القصيدتين تخلوان من أيِّ خطأ عروضي.
أخيرا عليَّ أنْ أشير إلي أنَّ مِن الوجوه الشعرية التي لم تحضر مهرجان أبي تمام، من أبناء الموصل، الشاعر يوسف الصائغ المقيم في بغداد، وكلٌّ من الشاعرين المجددين الشابين آنذاك: ذو النون الأطرقجي وحيدر محمود عبد الرزاق.. فقد تعذَّرَ عليهما الحضور، لأنهما كانا في تلك الأيام مُنتدَبَيْن للتدريس في الجزائر.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
قباني والبردوني وحجازي ولميعة عباس عمارة في مرايا الذاكرة الموصلية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البيت الآرامي العراقي :: الثقافية , الادبية , التاريخية , الحضارية , والتراثية Cultural, literary, historical, cultural, & heritage :: منتدى النقد والدراسات والاصدارات Monetary Studies Forum& versions-
انتقل الى: