البيت الآرامي العراقي




البيت الآرامي العراقي

سياسي ِ ثقافي ِ أجتماعي


 
الرئيسيةالرئيسيةبحـثالتسجيلarakeyboardsyrkeyboardدخول

شاطر | 
 

  علي جعفر العلاق صانع اللغة وخادمها وسيدها

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Dr.Hannani Maya
المشرف العام
المشرف العام



الدولة : العراق
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 37598
مزاجي : أحب المنتدى
تاريخ التسجيل : 21/09/2009
الابراج : الجوزاء
التوقيت :

مُساهمةموضوع: علي جعفر العلاق صانع اللغة وخادمها وسيدها   الأحد 09 نوفمبر 2014, 7:17 pm

علي جعفر العلاق صانع اللغة وخادمها وسيدها
الشاعر العراقي جعفر العلاق كان الشعر بالنسبة إليه مركب عيش يذهب به إلى عشبة الخلود وهو ما كان سلفه جلجامش قد سعى إليه.
العرب [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]فاروق يوسف [نُشر في 09/11/2014، العدد: 9733، ص(10)]
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
علي جعفر العلاق كان جيلا بمفرده شاعرا وناقدا رافضا الانتماء إلى قبائل الشعر
ما بين الآلهة والبشر كان الشعر بالنسبة إليه صنيعا استثنائيا. في طفولته كانت اللغة طريقه إلى العالم.
وهو ما تعلمه في سن مبكرة من أبيه الذي كان يردد الشعر تلقائيا نوعا من الحكمة المجاورة. يومها كان يظن أن الشعر صنيع إلهي غير أنه سرعان ما اكتشف أن البشر هم صناع الشعر وحاملي شعلته.

الشعر وهو صناعة بشرية

ويا لها من صناعة خيالية، تستفيق من خلالها وحوش اللغة ليعيد الشاعر ترويضها وهو ما كان علي جعفر العلاق يحرص دائما على أن يفعله، من غير أن يضل طريقه إلى المعنى. بل إن لغته كانت تلمع كلما اقترب أكثر من المعاني الإنسانية التي يقيس من خلالها درجة شعريته.
لذلك انفرد العلاق من بين أبناء جيله بخصلتين تلازمتا طوال مسيرته الشعرية: لغة نقية صارمة تتجلى وتسيل من غير أن تنحرف عن طريقها ومعان تشفّ عن مضامينها بوضوح استثنائي.

غير أن موسيقى اللغة تغلب، وهو ما نجح الشاعر في تطويعه ذاهبا ببلاغته إلى منطقة شبيهة بتلك المناطق البحرية التي كان الرسام البريطاني تيرنر مولعا برسمها، حيث لا يخفي الضباب حقيقة أن هناك عاصفة قادمة.
في شعر علي جعفر العلاق الكثير من العواصف العاطفية التي تختبئ بين ثنايا لغة، هو خادمها وسيدها في الوقت نفسه.
قصيدتان من علي جعفر العلاق
إشارات برية
شربت أرضنا ماءها وقوافلها
والسماء تقاسم قهوتها الظاعنون
ولم يتركوا في يدي سوى مدن
علقت صيفها بالنوافذ
كن كالحصيرة
يضيء على رملها العاشقون
وتبيض فيها الغصون المقيمة بين الحصى والظهيرة
إن في رملة النوم قافلة
حملت خبزك البدوي
وقافلة حملت رئتي خيمة
من ضباب الفرات المطرز بالبدو
وجه الثريا كتاب
يدثر نوميَ بالريح
يشعل في جسدي
بلدة، مرسومة بالندى والتراب
يلف النهار على رئتي يديه
فتنكسر المدن المستريحة
تحت دمي شامة آه،
تلك ظعون الأحبة مبتلة
والسماء الطرية تختض، تختض،
تسقط في البرد موشومة بالحصى
والمياه الشهية هنا
في جبيني
صقر السواقي يشم غبار المبلل
بالنوم والوحشة الممطرة
وفي شفتي امرأة
تركت خبزها يتوهج في طرف الذاكرة
حفرت ثقبا في أيامي
تجلس فيه الريح المرة
وزع لغة الصبر علينا
جرب لغة البكائين
الليل شبابيك تهذي
وعصافير الفرحة طين.
*******
أرض الأضداد.. إلى الجواهري
لمن تغني أيها الراحلُ
لا دجلة تلك ولا بابلُ
كلتاهما موت وكلتاهما نار البدايات
أيقوى على فوضاهما شيء؟
أيقوى دم؟ أو لغة هوجاء أو ساحلُ؟
أرض من الأضداد
كم أشرقت، وكم غفا مصباحها الذابلُ
أرض من الأضداد
قيثارة، وقاتل يجتاحه قاتلُ
ترفل بالموت ولكنها تفنى
وتحيا طفلة بابلُ.

كان استثنائيا أمام جيله

ولد علي جعفر العلاق في الكوت، جنوب العراق. كان الغراف وهو نهر المدينة التي ولد فيها بالنسبة إليه بمثابة جرح أبدي يعيده إلى حكايات أمه.

في منتصف خمسينات القرن الماضي انتقلت عائلته إلى بغداد فاستأنف دراسته هناك إلى أن تخرج من الجامعة عام 1973 ليصدر كتابه الشعري الأول (لا شيء يحدث لا أحد يجيء) في السنة نفسها عن دار العودة في بيروت وكان قد أهداه إلى أبيه.

كان ذلك الكتاب الصغير في حجمه كبيرا في قوة اختلافه عن الشعر العراقي الذي كان سائدا يومها.

كان العلاق شاعرا استثنائيا في مواجهة جيل من الشعراء كانوا قد احتكروا سلطة الشعر كما لو أنهم وعده الأخير: فاضل العزاوي، سامي مهدي، حسب الشيخ جعفر، سركون بولص، حميد سعيد، يوسف الصايغ وسواهم من شعراء العقد الستيني الذين ظنوا أن ثورتهم الشعرية ستأخذ مداها عبر عقود لاحقة من الزمن.

ما لم يكن يخطر في بالهم أن يخرج فتى شاعري لا يمت إليهم بصلة ليؤلف فصول درسه الشعري بعيدا عن بيانهم الشعري.

صحيح أن العلاق كان وفيا في بداياته لتأثيرات أدونيس في تركيب جملته، غير أن تلك التأثيرات كانت تكشف عن الهضم أكثر مما توحي بالانصياع.

وهو ما بدا واضحا في كتب العلاق الشعرية اللاحقة (وطن لطيور الماء) و(شجر العائلة) و(فاكهة الماضي). بالنسبة إلى النقاد فقد كان العلاق ستينيا ولم يكن كذلك. هل كان ظهوره فاصلة بين عقدين؟


كان الشعر ضالته الأخيرة

العلاق في حقيقته لم يرق له الانتماء القبلي (الجيلي) إلى الشعر. لم يحبذ الانتماء إلى قبيلة سبقته إلى الشعر أو قبيلة تقف في انتظاره.

وقف وحيدا وكان لديه مشروعه الشعري الخاص الذي لا يتقاطع مع ما كان سائدا من شعر عراقي أو عربي على حد سواء.

وهو ما دعا النقاد المهتمين بأرشفة الشعر تاريخيا إلى إطلاق تسمية (الجيل الضائع) على حشد من الشعراء كان العلاق يقف في مقدمتهم.

وهي تسمية تكشف عن ضحالة فكرة التجييل وسطحيتها التي اعتمدت في العراق.

فالعلاق مثلا لم يكن يسعى إلا أن يكون نفسه. كانت قصيدته مزيجا من تاريخه العاطفي الشخصي وعراقيته التي تبشر بتآخي الطين والماء في غرين، كان النهران العظيمان، دجلة والفرات يتكرمان به.

كان ابن العراق الحائر، بكآبته الصامتة وصوت نواحه المدوي ورقّته التي تصل حد البكاء. في كل ما كتبه العلاق كان حزينا على ما فاته من لقى عاطفية ونفائس كانت عالقة بالهواء من حوله.

لم تكن تقنية الكتابة وحدها هي ما تفصله عن سواه من الشعراء. كانت نظرته غير المؤدجلة إلى الحياة قد وضعته في مكان مختلف.

كان عليه أن يؤاخي بين حياته الحقة وبين الشعر كما يحلمه. لذلك لم يكن الشعر وسيلته لتغيير العالم، بل كان ضالته المباشرة.

كان الشعر بالنسبة إلى العلاق مركب عيش يذهب به إلى عشبة الخلود، وهو ما كان سلفه جلجامش قد سعى إليه.

كان العلاق بما فعله لاحقا جيلا بمفرده. فاصلة بين جيلين باعدت بينهما السياسة مثلما فعل الواقع العراقي المتشظي.

شاعر الاطلال الأخير

في ثمانينات القرن الماضي ذهب للدراسة في لندن، وفي التسعينات، في بداياتها ذهب للتدريس في اليمن بعد أن تسنى له في بغداد أن يرأس تحرير مجلة (الأقلام) وهي واحدة من أكثر المجلات الأدبية في العالم العربي رصانة وكان أستاذا جامعيا في الوقت نفسه.

قضّى في صنعاء سنوات لينتقل بعدها إلى الإمارات، حيث يقيم في مدينة العين بأمان.

أهكذا تنتهي سيرة شاعر هو أكثر رقة من عشبة مبللة بندى الفجر؟ أعتقد أن العلاق قاوم قدره بطريقة استثنائية. إنه يقاوم حنينه إلى العراق، وهو الذي لا يرى مكانا في الأرض أجمل منه.
في الوقت نفسه فإنه يقاوم شعريته. كلما نشر كتابا شعريا جديدا يحرص على أن يضعنا في مواجهة معادلات لغوية جديدة، معها لن يكون الشاعر الذي نعرفه.
وقد يكون مناسبا هنا أن أذكر أن موقفه الوطني النبيل من مأساة وطنه وقد تعرض للاحتلال عام 2003 قد أضفى على كتابته حيوية استعاد من خلالها معنى المكان الذي حُرم من رؤيته.

لقد استعاد في الكثير من قصائده مشهد الشاعر العربي الذي يبكي على أطلال قريته.

وهو ما أكده العلاق في دراساته للشعر القديم، من خلال ميله إلى الشعراء الذين صنعوا من غربتهم ملاذا شعريا.

هناك في شعره فهرس للحنين، يمكنه أن يكون مادة لموسوعة، يكون فيها كل سينتمتر يفصل بين الشاعر ووطنه فقرة في قراءة نوع متجدد من الحنين.

هذا شاعر يعيد صناعة وطنه من خلال حنينه المقاوم إليه. ولأن العلاق يقاوم الشعر مثلما يقاوم الواقع فقد صار عليه أن يفخر بنجاته وهو الشاعر الذي سيستعيد العراقيون يوما ما أشعاره باعتبارها رمزا لانتصار الشعر على الظلام.

بين الشعر النقد

أصدر العلاق عشرة كتب شعرية. أولها “لا شيء يحدث لا أحد يجيء” وآخرها “نداء البدايات” غير أنه كان ناشطا في مجال نقد الشعر وتحليله والتقاط الجوانب النظرية التي تضيء حياته الداخلية الغامضة.

كان لديه دائما الجديد الذي يقوله عن الشعر، قديمه وحديثه.

وكان في كل كتاباته النظرية منحازا إلى ما يهوى، رصيده من الشعر العربي الحديث والقديم الذي شكل بالنسبة إليه مرجعية شعرية شخصية.

لقد صنع من كتبه النثرية مجالا حيويا يتمكن القارئ حين الدخول إليه من التعرف على أسرار العملية الشعرية فكانت تلك الكتب بمثابة مختبر، عرض فيه الشاعر حياته السرية قارئا.

تتداخل متعة القراءة بشغف الشعر، فكان العلاق يحلّق في نثره كما لو أنه بصدد استرجاع مشاعره حين قرأ أول مرة قصائد الشعراء الذين كتب عنهم.

كتب لخّص العلاق من خلالها سيرته الشخصية باعتباره قارئا موهوبا في اقتناص لحظات الشعر النادرة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
علي جعفر العلاق صانع اللغة وخادمها وسيدها
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البيت الآرامي العراقي :: الثقافية , الادبية , التاريخية , الحضارية , والتراثية Cultural, literary, historical, cultural, & heritage :: منتدى اعلام الطب والفكر والأدب والفلسفة والعلم والتاريخ والسياسة والعسكرية وأخرى Forum notify thought, literature & other-
انتقل الى: