البيت الآرامي العراقي




البيت الآرامي العراقي

سياسي ِ ثقافي ِ أجتماعي


 
الرئيسيةالرئيسيةبحـثالتسجيلarakeyboardsyrkeyboardدخول

شاطر | 
 

 رجل أرهق أقلام التاريخ/ جهاد بشير

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Dr.Hannani Maya
المشرف العام
المشرف العام



الدولة : العراق
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 37586
مزاجي : أحب المنتدى
تاريخ التسجيل : 21/09/2009
الابراج : الجوزاء
التوقيت :

مُساهمةموضوع: رجل أرهق أقلام التاريخ/ جهاد بشير   الأربعاء 01 أبريل 2015, 12:30 am

رجل أرهق أقلام التاريخ/ جهاد بشير

28 /03 /2015 م 10:46 صباحا

إن اليد التي صافحت يمين الشيخ حارث الضاري ـ عليه رحمة الله ورضوانه ـ قبل بضع سنين؛ تكتب هذه السطور اليوم وهي لا تنفك ترتعش لهيبة صاحب الذكر الذي حتى الآن لا أستطيع تفسير شعور من سمح للسانه أن ينال منه يومًا بسوء كلام أو قبيح وصف، ولا يمكنني أبدًا فهم طبيعة الشخصية التي يتقمصها هذا الصنف الذي يبالغ بعضه متبجحًا بأنه ينتصر لدينه أو أمّته؛
فلا يمكن القول عن هؤلاء إلا أنهم مجرد أبواق تراكم في داخلها لعاب العدو على اختلاف أنواعه فاختلط به غبار الأحداث حتى غدا درنًا منفرًا، فضلاً عن أن ذكرهم بحد ذاته إهانة للشيخ ـ حاشاه ـ ولكن المقام فرض ذلك، وعزاؤنا أن القرآن الكريم ذكر المنافقين وتناول أحوالهم ليس لرفعة شأنهم أو إظهار مكانتهم بل لكشف قبيح أفعالهم وفضح مؤامراتهم وتلك من البدهيات التي لا تخفى على ذوي الألباب.

لقد قرأتُ لشخص محب للشيخ الضاري ـ حباه الله الجنة ـ كلامًا أحسبه يفيض صدقًا؛ فتبنيته شعورًا وتصديقًا، فهو يقول ما معناه: إن حروف اللغة العربية ومفردات معاجمها ستلومنا إذ نُحمّلها ما لا تطيق ونطلب منها ما لا يمكنها أداؤه تجاه الشيخ ومناقبه التي تأبى أن تكون شريكة في الوصف لأحد آخر سبق أن أطلق عليه. ومثل هذا الكلام كثير ولعل المقالات الزاخرة التي ملأت الصحف والمواقع كفيلة بتأكيده وهذا كله ليس بحاجة لطول شرح أو عمق تعليق لتظهر لنا حجم المكانة التي يحظى بها الشيخ حارث ـ تغمده الرحمن بوافر رحمته ـ بل إن حدث وفاته نفسه كشف عمّا كان غائبًا لدى كثير من الناس في حال حياته، وأظهرت أيام معدودات تاريخ سنين طويلة حافلة، وشهادات موثقة صادقة في حق رجل صنع الحياة حيًا وميتًا، لكن صنعته المبهرة بدت أكثر سطوعًا يوم وفاته وما تلاه؛ إذ أن تواضعه وأدبه الجم وحياؤه من الله عز وجل طالما حالت دون هذا التوسع في بيان عظيم شأنه في حياته، فلم تكن دائرة اهتمامه محيطة بما سيُقال عنه في هذه الدنيا التي رماها خلف ظهره ليكرّس صحته وجهده وما يملك من أجل قضية آمن بها ورفع لواءها.

كشفت لنا وفاة الشيخ حارث الضاري ـ بلّغه الله منزلة الصدّيقين في الجنة ـ أن العظمة تتجلى في المرء حين يكون حيًا في الموت، مثلما كان مغمورًا بها في حياته؛ وإذ كان حضور شيخ المجاهدين في الحياة مليء بما يرهق أقلام التاريخ؛ فإن رحيله استدعى من الأخير مزيدًا من الصحائف ومزيدًا من المِداد، لأن الدنيا من بعده أشغِلت بما هيّأ الله من حناجر صدَحت، وأنامل رسَمَت، وقلوب عبّرت، وعيون ذرفت، وكلمات أُطلِقت، وأشعار أُنشِأت، ولم تكد تهب نسمةُ هواءٍ في غدو أو عشي إلا وذكر مناقبه يتهادر بين جنبيها، وما سطعت شمس على أرض أو تلألأت نجوم في سماء إلا خبت أنوارها أمام إشراقة اسمه وسطوع ضياء ذكره؛ فأنى لكلمات موجزة وسطور معدودة أن تفي حق جبل أشم رسخت أوتاده ثباتًا وسمت قمته شموخًا وعلوًا؟!

إنها لمن أكثر موافقات القدر إبهارًا أن تكون أول صلاة على الشيخ حارث الضاري ـ بوأه الله منازل الجنة العالية ـ بعد وفاته بساعات قليلة؛ متوافقة مع اليوم نفسه الذي تم فيه فتح القسطنطينية، وعلى بُعد بضعة أمتار من صاحب هذا الفتح العظيم القائد الكبير محمد الفاتح ـ عليه رحمة الله ـ فكأن في ذلك براعة استهلال ووعدًا بطيب المآل؛ وتظهر معانيهما بأن أوقات الفتوح الإسلامية فيها من البشائر ما تُفهم طبيعتها من قوله تعالى لنبيه الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا * وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا} [الفتح: 1ـ3]، ولك أيّها القارئ المحب أن تتأمل كيف أن الشيخ الضاري ـ عليه من الله شآبيب الرحمات ـ ورث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام علم سنته، فتخصص بالحديث الشريف واهتم به فحفظ وأبدع، وعَلِم وعلّم، وصنّف وألّف، واكتسب من شخصيتي أبي هريرة رضي الله عنه، والإمام الزهري رحمه الله وأنعم عليه، أخلاقهما وعلمهما وحرصهما البالغ على حفظ السنة وخدمتها بأمانة وإخلاص وتفانٍ، لتكتمل عندك الصورة وتسطع على إثرها الفكرة.

ها قد انقضت حياة رجل حاز من الشرف الرفيع أجلّه، ومن علو المكانة العلمية والاجتماعية ناصيتها، ومن سعة الجاه وعظم الشأن أنفسه، ورغم ذلك لم يجده أحد ممن التقاه أو عاشره إلا عفيف النفس، متواضع الجناب، عظيم الخلق، ما كان إلا مؤمنًا تقيًا قيّد نفسه بمخافة الله عز وجل، وألزم نفسه بالوقوف عند حدوده وثوابت دينه وشريعته، وجاهد في الله حق جهاده، فحرص في ذلك على ألا يرى المسلمين في بلاده وفي سائر الأمة مقطعي الأوصال، وبذل لتحقيق ذلك وسعه وطاقته وما آتاه الله من فهم وبصيرة ورؤية في السياسة جليلة، جعلت من خالفه يعترف أن الصواب رفيقه والحق قرينه، وسأل الله تعالى بصدق ألا يرى العراق مقسّمًا ومقطعًا، فوافاه الأجل بعد هذا السؤال، رحمة من الله وفضلاً، والله ذو الفضل العظيم.

وفي آخر المطاف؛ ومع ما تبقى من أنفاسه الطيبة في هذه الدنيا، أخبر الشيخ الجليل من كان حوله؛ بأنه قد عفا وصفح عمّن ذكره يومًا بسيء الأقوال وقبيح الأوصاف، التي كان بعضها يبلغه فيصبر عليها ويحتسب، فإنه قد استحضر قول الله عز وجل وعمل به: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [الشورى:43]، وهذا هو خلق العلماء الربّانيين الذين أنعم الله عليهم بطيب الذكر في الدنيا وجميل الأثر بعد الممات.. فـ:
للهِ درّكَ مِن شيخٍ ومِن عَلَمٍ ... نالَ الفضائلَ جمعًا وهو يرتحِلُ

رحم الله الشيخ حارث الضاري، وبلّغه منازل النبيين والشهداء والصالحين، وجعله من عباده الذين قال فيهم: {وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْاْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرًا لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللّهُ الْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]


التاريخ/ جهاد بشير
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
رجل أرهق أقلام التاريخ/ جهاد بشير
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البيت الآرامي العراقي :: الاخبار العامة والسياسية General and political news :: منتدى المنبر السياسي والحوار الهادئ والنقاش الجاد الحر Political platform & forum for dialogue & discussion-
انتقل الى: